تجدد الأزمة المالية العالمية: الظواهر والآثار

  • 22 أغسطس 2011

أدى تجدد نشوب الأزمة المالية العالمية خلال فصل الصيف الحالي إلى بث الخوف في الأسواق العالمية، وكان من أبرز مظاهرها إخفاق البنك المركزي الأوروبي في معالجة قضية الديون السيادية في بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وإخفاق الإدارة الأمريكية في التوصل إلى حل وسط في الوقت المناسب بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لوضع سقف جديد للديون الحكومية الأمريكية التي زادت عن 14 تريليون دولار مما دعا مؤسسة "ستاندرد أند بوور" إلى تخفيض التصنيف الائتماني الأمريكي للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد تأثرت أسواق الأسهم العالمية سلباً بهذه التطورات، كما تدهورت قيمة الدولار بالنسبة لبقية العملات الصعبة، ليواجه الاقتصاد العالمي أزمة مالية حادة، هي الثانية خلال خمس سنوات؛ حيث سبقتها أزمة عام 2008 التي نشبت بسبب أزمة القروض السكنية في الولايات المتحدة، وأدت فيما أدت إليه إلى إخفاق المؤسسة المالية العريقة "ليمان بروذرز" وغيرها من المؤسسات المالية والمصارف الأمريكية والعالمية.

وتطرح هاتان الأزمتان الماليتان خلال نصف عقد من الزمن أسئلة عديدة حول الأسباب الأساسية التي أدت إليهما، وتأثيرهما في العلاقات الاقتصادية الدولية في المستقبل المنظور، وما هي احتمالات بروز نظام اقتصاد عالمي جديد في ضوء هذه الأزمات المتكررة والمتلاحقة، وما هو دور الدول النفطية في النظام الاقتصادي العالمي الجديد قيد التشكل؟

من الواضح أن الأزمات الاقتصادية المتلاحقة هي ظواهر لمشكلات كبرى في الدول الصناعية الغربية. ويمكن إرجاع بعض أسباب هذه المشكلات إلى عوائق هيكلية في أوروبا، أو تطورات سياسية داخلية في الولايات المتحدة. ففي أوروبا، مثلاً، نجد أن القرارات الرئيسة للبنك المركزي الأوروبي، تحتاج إلى موافقة برلمانات جميع الدول الأعضاء، ناهيك عن موافقة الدول الكبرى في الاتحاد، مثل ألمانيا وفرنسا، اللتين لهما وجهات نظر اقتصادية محافظة أكثر من بقية الدول الأعضاء. أما في الولايات المتحدة، فالمشكلة تختلف كلياً. فالأزمة الحالية لها أبعاد سياسية ترتبط بالتنافس القائم بين الحزبين الرئيسيين، الجمهوري والديمقراطي، ولاسيما بعد تصاعد نفوذ "حزب الشاي" داخل الحزب الجمهوري. ذلك الحزب الذي نشأ كرد فعل على طريقة تعامل الحكومة الفيدرالية مع المصارف في الأزمة المالية الأولى؛ حيث رفض كثير من المواطنين سياسة الدعم والإنقاذ  الحكومية للمصارف والمؤسسات المالية المتعثرة لإخراجها من ورطتها على حساب دافع الضرائب، كما يضم الحزب مجموعة كبيرة من المحافظين الجدد ومن العناصر الدينية المتشددة. ويهدف حزب الشاي إلى وضع حدود لموازنة الحكومة الفيدرالية، ومن ثم تقليص نفوذها. وهذا بالضبط ما قام به خلال شهر تموز (يوليو) وأوائل شهر آب (أغسطس) من العام الحالي عندما عرقل من خلال نفوذه الواسع ضمن الحزب الجمهوري مجلس النواب من التوصل في الوقت المناسب إلى حل وسط حول زيادة سقف الديون الحكومية الأمريكية لكي يسمح لها بالاستمرار في عملها.

وهناك أيضاً أسباب اقتصادية أساسية دفعت إلى نشوب هذه الأزمات المالية، من ذلك التغيّر الكبير في الميزان التجاري بين الدول الصناعية الكبرى والدول الناشئة (الصين، الهند، البرازيل، وكوريا الجنوبية). ويستطيع المستهلك في الولايات المتحدة، أو في أي دولة أخرى في العالم، أن يلاحظ هذا التغيّر في الميزان التجاري؛ فالمنتجات الصينية، على سبيل المثال، غزت وبقوة جميع الأسواق العالمية بسبب جودتها وسعرها وديناميكية تسويقها (ومن الجدير بالذكر أن معظم المنتجات الصينية يتم تصنيعها من قبل شركات صينية أو شركات دولية تستثمر عشرات المليارات من الدولارات سنوياً في الصين للاستفادة من كلف العمالة الأقل نسبياً في الصين ، هذا ناهيك عن سوق الصين الاستهلاكي الواسع).

كما يكمن السبب الآخر في الفرق الشاسع في مستوى المعيشة بين الدول الصناعية الغربية الكبرى والدول الناشئة، فهذه الفجوة الكبيرة بين الجانبين في مستوى المعيشة تؤثر في نفقات أجور العمال والذي يؤثر بدوره في المنافسة التجارية. وبدورها، فإن التكاليف الباهظة للحروب، ومحاولة شن أكثر من حرب واحدة في الوقت نفسه، تثقل كاهل دافعي الضرائب، وتوجه الموارد المالية نحو قطاعات غير منتجة (أنفقت الولايات المتحدة نحو 3.7 تريليون دولار على حروب العراق وأفغانستان وباكستان)، أضف إلى ذلك التزامات الإنفاق الحكومي في الدول الغربية التي تصاعدت بشكل واسع وكبير، بالذات في مجالات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية. هذه العوامل مجتمعة أدت فيما أدت إليه إلى المتغيرات الاقتصادية التي نشاهدها اليوم، والتي قد تسهم بدورها في نشوء نظام اقتصادي عالمي جديد، يأخذ بعين الاعتبار قوة الدول الناشئة اقتصادياً، والانعتاق من نظام "بريتون وودز" الذي أسسته الدول المتحالفة بعيد الحرب العالمية الثانية في منتصف القرن العشرين.

وهناك سبب أساسي آخر وراء هذه الأزمات المالية المتكررة، وهو المتغيرات الكبيرة في الاقتصاد العالمي. فقد تغير تدريجياً دور الدول الغربية من أقطار صناعية منتجة إلى أقطار مصدرة للخدمات، بالذات الخدمات المالية والمصرفية. إلا أن الحكومات الغربية لم تشرع القوانين والضوابط اللازمة لتأمين عمل المصارف والمؤسسات المالية. إذ نجد أن العديد من هذه المؤسسات المالية تمنح الإكراميات والحوافز السنوية لكبار موظفيها، بعشرات الملايين من الدولارات، رغم الخسائر السنوية التي تتكبدها، مما جلب عليها نقمة الرأي العام في الدول الغربية عندما حاولت الحكومات إنقاذ هذه المؤسسات بعيد أزمة 2008. والأخطر من ذلك، هو عدم وضع الضوابط اللازمة للمضاربات في العملات ومواد السلع الأولية، الأمر الذي نتج عنه ارتفاع كبير في أسعار المواد الأولية، وارتفاع قيمة العملات الصعبة وهبوطها، من دون أسباب وجيهة أو عقلانية ذات علاقة بالعرض والطلب، كما هو مفترض في النظام الرأسمالي والأسواق الحرة. وقد حذر من هذه المضاربات وزراء منظمة "أوبك" مراراً وتكراراً، لكن دون أي رد فعل يذكر من قبل الدول الصناعية الكبرى.

ومن نافلة القول، أن التحول من نظام اقتصادي عالمي إلى نظام جديد، لا  ينشأ بين ليلة وضحاها، بل يتطلب سنوات عدة، وترافقه تطورات سياسية وعسكرية واقتصادية مهمة. وحقيقة الأمر، فإننا بدأنا نرى هذا التغيير عبر السنوات الماضية ماثلاً أمامنا من خلال التقدم الاقتصادي المستدام في الدول الناشئة وعدم تأثير الأزمات الاقتصادية العالمية عليها، كما نشاهد زيادة معدلات استهلاك الطاقة في الدول الناشئة؛ حيث تبلغ معدلات نمو استهلاك النفط والغاز سنوياً أرقاماً عالية جداً (تقارب نحو 10%)، بالذات عندما تُقارن بمعدلات زيادة الاستهلاك السنوية في الدول الصناعية الغربية (نحو 1-3 %). وهذه جميعها دلائل تشير إلى الدور المهم الذي أخذت تؤديه الدول الناشئة على الصعيد الاقتصادي الدولي، حيث يتوجب أخذ دورها ونفوذها بالحسبان في أي نظام اقتصادي جديد.

ولا خلاف على أنه من الممكن للدول النفطية أن تؤدي دوراً أكبر على الصعيد الاقتصادي الدولي، مع الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الحاصلة عالمياً. فمن ناحية، لا تزال الدول النفطية تعيش في مرحلة السبعينيات عند اتخاذ  منظمة الأقطار المصدرة للبترول (أوبك) قرار تحديد مستوى الأسعار ومن ثم مستوى الإنتاج. بمعنى آخر، استمرت دول أوبك في عملية التركيز على إنتاج وتصدير المواد الهيدروكربونية وتعظيم الرأسمال المتوفر لديها، دون تأسيس صناعات أخرى تستطيع المنافسة على الصعيد الدولي. وتتيح المتغيرات الحالية على الصعيد الاقتصادي الدولي تغيير هذا الواقع، وذلك من خلال: تطوير النظم القانونية والدستورية لكي تتماشى مع المتغيرات العصرية من حرية وشفافية، ومحاسبة المواطنين وتحفيزهم، والاستفادة من الكفاءات الوافدة واستيعابها. كذلك، من خلال تطوير منظمة "أوبك" التي نجحت خلال الخمسين سنة الماضية في الدفاع عن مصالح الدول المنتجة، وذلك من خلال توفير دور أوسع لها على الصعيد الاقتصادي العالمي، لا ينحصر فقط بسياسات الإنتاج النفطي، بل يشمل أيضاً أدواراً اقتصادية أوسع. إن احتمال تغير النظام الاقتصادي العالمي لمصلحة الدول الاقتصادية الناشئة يتيح الفرصة للدول النفطية لتأدية دور اقتصادي أكبر على الساحة العالمية.

Share