تباين أسعار الديزل في الإمارات: المشكلة واقتراحات الحل

أيمن شعيب: تباين أسعار الديزل في الإمارات: المشكلة واقتراحات الحل

  • 27 يوليو 2008

دأبت دولة الإمارات العربية المتحدة على تبنّي نموذج الاقتصاد الحر واعتماد آليات المنافسة ومنع الاحتكار، وذلك إعمالا لقوى السوق التي تصل في نهاية الأمر إلى التخصيص الأمثل للموارد المتاحة للدولة بما يحقق الفاعلية في توظيفها وعدالة دخول الأسواق والخروج منها. ولا يتأتى ذلك إلا بتوفير البيئة السوقية التي يتساوى فيها سعر السلعة الواحدة داخل الدولة على اختلاف إماراتها باعتبارها سوقاً واحدة.

وفي مجال توزيع المحروقات توجد في الدولة أربع شركات عاملة تمتلك محطات للتوزيع: شركة بترول أبوظبي الوطنية "أدنوك"، وهي شركة مملوكة لحكومة أبوظبي، تملك 170 محطة وقود تتركز في إمارة أبوظبي وتنتشر في الإمارات الشمالية باستثناء دبي. والشركة الثانية هي شركة بترول الإمارات الوطنية "أينوك"، والثالثة شركة الإمارات للمنتجات البترولية "إيبكو"، وهما مملوكتان لحكومة دبي، ولهما 180 محطة توزيع في دبي والإمارات الشمالية. وهناك أخيراً مؤسسة الإمارات العامة للبترول "إمارات"، التي تمتلك  150 محطة.

وفي إطار التطورات المتلاحقة فيما يتعلق بارتفاع أسعار النفط العالمية خلال السنوات الأخيرة، وانعكاسها على أسعار المشتقات البترولية في الدولة وفقاً للسياسات والظروف المختلفة لكل شركة من شركات التوزيع، برزت للمرة الأولى ظاهرة التباين الكبير بين سعرين لبيع الديزل في محطات التزوّد بالوقود. فقد ارتفع سعر بيع الديزل خلال النصف الأول من العام الحالي 2008 عشر مرات، من 12.15 درهم في مطلع العام إلى 19.25 درهم للجالون في منتصفه، وذلك في محطات أينوك وإيبكو وإمارات، في حين أبقت أدنوك على سعره عند مستوى 8.6 درهم للجالون، أي إن سعر الديزل في الشركات الثلاث كان من الأصل يزيد على سعره في أدنوك بنحو 42%. وبلغت نسبة الزيادة منذ مطلع العام وحتى الآن في الشركات الثلاث 58.4%، وهو ما يفوق سعر البيع في محطات أدنوك بنسبة 124%، أو بمعنى أبسط فإن سعر الجالون لدى هذه الشركات يعادل سعر جالونين وربع من أدنوك.

هذا الفارق الكبير في أسعار بيع الديزل داخل الدولة، بل وداخل الإمارة الواحدة، تمخض عنه بروز مجموعة من السلبيات، تتمثل في:

 (1) ظهور طوابير انتظار الشاحنات الممتدة أمام محطات أدنوك للتزود بالديزل الرخيص بخاصة في الإمارات الشمالية، بكل ما قد ينتج عنها من ازدحام للطرق وتكدس للسيارات وإعاقة للسيولة المرورية وإخلال بالنظام العام وأمن الطريق، واحتمال وقوع حوادث طرق خطيرة. ومن شأن امتداد هذه الطوابير أن يسهم سلبياً في الاقتصاد كله؛ حيث تتوقف الشاحنات لساعات طويلة وتتعطل حركة الشحن وانسياب التجارة، وهو ما يعني تحقيق خسائر تفوق الوفورات المُحققة من بيع هذا الديزل الرخيص بمحطات أدنوك.

(2) إيجاد بيئة مناسبة للتربح وظهور السوق الموازية (السوداء)؛ حيث يقوم بعض ضعيفي النفوس من العاملين بمحطات أدنوك ببيع كميات كبيرة من الديزل الرخيص لسائقي الخزانات Tankers مقابل مبالغ مالية إضافية، وبدورهم يقوم هؤلاء السائقون بنقله وإعادة بيعه بأسعار أعلى من أدنوك وأقل من بقية شركات توزيع الوقود، محققين بذلك أرباحاً غير مشروعة. وغالباً ما تتم عملية نقل الديزل وإعادة بيعه بطرق بدائية لا تتوافر فيها عوامل السلامة، الأمر الذي يمكن أن يتسبب في حدوث كثير من المخاطر التي تتراوح بين تلويث البيئة وإمكانية نشوب الحرائق نتيجة لتسرب الديزل أثناء عمليات التزوّد البدائية.

(3) وجود تمييز سعري بين شركات التوزيع المختلفة من شأنه أن يضر بالمنافسة العادلة ومناخ الاستثمار في الدولة بصفة عامة، وقد يدفع ببعض الشركات إلى الخروج من السوق نتيجة المنافسة غير العادلة، في الوقت الذي لن تستطيع فيه الشركات الباقة تلبية الاحتياجات الكاملة للسوق، وهو ما قد يؤدي إلى حدوث اختناقات مستقبلية ونقص في الإمدادات.

لقد حرصت أدنوك علي تثبيت سعر بيع الديزل في محطاتها على الرغم من الزيادات المطردة في أسعاره العالمية التي تتبع مسار النفط، حرصاً منها على الحد من رفع تكلفة النقل وبالتالي إلهاب نيران التضخم، متحملة خسائر كبيرة في مجال مبيعات المحروقات لقطاع التجزئة. وسبق أن أعلنت شركات توزيع المنتجات البترولية في أغسطس/آب 2005 أنها تتكبد خسارة قدرها 4.1 درهم لكل جالون ديزل في الوقت الذي كان فيه سعر برميل النفط لا يتجاوز68 دولاراً. وقياساً على ذلك، وأخذاً في الاعتبار السعر الحالي لبرميل النفط الذي يلامس 150دولاراً، فإن ذلك يعني أن الشركات تتكبد في الوقت الراهن خسارة تُقدَّر بنحو 10 دراهم عن كل جالون، وهو ما دعا الشركات الأخرى بخلاف أدنوك إلى مراجعة أسعار بيع الديزل بصفة دورية، وتحريك الأسعار بحيث تقلل الخسائر التي يمكن أن تحققها إذا استمرت في بيع الكميات الهائلة من الديزل التي تستهلكها السوق المحلية بسعر البيع نفسه بمحطات أدنوك، التي تتوافر لديها الإمكانيات اللازمة لإنتاج الديزل محلياً، في حين تستورده الشركات الثلاث الباقية بالأسعار العالمية.

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: لمصلحة من تدعم أدنوك سعر بيع الديزل؟ ففي ظل الزيادات المتتالية الأخيرة لسعر بيع الديزل، قامت شركات الشحن وشركات الخرسانة الجاهزة وكل ما من شأنه استخدام الديزل في النقل أو العملية الإنتاجية، كخلط الخرسانة الجاهزة وصناعة الإسمنت، برفع أسعار خدماتها بنسب متفاوتة لتغطية الزيادة في التكلفة الناجمة عن ارتفاع أسعار الديزل، وبالتالي فإن الدعم الذي تقدّمه أدنوك لم يذهب في اتجاهه المنشود، بل ذهب إلى خزائن تلك الشركات التي استفادت من فرق السعر في التزود بالديزل الرخيص من أدنوك في الوقت الذي رفعت فيه أسعار خدماتها بدعوى ارتفاع أسعار الديزل على منوال الشركات المنافسة التي تتزود بالديزل من المحطات الأخرى.

إن الوضع الحالي يستوجب إعادة تقييم للموقف، وقد يكون من الأفضل للاقتصاد كله ولأدنوك أن تراجع الأخيرة سعر بيع الديزل في محطاتها، وذلك بالتنسيق مع الشركات الأخرى العاملة في الدولة، ورفع سعرها إلى المستوى نفسه أو التوصل لصيغة جماعية لتوحيد السعر تحقق التوازن في السوق بما يحقق مصالح المنتجين والمستهلكين على السواء./n /n وسوف يكون ملائماً أن تتدخل الجهات المسؤولة عن تنظيم الأسواق، متمثلة في وزارة الاقتصاد أو التجارة، بإصدار توجيهات للشركات للتنسيق فيما بينها بهدف توحيد السعر وإعادة مراجعته دورياً (مراجعة ربع أو نصف سنوية) بحيث يتحقق الاستقرار لأسعار بيع الديزل، وفي الوقت نفسه تُعطى شركات النقل والجهات المستهلكة للديزل فرصة كافية لاستيعاب الزيادات المتتالية في الأسعار، ولتجنيب السوق المحلية تقلبات الأسعار العالمية للنفط، وتفادي الآثار السلبية الناجمة عن هذا الاختلال السعري الصارخ.  

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات