تجدد الإرهاب في مصر .. أي دور لـ "القاعدة" ؟

د. وحيد عبد المجيد: تجدد الإرهاب في مصر ... أي دور لـ "القاعدة" ؟

  • 11 مايو 2005

خمس عمليات إرهابية خلال ستة شهور. تزامنت الأولى والثانية اللتان وقعتا في طابا ونويبع في أكتوبر/تشرين الأول 2004. كما تزامنت الأخيرتان اللتان حدثتا في قلب القاهرة في 30 أبريل/نيسان 2005. وقبلهما بنحو ثلاثة أسابيع كانت عملية منطقة الأزهر.

 عمليات متفاوتة في حجمها، ولكن يجمعها أو معظمها أسلوب جديد على الإرهاب في مصر، ولكنه أصبح معتاداً ومنتشراً خارجها، وهو الانتحار. هذا الأسلوب كان أول ما أثار السؤال عما إذا كان للقائمين على هذه العمليات الانتحارية صلة ما بشبكة "القاعدة"، وعما إذا كانت خلايا نائمة مرتبطة بهذه الشبكة بدأت في الاستيقاظ. لم يكن الأسلوب الانتحاري هو وحده الدافع إلى إثارة السؤال الذي يستحق التأمل والبحث الجاد قبل القفز إلى إجابة متعجلة.

 ولذلك كان في إسراع بعض رجال الأمن وعدد من المهتمين بقضايا الإرهاب إلى الجزم باستحالة وجود خلايا نائمة لها صلة بشبكة "القاعدة" مصادرة على البحث في موضوع ينطوي الاستخفاف به على تكلفة كبيرة تعرفها جيداً البلاد التي عانت ويلات الإرهاب. كما لا تخلو هذه الإجابة المتعجلة من جانب فكاهي، إذ يبدو الأمر كما لو أن خلايا "القاعدة" النائمة تنام في غرف نوم معلومة يمكن تفتيشها والتأكد من خلوها! والحال أن السؤال عن دور ما لهذه الشبكة في الإرهاب الذي عاد إلى مصر مجدداً هو سؤال بالغ الأهمية. ولذلك يفترض أن يكون التعامل معه شديد الجدية، لأن الإجابة عنه بالإيجاب أو السلب تحدد استراتيجية وتكتيكات مواجهة موجة الإرهاب الجديدة.

 فالافتراض الذي يذهب إلى إمكان وجود صلة ما بين "القاعدة" وتجدد الإرهاب ليس مصنوعاً أو متوهماً، بالرغم من أنه لم يثبت بشكل يقيني حتى الآن. فلهذا الافتراض أساس موضوعي كاف للنظر فيه وبحثه جدياً لقبوله أو نفيه، وهو إمكان أن يكون أعضاء خليتي طابا-نويبع والقاهرة جزءاً من جيل جديد من الإرهابيين تمكنت عناصر قريبة من "القاعدة" من تجنيد عدد غير معروف منهم في صورة خلايا عنقودية نائمة. وقد ازدادت أهمية هذا الافتراض في ظل المعلومات التي تفيد أن عضواً قديماً في تنظيم "الجهاد" انتقل إلى "الجماعة الإسلامية" ثم أعلن توبته مبكراً، ويدعى أكرم فوزي، هو الذي لعب الدور الرئيس في تجنيد خلية القاهرة وفي تمويلها. وهو، بالتالي، الذي اختار لها الشكل العنقودي الذي يضمن أن لا يؤدي سقوطها إلى كشف أي خلية أخرى. فمن أخص خصائص الخلية العنقودية أنها مغلقة على نفسها لا تعرف شيئاً عن الخلايا الأخرى حتى إذا كانت في المدينة نفسها. ولأن أعضاء خلايا جديدة من هذا النوع ليسوا مسجلين في سجلات جهاز الأمن، فمن الطبيعي أن لا تتوافر معلومات عنهم.

 ولكن غياب المعلومات يفرض السعي إلى توفيرها قبل إعلان تقدير نهائي للموقف لا يمكن الوصول إليه من دون الحصول عليها. وهنا يؤدي التعجل إلى أخطاء يسهل تجنبها من النوع الذي ظهر في تضارب البيانات الأمنية الرسمية منذ عملية الأزهر.

 فعلى سبيل المثال أعلن باديء ذي بدء أن الحادث فردي وأن منفذ العملية لا ينتمي إلى أي تنظيم. ولكن سرعان ما تبين أن له شركاء، قيل في البداية إنهم أربعة، ثم ازداد عددهم ولم يعد معروفاً. ولن يتسنى معرفة هذا العدد بشكل دقيق إلا بعد استكمال التحقيق والبحث، أي توفير المعلومات الناقصة.

 فأبناء الجيل الجديد من الإرهابيين ليسوا مراقبين. وانتظامهم في خلايا عنقودية مغلقة يجعل البحث عنهم شديد الصعوبة، بدليل أن جهوداً هائلة مبذولة منذ أكثر من ستة شهور لم تسفر عن نتيجة نهائية بشأن خلية طابا-نويبع، بالرغم من أن بعض هذه الجهود شمل ما يطلق عليه استخداماً مفرطاً للقوة في التعامل مع عشرات من أبناء سيناء توافرت قرائن على أن لديهم معلومات يخفونها.

 وهذا النوع من الخلايا العنقودية هو في حد ذاته مؤشر على وجود عمل تنظيمي يتسم بقدر من التطور تقف وراءه خبرة ما، حتى إذا كان الأسلوب الذي استخدم في العمليات التي حدثت في القاهرة في شهر أبريل/نيسان 2005 بدائياً. وهو كذلك بالفعل، إذ خلت العبوتان الناسفتان المستخدمتان في منطقتي الأزهر وميدان عبد المنعم رياض في القاهرة من أي تكنولوجيا حديثة. فهما عبارة عن قنبلة مسامير مختلطة بالبارود ومن دون جهاز تفجير عن بعد.

 وهذا الطابع البدائي للعبوتين كان السند الأول للجزم بعدم وجود أي علاقة لشبكة "القاعدة" بما حدث. وهذا سندٌ هشٌّ عندما يستخدم كمبرر لغلق ملف بهذا القدر من الخطورة في الوقت الذي ينبغي فيه فتحه على مصراعيه بحثاً عن الحقيقة. فبدائية الأسلوب تدل على ضعف في الإمكانيات والتدريب. وعندما يستخدم هذا الضعف سنداً لنفي العلاقة مع شبكة "القاعدة"، فوراء هذا السند اعتقاد جازم في أنها شبكة قوية وربما عملاقة لا يصح أن ينسب إليها أبداً عمل بدائي ضعيف الإمكانات محدود الأثر.

 وهذا اعتقاد مشكوك كثيراً في صحته، إن لم يكن خاطئاً. فقد أضعفت القاعدة بشكل ملموس بسبب الضربات المتوالية التي تعرضت لها على مدى أكثر من أربع سنوات، والحصار الخانق المضروب حول قيادتها وكثير من كوادرها الوسيطة، فضلا عن النجاح الذي أحرزته سياسة تجفيف منابعها المالية.

 ولم يكن إلقاء القبض على أبو الفرج الليبي قبل أيام إلا دليلاً جديداً على ذلك، فضلا عن أنه حلقة جديدة من حلقات تضييق الخناق عليها. فقد ترك اعتقال خالد شيخ محمد في مارس/آذار 2003، وهو مهندس هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، أثراً كبيراً في أداء "القاعدة". والمتوقع أن يكون لاعتقال أبو الفرج الليبي أثر مماثل وربما أكبر.

 غير أن إضعاف "القاعدة" لم يصل بعد، ولن يصل في أي مدى منظور، إلى المستوى الذي يؤدي إلى شل حركتها. فقد أدى إضعافها إلى عزل قيادتها ممثلة في ابن لادن والظواهري، وتقطيع قسم كبير من شبكة اتصالاتها، وشح مواردها المالية. ولكن يظل في إمكان بعض كوادرها الوسيطة غير المحروقة أن تتحرك من مكان إلى آخر تعويضاً عن افتقاد وسائل الاتصال عن بعد في معظم الأحيان، وسعياً إلى تدبير موارد عبر التبرعات التي يتيسر جمعها في ظل الحصار الخانق عبر أشخاص أو هيئات تعمل كواجهة. وهذا التحرك هو الذي حافظ، رغم محدوديته، على وجود خلايا نائمة سبق تجنيدها في بعض الدول، وتجنيد خلايا جديدة.

 وفي هذه الظروف يصبح منطقياً لجوء "القاعدة" إلى إيقاظ بعض هذه الخلايا لسببين: أولهما محاولة إثبات أن "الجهاد" الذي ترفع شعاره مازال بخير. والثاني هو الأمل في أن يؤدي ذلك إلى انشغال أجهزة الأمن التي تضيق الخناق على قيادتها مما قد يؤدي إلى تخفيف الضغط عليها.

 وهذا يفسر ظهور الإرهاب في بلاد عربية لم تعرفه من قبل مثل الكويت وقطر، واستئنافه في بلاد لها تجربة مريرة معه مثل مصر، وذلك بعد أن اختيرت السعودية موقعاً رئيساًً لتصعيد العمل الإرهابي لأسباب عملية تتعلق بوجود إمكانيات كبيرة لدى الخلايا التي كانت نائمة فيها. ولعل هذا هو ما يدفع المراقبين في الغرب للاندهاش من قدرة إرهاب "القاعدة" على الاستمرار في ظل الحصار الخانق المضروب حولها. فقد تساءل الكاتب الأمريكي المعروف توماس فريدمان، عقب عمليتي وسط القاهرة في 30 أبريل/نيسان 2005 بكثير من الاستغراب: "كيف ومن أين تتوافر هذه الكثرة في الأشخاص الذين ينتحرون حسب الطلب يوما بعد يوم؟".

 وفي هذا السياق المعقد يبدو منطقياً أن يتفاوت أداء الخلايا التي يتم إيقاظها وفقا لإمكانياتها الذاتية في المقام الأول. ففي وجود إمكانيات كبيرة لهذه الخلايا في السعودية، بدا الأداء قوياً لشهور طويلة إلى أن تمكن جهاز الأمن من السيطرة على الأوضاع بدرجة أو بأخرى. وفي العمليات الأخيرة في مصر، ظهر الأثر الواضح لضعف الإمكانيات الذاتية وعدم قدرة كوادر "القاعدة" التي تتحرك على تقديم مساعدة تذكر، بخلاف الحال في عمليتي طابا-نويبع. فقد ساهم قرب المدينتين من الحدود في منطقة يستحيل السيطرة المطلقة على أعمال التهريب عبرها في تزويد الإرهابيين بإمكانيات أكبر.

 ولهذا كله يصعب الاعتداد بالحجة القائلة إن ثبوت عدم وجود علاقة بين الإرهابيين في السعودية ومصر يجزم بأن لا صلة مطلقاً لشبكة "القاعدة" بالتفجيرات التي حدثت أخيراً في القاهرة. فالأكيد أنه لا توجد مثل هذه العلاقة. ولكن الأكيد أيضاً أن هذا ليس سنداً لعدم وجود يد لشبكة "القاعدة" في تفجيرات القاهرة. فانتفاء العلاقة هو من أخص خصائص الخلايا العنقودية. وهذه الخصيصة تؤدي إلى عدم وجود علاقة حتى بين خليتين في داخل القاهرة نفسها.

 يبقى بعد ذلك مبرر أخير يستند إليه من يجزمون بأن الإرهاب في مصر فردي عشوائي لا صلة له بشبكة "القاعدة" أو غيرها، وهو الاحتقان السياسي الذي يدفع بعض الشباب إلى التطرف ومن ثم الإرهاب. وهنا تتباين طريقة الدفع بهذا المبرر. فرجال الأمن الرسميون يركزون على ما يرونه احتقاناً ناجماً عن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والاحتلال الأمريكي للعراق، فيما يهتم الخبراء غير الرسميين بالاحتقان الذي ينتج عن الانسداد السياسي والفقر في الداخل.

 غير أن حديث الاحتقان هذا يثير سؤالاً: فإذا كان الأمر كذلك فلماذا لم ينخرط عدد كبير من الشباب في سلك الإرهاب؟ وهل يجوز أن يكون الاحتقان سبباً وحيداً للإرهاب إذا انحصر تأثيره في بضعه أفراد أو حتى بضع عشرات؟! وقد رد محافظ القليوبية (إرهابيو العمليات الثلاث الأخيرة في الأزهر ووسط القاهرة من سكان هذه المحافظة التي تعتبر جزءاً من القاهرة الكبرى) على ربط الإرهاب بالفقر والحياة فى مناطق فقيرة كتلك التي خرج منها هؤلاء الإرهابيون، وقال إن هذه المنطقة تعتبر أفضل من مناطق فقيرة كثيرة في مصر. وقدم المحافظ عدلي حسين دفعاً مضاداً مؤداه أن (ربط الإرهاب بالمناطق الفقيرة والعشوائية هو تصور ساذج) على حد تعبيره.

 إن من الطبيعي أن تختلف الآراء وتتباين الاجتهادات بشأن دوافع تجدد الإرهاب في مصر. ولكن ليس من الطبيعي المصادرة على البحث الضروري الذي تشتد الحاجة إليه في جانب أساسي في هذا الموضوع، وهو وجود دور ما لشبكة "القاعدة". وليت من يتعجلون حسم هذا الموضوع قبل البحث فيه يأخذون في الاعتبار مسألتين يبدو أنهما غائبتان عنهم: الأولى هي أن "القاعدة" ليست تنظيماً هرمياً محكماً بخلاف التنظيمات التي مارست العنف في مصر من قبل، وأهمها "الجماعة الإسلامية" و"الجهاد". فالقاعدة شبكة فضفاضة لها قيادة مركزية صارت محاصرة، وتضم تنظيمات وأفراداً في أكثر من 50 دولة. وربما يؤدي تذكر هذه الحقيقة إلى التفكير بشكل مختلف في قضية دور "القاعدة". والثانية هي أن تحول العراق إلى ساحة مفتوحة للإرهاب منذ نحو عامين أتاح فرصة تاريخية لتجديد شباب العمل الإرهابي الذي تظل "القاعدة" مرجعاً عاماً له. وسيكون لهذا التطور أثر بالغ في مسار الإرهاب في المنطقة في السنوات القادمة. وقد بدأ هذا الأثر في الظهور بالفعل، ولكنه لن يتنامى إلا بعد محاصرة الإرهاب في ساحته الرئيسة (العراق)، واضطرار عناصره إلى الهرب إلى بلاد أخرى في المنطقة.

Share