تجاذبات سياسية تعزز حالة الاستقطاب وتعكر المزاج العام في تونس

  • 4 يونيو 2020

تواصلت حالة الاستقطاب والحرب الباردة بين أقطاب الحراك السياسي في البرلمان التونسي، وبدا واضحاً أن الأطراف المنخرطة فيه مصرة على مواصلة المشوار حتى نهايته، حيث تسعى الأحزاب العلمانية إلى إطاحة رئيس المجلس راشد الغنوشي، في حين تصر حركة النهضة والقوى الداعمة لها على التمسك برئاسة البرلمان وترفض كل الاتهامات الموجهة إلى زعيمها.
على الرغم من محاولة الرئيس قيس سعيّد التخفيف من حدة الصراع الدائر في أروقة البرلمان، الذي بدأ ينتقل إلى الشارع من خلال العريضة التي أطلقها الحزب الدستوري الحر لجمع توقيعات المواطنين على طلب سحب الثقة من الغنوشي، إلا أن التوتر والشحن ما زالا السمتين المسيطرتين على المشهد الذي تتبادل الأطراف المشاركة فيه الاتهامات بالارتباط بأجندات خارجية، حيث أفلح خطاب الرئيس الذي ألقاه بمناسبة عيد الفطر في تحقيق نوع من الرضا لدى الأطراف المناوئة لحركة النهضة، التي فهمته على أنه انتقاد وتحذير للحركة وزعيمها من تجاوز المرجعيات العليا في الدولة، وخصوصاً عندما أكد أن لتونس رئيساً واحداً فقط في الداخل والخارج، وأنها ليست مجالاً للصفقات التي تبرم في الصباح والمساء.
حالة النشوة التي سادت أوساط مناوئي «النهضة» لم تدم طويلاً، وخاصة بعد اللقاء الذي جمع الرئيس برئيس مجلس النواب نهاية الأسبوع الماضي، والبيان الذي أصدره المجلس بشأنه وأكد فيه أنه جرى في أجواء من الود والصراحة، وأثبت زيف ما تروجه بعض الأطراف المشبوهة من وجود صراع داخل الدولة وبين مؤسساتها، وأن الاختلاف في وجهات النظر ممكن في إطار احترام الدستور ومبدأ وحدة الدولة في خياراتها وتوجهاتها الكبرى.
هذا البيان جاء كتفنيد لتحليلات واستنتاجات وسائل الإعلام المحسوبة على الأحزاب العلمانية والمؤيدة لها، التي رأت أن الرئيس كان يقصد بكلامه رئيس البرلمان، وخاصة في أعقاب اللغط الذي ثار في الأوساط السياسية بشأن اتصال الأخير برئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية فايز السراج وتهنئته له بسيطرة القوات التابعة لحكومته على قاعدة الوطية العسكرية وانتزاعها من يد قوات الجيش الوطني الليبي.
ويبدو واضحاً من صيغة البيان وحيثيات الموضوعات التي تمّ بحثها خلال اللقاء أن الجانبين باتا يشعران بالقلق والانزعاج من تواصل وتزايد حدة حالة الاستقطاب في البرلمان التونسي، التي باتت تنعكس بشكل واضح على المزاج العام في البلاد، وتعيق، بحسب وصف البيان الذي صدر عقب اللقاء، «مساعي الدولة وأجهزتها لمواجهة دعوات الفوضى ومخططات الإجرام ومحاولات تعطيل المرافق العامة والإضرار بالأمن العام للبلاد».
الكتل البرلمانية الساعية إلى إطاحة الغنوشي وهي: «الحزب الدستوري الحر، و«الشعب»، ومجموعة النواب الذين يدورون في فلك بقايا حزب نداء تونس، أعادت إحياء مساعيها ضد حركة النهضة لإقصائها من رئاسة البرلمان، مستفيدة مما يعتبره بعض السياسيين هفوات وتجاوزات ارتكبها الغنوشي وتمثلت في زيارته لتركيا في شهر يناير الماضي ولقاءاته هناك مع الرئيس أردوغان وما يتردد عن اتصالاته المتكررة والمتواصلة معه، وكذلك اتصاله الأخير برئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج وتهنئته له بالسيطرة على أجزاء من التراب الليبي، حيث عادت إلى المطالبة بعزله من رئاسة البرلمان، الأمر الذي حاولت تحقيقه من خلال جلسات المساءلة التي عقدها المجلس أمس ولكن ذلك لم يتم.
ويبدو أن تحركات الغنوشي غير المحسوبة جيداً، ومساعي مناوئيه الدؤوبة والمحمومة قد ألحقت ضرراً بحركة النهضة على المستويين السياسي والشعبي، وهو ضرر يتجلى في حالة النقد الغاضب التي بدت واضحة في البيان الذي أصدره «الاتحاد العام التونسي للشغل» أكبر القوى النقابية في تونس، والذي ينظر إليه على أنه صاحب وزن سياسي يفوق أوزان كثير من الأحزاب، والذي رفض فيه التدخل الخارجي في ليبيا وأكد حياد تونس وعدم تدخلها في قضايا الأمن الداخلي لدول الجوار»، فضلاً عن عدد من التجمعات الشعبية أمام البرلمان للمطالبة بعزل رئيسه من موقعه، وأخيراً وهو الأشد إعلان نائب رئيس الحركة عبدالفتاح مورو، اعتزاله العمل السياسي بشكل نهائي، وهو ما اعتبره بعض المحللين والمتابعين على أنه انشقاق مستتر غير معلن.
إن التجاذبات السياسية بين القوى البرلمانية ومحاولات إقصاء «النهضة» عن زعامة مجلس النواب، تعطل مسار العمل البرلماني والتشريعي وتشوش على مسيرته في وقت يتطلع فيه المواطن التونسي نحو مبادرات حكومية وبرلمانية تستجيب لتطلعاته وتركّز على خروج البلاد من التداعيات التي خلفتها جائحة كورونا على جميع المستويات، وتنهي حالة الشد والتوتر التي لا تخدم بأي حال من الأحوال مصالح البلاد والعباد.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات