تأزيم وحشد في ليبيا ينذر بتحولها إلى ساحة صراع دولي مباشر

  • 30 مايو 2020

فيما ينتظر الليبيون الذين يعانون ويلات الحرب والصراعات الداخلية على السلطة منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، خلاصاً من واقع الحال الذي يقسم البلاد حالياً إلى جزأين شرقي وغربي، ويتطلعون إلى مخرج يعيد الاستقرار والأمن إلى وطنهم ويتيح له استغلال ثرواته التي حرم منها على مدار عقود في تحقيق نهضة حقيقية، يتعقّد المشهد ويبدو أنه يتجه نحو المزيد من التدهور والصدام.
التأزيم والتسخين الجاريان حالياً على الساحة الليبية، ينذران بشكل خطير بانزلاق هذا البلد العربي نحو مزيد من العنف والفوضى، وبتحول حالة الحرب بالوكالة التي تجري على أرضه حالياً إلى صراع دولي مباشر بين القوى التي تتنازع النفوذ فيه، وهو ما سيجر على شعبه بالتأكيد ويلات جديدة وسيلحق المزيد من الدمار بمقدراته ومنجزاته وبنيته التحتية وسيعيده سنوات إلى الوراء، فضلاً عن أنه سيستنزف دماء أبنائه الذين سيكونون وقود الحرب وضحاياها، سواء المدنيين أو المقاتلين، وثروته التي سترهن لاحقاً لتسديد فاتورة الحرب ومستحقاتها.
التطورات الأخيرة في الملف الليبي وآخرها قيام روسيا بإرسال 14 طائرة مقاتلة وقاذفة من طرازي (سوخوي 24 وميج 29)، تكشف عن احتدام صراع المصالح والنفوذ الدولي في ليبيا وتصاعده إلى مستويات غير مسبوقة واحتمالات تحوله إلى مواجهة مباشرة على الأرض الليبية بين تركيا التي تدعم حكومة الوفاق الوطني ورئيسها فايز السراج، وروسيا التي تدعم قوات الجيش الوطني الليبي وزعيمه المشير خليفة حفتر، لتصبح ساحة ليبيا امتداداً لساحة الحرب في سوريا يتكرر فيها السيناريو ذاته الذي أدى إلى دمار واسع النطاق لم يستثن أي مدينة ولا قرية على الأرض السورية نتيجة سياسة الأرض المحروقة التي اتبعها جيش النظام السوري والميليشيات المتحالفة معه والمدعومة جواً وبكثافة نارية هائلة من الجيش الروسي، وأرضاً من قبل مرتزقة ومقاتلي شركة فاغنر الروسية.
تصعيد روسيا والأطراف الأخرى الداعمة لحفتر، يقابله على الجهة الأخرى تصعيد تركي وتسارع في عمليات دعم ميليشيات حكومة الوفاق بالعتاد والرجال، خصوصاً بعد أن تمكنت من السيطرة على قاعدة الوطية الجوية وحققت تقدماً على عدد من محاور وجبهات القتال، وهو ما فتح شهيتها وأغراها بتوسيع نطاق هجماتها نحو محاور ومدن أخرى، إذ تشير تقارير دولية متعددة المصادر إلى استمرار الأطراف كافة في إرسال السلاح والمقاتلين إلى ليبيا، حيث أشار تقرير أصدرته القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) إلى قيام روسيا مؤخراً بنشر طائرات مقاتلة في ليبيا من أجل دعم المقاولين العسكريين الروس الذين ترعاهم الدولة والذين يعملون على الأرض هناك، مرجحاً أن تكون مهمة تلك الطائرات هي توفير دعم جوي مكثف وأسلحة لعمليات مجموعة «فاغنر بي إم سي» التي تدعم الجيش الوطني الليبي «قوات شرق ليبيا»، في حين كثفت تركيا دعمها العسكري لقوات الوفاق، وأرسلت طائرات بدون طيار، وأنظمة للدفاع الجوي، ومدرعات وآلاف المرتزقة إلى الساحة الليبية.
دول العالم والإقليم لا تخفي مخاوفها وقلقها البالغ من توسيع الصراع في ليبيا ورفضها للتطورات التي طرأت على الوضع هناك خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، حيث أعربت الجزائر على لسان وزيرها للشؤون الخارجية صبري بوقادوم عن أسفها لتضارب الأجندات الإقليمية والدولية، التي يبدو أنها لا تتفق إلا على إبقاء ليبيا مسرحاً للحروب بالوكالة، وساحة لتصفية الحسابات على حساب دماء أبناء الشعب الليبي، محذرة من عواقب استمرار التدفق الكبير للسلاح إلى ليبيا الذي يؤجج سعير الحرب الأهلية ويساهم في تسليح المجموعات الإرهابية التي باتت تهدد أمن المنطقة، وتعرقل مسار التسوية السياسية لهذه الأزمة.
الموقف نفسه أعربت عنه فرنسا التي قال وزير خارجيتها جان إيف لودريان، إن الوضع في ليبيا مزعج للغاية، وينذر بتكرار سيناريو سوريا في هذا البلد، خصوصاً وأن الأزمة تزداد تعقيداً مع رفض الطرفين المتحاربين العودة إلى طاولة التفاوض، وهو ما سيؤدي إلى تدهور الوضع وتهديد أوروبا.
الحرب على أرض ليبيا والخسائر والأموال ليبية والضحايا ليبيون، والخاسر الوحيد هو هذا البلد العربي، في حين أن كل الأطراف الأخرى ستخرج رابحة، سواء المهزوم منها أو المنتصر.

Share