بليكس: إيران قادرة الآن على تخصيب اليورانيوم لتصنيع أسلحة نووية

  • 3 نوفمبر 2011

في مقابلة حصرية مع موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على الإنترنت، أكد الدكتور هانز بليكس، المدير العام الأسبق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن إيران قادرة على تخصيب اليورانيوم للمستوى المطلوب لتصنيع أسلحة نووية في أية لحظة. ولم يكتف وزير خارجية السويد الأسبق والرئيس السابق للجنة الأمم المتحدة للرصد والتحقق والتفتيش (أنموفيك) الخاصة بالعراق، بدعوة دول المنطقة إلى الاتفاق على جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية فحسب، بل دعا إلى جعلها خالية من أنشطة تخصيب اليورانيوم أيضاً. وفيما يلي نص المقابلة:

س: على الرغم من استعداد الغرب للتعاون مع بعض الدول العربية في بناء مفاعلات نووية، فإنه ثمة تحفظات محددة على تطوير دول المنطقة لقدراتها النووية. ما هو رأيك في هذه المسألة؟

ج: تتركز التحفظات حول الأجزاء الحساسة من دورة الوقود النووي، وبصورة محددة حول تخصيب اليورانيوم، وكذلك حول إعادة معالجة الوقود النووي، رغم أنني لا أرى اهتماماً كبيراً بعملية إعادة المعالجة. ومع ذلك، فإن هذه التحفظات ليست أمراً موجهاً لمنطقة الشرق الأوسط على وجه التخصيص. إنها تشكل هاجساً عاماً؛ فثمة قيود على تصدير تكنولوجيا التخصيب إلى أي مكان في العالم. وسبب تلك القيود أنه إذا كنت تستطيع تخصيب اليورانيوم وإقامة منشآت صناعية لتخصيب اليورانيوم بنسبة تبلغ 4% للحصول على الوقود النووي، فبإمكانك أيضاً الاستمرار في رفع مستوى التخصيب إلى 94%، وهو المستوى المطلوب لتصنيع الأسلحة النووية. وهذا ما يخشى الغرب أن يفعله الإيرانيون. فعلى الرغم من أن مستوى التخصيب الذي وصل إليه الإيرانيون ما زال دون نسبة 20%، والذي يقولون إنهم يحتاجون إليه لاستخدامه في مفاعل للأبحاث الطبية، لكنهم يستطيعون في أي لحظة الاقتراب من مرحلة صنع الأسلحة النووية إذا كانوا ينوون ذلك، وحينها قد يزداد التوتر. ومن الصحيح أن الإيرانيين أنفسهم يقولون إنهم لن يصنعوا أسلحة نووية، لكن كثيراً من الناس غير مقتنعين بما يقوله هؤلاء. فربما لا يتجه الإيرانيون إلى تصنيع أسلحة نووية، لكنهم يقتربون كثيراً من ذلك الخيار. وفي الحقيقة، فإن حتى مجرد الاقتراب من ذلك الخيار قد يزيد من حدة التوتر على نحو كبير في المنطقة.

ولذلك، أعتقد أن من الأفضل أن تتفق دول المنطقة، ليس فقط على عدم امتلاك أي أسلحة نووية، وإنما أيضاً على عدم امتلاك قدرات لتخصيب اليورانيوم؛ لأن هناك قدرة كافية في العالم لتخصيب اليورانيوم، وشراء اليورانيوم المخصب أقل تكلفة من إنتاجه. ومن ثم، ليس ثمة مبرر اقتصادي لامتلاك قدرات لتخصيب اليورانيوم. فمثلاً، تمتلك كوريا الجنوبية 20 مفاعلاً للطاقة النووية، لكنها تشتري اليورانيوم المخصّب من السوق العالمية ولا تخصّبه بنفسها. وفي السويد 10 مفاعلات نووية، لكنها نحصل على اليورانيوم المخصب من السوق ولا تنتجه محلياً. ولذلك إذا أتى أي شخص الآن ليقول إنه يرغب في تخصيب اليورانيوم الخام بنفسه، فإنه سيثير شكوكي نوعاً ما؛ إذ لا يمكن أن يكون ذلك لأسباب اقتصادية بل لأسباب أخرى.

ربما تتفق دول الشرق الأوسط برمتها في المستقبل على تطوير قدرة مشتركة لتخصيب اليورانيوم، وإذا ما اتسم هذا الاتفاق بالشفافية، وهذا ما أتوقعه، فإنه سيمثل الحل الأمثل لهذه الدول في حال نجاحه.

س: لقد أبدى العديد من الخبراء في منطقة الخليج مخاوفهم بشأن احتمال وقوع حادث في أحد المفاعلات النووية الإيرانية أو توجيه ضربة عسكرية تستهدف هذه المفاعلات، وما يتبع ذلك من تداعيات تجتاح المنطقة. فما مدى صحة هذه المخاوف؟

ج: قد نشهد حرائق أكبر إذا قُصفت منشآت الوقود الأحفوري. ولا يوجد شيء في مأمن تام من الصواريخ، أو الصواريخ الموجهة، في هذا الصدد.
صحيح أن العراقيين قصفوا محطة "بوشهر" بالصواريخ في الثمانينيات، وقد رأيت بنفسي الثقبين اللذين أحدثهما ذلك القصف، لكن لم يقع أي هجوم على إحدى محطات الطاقة النووية. علاوة على ذلك، إذا نشبت حرب، فأنا واثق من أنهم سيوقفون تشغيل المحطات النووية لأن أكثر ما يخشونه في الحرب هو إلحاق الضرر بالمنشآت الكبيرة القيِّمة، فضلاً عن الخوف من الانبعاثات الإشعاعية. ويمكن الحؤول دون ذلك. فمحطات الوقود النووي مؤمّنة تأميناً جيداً؛ لأنها مصممة على نحو يجعلها تتحمل ارتطام طائرة بها. لكنك فعلاً تريدها أن تكون متوقفة تماماً، حتى يكون اليورانيوم المخزَّن في مكان آمن. ويوجد أيضاً اتفاق دولي يحظر قصف محطات الطاقة النووية وشن هجوم عليها، رغم أن هذا الاتفاق لا ينطبق على محطات التخصيب أو محطات إعادة معالجة الوقود النووي. كما أن الاتفاق يشمل منشآت أخرى، مثل خزان أسوان في مصر. علاوة على ذلك، ينبغي على أي دولة ألا تجعل نحو 80% من إنتاجها من الطاقة مستخرجاً من محطات الطاقة النووية، لأن حينها سيكون من الصعب إيقافها عن التشغيل تماماً.

س: أنت من الداعين إلى عقد اجتماع دولي لحظر الأسلحة النووية والتخلص منها، لكن ما مدى واقعية إحراز أي تقدم في هذا الصدد في الوقت الراهن؟

ج: الآن حدث انقطاع في مسيرة نزع السلاح النووي. فقد اجتمع الرئيسان أوباما وميدفيديف في لندن في عام 2010، وعمّت موجة هائلة من الحماسة جرّاء استعدادهما لخفض التسلح النووي. وقد سار مؤتمر معاهدة حظر الانتشار النووي في عام 2010 على نحو جيد. لكن عندما وصل الأمر إلى مجلس الشيوخ الأمريكي، بدا وكأنه اصطدم بجدار من المواقف المحافظة والدفاعية. واتضح أن الاعتراض في الولايات المتحدة كان قوياً، فلم تكن هناك أي فرصة لطرح اتفاقية الحظر الشامل للتجارب النووية في مجلس الشيوخ. وهذا هو الحال حالياً. صحيح أنه تم التوقيع على اتفاقية خفض الأسلحة الاستراتيجية (ستارت 3) في أبريل 2010، إلا إننا لم نحرز أي تقدم منذ خريف ذلك العام. ولا يحدوني أمل كبير، حقيقةً، في إحراز أي تقدم بارز قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية. ولكن إذا أعيد انتخاب أوباما للرئاسة، فإن هناك فرصة حقيقية لإحراز تقدم في هذا الصدد.

من جانب آخر، دخل مؤتمر جنيف لنزع السلاح، الذي تأسس عام 1979، عقده الثاني من حالة السبات التي يعانيها. ولم تستطع الأطراف المعنية التوصل إلى اتفاق حول أجندتها خلال أكثر من 10 أعوام، وهي ليست على وفاق الآن. كما أن اتفاقية الحظر الشامل للتجارب النووية لم تبارح مكانها، ولا تستطيع الإدارة الأمريكية عرضها على مجلس الشيوخ؛ وربما تفعل ذلك بعد انتخابات الرئاسة الأمريكية القادمة. إضافة إلى باكستان قد اعترضت على معاهدة وقف إنتاج المواد الانشطارية، ولا يبدو حلف الناتو مستعداً لسحب 200 رأس من الأسلحة النووية التكتيكية الموجودة في أوروبا الغربية، رغم اتفاق الجميع على أنها عديمة الفائدة. بعبارة أخرى، نحن أبعد ما نكون عن نزع السلاح النووي في الوقت الراهن، بل لا يوجد أي تقدم يُذكر في عملية نزع السلاح.
والأسوأ من ذلك أن هناك عمليات إعادة تسلح، وإن كانت بدرجة أقل في المجال النووي لكنها ملحوظة في المجالات الأخرى. فالإنفاق العسكري في العالم يبلغ حالياً نحو 1,500 مليار دولار سنوياً؛ يبلغ نصيب الولايات المتحدة منه نحو 40%، والصين نحو 6% وروسيا نحو 4%. دون الحديث عن الزيادة الهائلة في الإنفاق العسكري في منطقة الخليج والهند وباكستان واندونيسيا وسنغافورة وأستراليا.

س: هناك انتقادات في بعض الأوساط بشأن حيادية المنظمات الدولية عندما يتعلق الأمر بتفتيش المواقع النووية في بعض الدول مقارنة بدول أخرى، خصوصاً في الشرق الأوسط. فكيف يجب أن تتصرف المنظمات الدولية في ظل هذه الضغوط الدولية المكثفة؟

ج: أعتقد أن المنظمات الدولية تبذل كل ما في وسعها لكي تكون مستقلة ومخلصة في خدمة المجتمع الدولي. وفي بعض الأحيان، تتعرض هذه المنظمات لضغوط من جميع الأطراف، وقد عانيتُ ذلك شخصياً. مع ذلك، من المهم أن تظل هذه المنظمات بمنزلة موظفي الخدمة المدنية الدوليين، لأنك إذا لم تكن محايداً ومنصفاً فستفقد ثقة الذين ستُجري عليهم عملية التفتيش. 
فمثلاً، يُشتبه في أن سورية قد تكون انتهكت اتفاق الضمانات النووية الذي أبرمته مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ولكن ينبغي على أي منظمة تتعامل مع سورية أن تجري تحقيقاً محايداً ونزيهاً، وألا تفترض أنها مذنبة. قد تتعرض هذه المنظمات للانتقاد، وإذا قالت إن إيران لم تلتزم باتفاق الضمانات النووية فإنها محقة تماماً وينبغي أن تقول ذلك، لكنها ينبغي في الوقت نفسه أن تثبت براءتها وتحافظ عليها كما كانت.

Share