تجارب الاستنساح والاعتبارات الأخلاقية والإنسانية

  • 30 ديسمبر 2002

على مر العصور، كانت هناك نقاط مفصلية في تاريخ البشرية، وكان الكشف عن خريطة الجينيوم البشري (الخريطة الوراثية) من بين تلك النقاط التي تفصل علميا بين ما قبلها وما بعدها، حيث اعتبر هذا الكشف ثورة وانقلابا علميا بكل المقاييس، ولعل الجدل السياسي والعلمي المتجدد حول الاستنساخ وتجاربه التي طالت البشر هو أحد "توابع" هذه الثورة، على اعتبار أن بعض الأوساط العلمية تتنافس حول الزج بالإنسانية جمعاء في دوامة من الجدل المثير عبر استنساخ بشر ليسوا ثمرة خليط وراثي (جيني) بين الأب والأم بل نسخة طبق الأصل من أحد الوالدين فقط، أي إطلاق مرحلة مرفوضة -دينيا وسياسيا وعلميا- من مراحل التناسل البشري. وبغض النظر عن الغوص بحثا عن حقيقة ما نشرته مؤخرا جماعة تدعى "الرائيليون" حول إنجاب طفلة عن طريق الاستنساخ، والتي يشكك معظم العلماء في تحققة لعدم وجود دليل علمي من خبراء مستقلين على أن الطفلة مستنسخة، وبغض النظر أيضاً عن موجات الرفض والتنديد السياسي والديني التي قوبلت بها هذه التجربة من جانب قادة الدول والمؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية على حد سواء، فإن هناك إجماعا من العلماء على خطورة استخدام تقنية الاستنساخ في البشر، ليس فقط لكونها مرفوضة دينيا وأخلاقيا، ولكن أيضا لأن هناك مبررات علمية تبرر تجنب هذه التقنية، التي تشهد نسبة فشل كبيرة لدى الحيوانات، ناهيك عن أنها تتسبب بخلل في نظام المناعة وشيخوخة مبكرة مثلما حدث في التجارب على الحيوانات.

وأيا كانت حقيقة مزاعم هذه الجماعة المثيرة للجدل علميا ودينيا وسياسيا، فإن تصميمها هي وبعض العلماء الغربيين على المضي في تجارب استنساخ البشر، يؤكد أن هناك من يمضي في هذه الطريق الوعرة سعيا وراء تحقيق هذه الغاية الخطيرة وغير الأخلاقية، ما يستلزم تحركا جماعيا من حكومات دول العالم ومنظمات المجتمع المدني لمناوأة هذه الظاهرة البشعة، والعمل على حشد إجماع دولي حول حظر تجارب استنساخ البشر التي يُسمح بها في بعض دول العالم، ولعل مواقف بعض الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا تكون منطلقا للحصول على إجماع سياسي وديني دولي حول هذه القضية الشائكة. ولعل من المفيد أن نذكر بأن فرنسا وألمانيا قد سبق لهما أن حاولتا -حتى الشهر الماضي- فرض حظر دولي على تجارب الاستنساخ البشري، وصوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالفعل من أجل وضع مسودة لاتفاقية بهذا الشأن، لكن الجهود تعثرت تحت وطأة خلاف جدلي حول نطاق الاتفاقية.

تجدد الجدل حول الاستنساخ يعيد إلى الواجهة الحديث عن العلاقة بين العلم والأخلاق، فالأديان كافة لا ترفض العلم النافع وتحث عليه وتقدر أهله، أما العلم الضار الذي يهدر كرامة الإنسان الذي كرّمه الله فإنه مرفوض حماية وصونا لكرامة الإنسان، فهناك بون شاسع بين استخدام الخريطة الجينية في الحالتين، والخوف أن تسبب هذه الجماعات العابثة والمثيرة للجدل في تغذية الإرباك والخلاف القائم حول استخدام تقنية الاستنساخ بطريقة عشوائية أو اللجوء إليها لمعالجة أمراض مستعصية مثل السرطان والزهايمر وباركنسون واستكشاف الأمراض الوراثية وليس لأغراض التوالد.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات