تأكيـد عروبـة القـدس

  • 23 مارس 2009

في الوقت الذي انطلقت فيه يوم السبت الماضي الفعاليّات، الفلسطينيّة والعربيّة، الخاصّة بالاحتفال بالقدس "عاصمة للثقافة العربية لعام 2009"، فقد منعت إسرائيل أيّ فعالية فلسطينية في القدس الشرقيّة بهذه المناسبة، في إشارة إلى إصرارها على طمس الطابع العربيّ للمدينة المقدّسة، وتكريس خططها الخاصّة بتهويدها وتشويه معالمها، وهي الخطط التي تشير الإحصاءات والتقارير المختلفة، العربية وغير العربية، إلى أنّها تسارعت بشكل لافت للنظر خلال الفترة الماضية، خاصّة فيما يتعلّق بعمليات الاستيطان، وتهجير السكان الفلسطينيين، وهدم بيوتهم. لقد كان اختيار القدس "عاصمة للثقافة العربية لعام 2009" من قبل وزراء الثقافة العرب، إشارة مهمّة إلى أن العالم العربيّ متمسّك بعروبة المدينة، وأنها جزء لا يتجزّأ من الدولة الفلسطينية المقبلة، ويرفض محاولات إسرائيل تهويدها، أو تغيير ملامحها. وإذا كانت إسرائيل قد منعت، أو ستمنع، أي فعاليّات بهذه المناسبة في القدس أو غيرها من الأراضي الفلسطينية المحتلة الأخرى، فإنّ هذه الفعاليّات ستمضي في أماكن وعواصم عربية عديدة لتوصّل رسالة مهمّة إلى العالم كله، مفادها أن القدس عربيّة، ولا يمكن أن يكون هناك سلام حقيقي ومستقرّ وقابل للحياة والاستمرار بين العرب وإسرائيل، بينما القدس أسيرة الاحتلال والتهويد.

تؤكّد إسرائيل أن القدس الموحّدة وغير القابلة للتقسيم هي عاصمتها، وتعمل على تكريس هذا المنطق من خلال فرض سياسة الأمر الواقع على الأرض في المدينة، إلا أنّ عملية السلام منذ انطلاقها أسِّست على مرجعيّات دولية تجعل من القدس موضوعاً للتفاوض، وهذا ما أثار ويثير قلق تل أبيب، ويدفعها إلى المراوغة المستمرة بشأن القدس، وتأخير أيّ تفاوض حولها أكبر وقت ممكن، من أجل استكمال مشروع تهويدها، وبالتالي لا تبقي للفلسطينيين والعرب ما يمكن التفاوض حوله. هذه السياسة الإسرائيليّة بشأن القدس تهدّد أي فرصة حقيقية للسلام، وتجعل أمن منطقة الشرق الأوسط واستقرارها بمنزلة قنبلة موقوتة، لما تمثله المدينة المقدّسة من أهمية دينية كبيرة لدى العرب والمسلمين، ليس في فلسطين أو المنطقة العربية فقط، وإنما في أصقاع الأرض كلها، ولذلك فإنه من الضروري التحرك السريع والحاسم من قبل القوى كلها المعنيّة باستقرار المنطقة وتحقيق السلام فيها، من أجل ممارسة ضغط حقيقيّ على إسرائيل لوقف عمليّات الاستيطان والتهويد في القدس، والتخلي عن استفزاز مشاعر المسلمين والعرب بشأنها، خاصّة في ظل سيطرة التوجّهات المتطرفة على المشهد السياسي الإسرائيلي، في ضوء نتائج الانتخابات التشريعيّة الأخيرة، وتأكيد بنيامين نتنياهو، الذي يقوم بتشكيل الحكومة القادمة، رفضه أيّ تفاوض حول القدس.

هناك الكثير من الأسباب التي تدعو القوى الفلسطينية المختلفة إلى التوافق والتصالح بعد فترة طويلة من الصدام والشقاق فيما بينها، إلا أنّ المؤامرة الإسرائيلية الخطِرة والمكشوفة على القدس وعروبتها، تمثل أكثر هذه الأسباب أهميّة وإلحاحاً، لأنّ إسرائيل تستغل انشغال الفلسطينيين بصراعاتهم الداخلية، لتنفيذ مخطط كبير لتصفية القضية الفلسطينيّة برمّتها، وفي القلب منها مدينة القدس.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات