تأثيرات «كورونا» على الحراك السياسي في العالم العربي

ألقت جائحة فيروس كورونا المستجد «كوفيد-19» بظلالها الثقيلة على الحراكات الشعبية المطالبة بالإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي التي تشهدها كل من الجزائر والعراق ولبنان، وحوّلت ساحات الاعتصام والشوارع التي كانت تكتظ حتى وقت قريب بالمسيرات والتظاهرات إلى بقايا أطلال من خيام ولافتات تعبث بها هبات الهواء فتمزقها وتلقيها على جوانب الطرق وتعصف بها رياح الخوف من الجندي الغامض الذي سارعت الحكومات إلى استغلاله والاستفادة منه لإطفاء شعلة الحماسة والاندفاع في نفوس الناشطين.
كما هو حال النشاطين الاقتصادي والاجتماعي اللذين تراجعا إلى حدودهما الدنيا في دول العالم المختلفة في ظل المخاوف من انتشار المرض، بات واقع الحراك الشعبي في الدول العربية الثلاث رهينة لما يمكن أن نطلق عليه «رهاب الفيروس» على الرغم من محاولات بعض الناشطين إعادة الزخم إلى صفوف الجماهير ولو بشكل افتراضي عبر الفضاء الإلكتروني ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي، غير أن رسائل التحذير من خطورة انتشار المرض ودعوات التباعد الاجتماعي وتجنب الاختلاط التي تعج بها وسائل الإعلام والاتصال وتصريحات القادة والمسؤولين ورجال السياسة ومعظم الشخصيات ذات التأثير، تطغى بشكل كبير على تلك المحاولات وتحوّلها في كثير من الأحيان إلى أصوات نشاز وتغريد خارج السرب، بل تؤدي في بعض الأحيان إلى وصم من يتبنونها بانعدام المسؤولية واللامبالاة أمام خطر داهم باتت حتى أعظم دول العالم وأكثرها تقدماً تعانيه وترزح تحت تداعياته وآثاره الموجعة.
في الجزائر، التي انطلق حراكها في شهر فبراير من عام 2019 على إثر إعلان الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة نيته الترشح لولاية رئاسية جديدة، ولم تفلح الإجراءات التصحيحية كافة في تهدئته أو ثنيه عن مطالبه باستبعاد رموز النظام السابق ورجالاته ووجوهه المعروفة، شكّل فيروس كورونا طوق النجاة لمناوئي الحراك الشعبي ومنح السلطات فرصة لا نظير لها للتخلص منه بشكل سلمي ومن دون أن تضطر إلى ممارسة أي أفعال قد تصنف في خانة العمل الأمني أو تكميم الأفواه وقمع الحريات، وذلك من خلال التعبئة العامّة لمواجهة الجائحة وتحويل الرأي العام نحو التركيز على الخروج من الأزمة العالمية بأقل الخسائر.
وقد أثمرت الجهود والإجراءات والتحذيرات الحكومية والحملات التي تنظمها المنظمات والهيئات المعنية بالصحة العامة والمتطوعين من ذوي الاختصاص في التأثير على فئات المجتمع كافة، وخصوصاً ناشطي الحراك والمشاركين فيه، الأمر الذي حقق في النهاية الهدف المرجو منه وهو توقف التظاهرات وتعليق الاحتجاجات اعتباراً من منتصف مارس الماضي خشية انتشار العدوى في صفوف المحتجين بسبب المخالطة والتقارب الجسدي، وخصوصاً في ظل تزايد حالات الإصابة بالمرض والإعلان عن العديد من الوفيات الناجمة عنه في العديد من ولايات البلاد.
الحال ذاتها فرضت نفسها على أرض الواقع في كل من العراق الذي انطلقت الاحتجاجات فيه منذ بداية أكتوبر الماضي نتيجة لتردّي الأوضاع الاقتصادية وانتشار الفساد الإداري والبطالة، وتركّزت مطالب المتظاهرين فيه على إسقاط النظام الحاكم وكبح التدخل الإيراني في شؤون البلاد وتشكيل حكومة مؤقتة وإجراء انتخابات مبكرة، ولبنان الذي لحقت جماهيره بالركب بعد اندلاع احتجاجات العراق بـ 16 يوماً وطالبت بإقصاء رموز الطبقة السياسية كافة، ومعالجة الأوضاع الاقتصادية واسترداد الأموال المنهوبة ومحاسبة الفاسدين، حيث باتت دعوات الالتزام بالبقاء في البيوت والالتزام بالدعوات والتعليمات الحكومية لمواجهة الفيروس هي سيدة الموقف، ولم تقتصر هذه الدعوات على المسؤولين والسياسيين بل تعدّت ذلك إلى المنظمات والهيئات والشخصيات القيادية في الحراكات التي أصبحت تتبنى وجهة النظر ذاتها.
يبدو أن فيروس كورونا حقق للحكومات في الدول الثلاث ما عجزت عن تحقيقه الأجهزة الأمنية والمحاولات التي استمرت أشهراً عدّة لوضع حد للاحتجاجات بالترغيب تارة أو بالترهيب تارة أخرى، وهو ما يبدو أنه سيستمر حتى انحسار المرض وتراجعه، وهو ما يؤجل عودة الحراك حتى إشعار آخر لا يُعرف متى سيحين موعده.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات