بغداد وكردستان-العراق: علاقة قلقة

بغداد وكردستان-العراق: علاقة قلقة

  • 4 يونيو 2009

تثير التوترات بين العرب والأكراد في محافظة نينوى، منذ مايو 2009، وما صاحبها من أعمال عنف، مرة أخرى العلاقة القلقة بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة كردستان الإقليمية، والتي وصلت ذروتها باتهام القادة الأكراد لرئيس الوزراء، نوري المالكي، بالدكتاتورية. وتكمن خلفية هذه التوترات في استحواذ قائمة "الحدباء" العربية، الموالية لبغداد، على المناصب المهمة في نينوى، بعد فوزها بالأغلبية في انتخابات مجلس المحافظة، التي جرت نهاية يناير الماضي. ومن أهم مظاهر هذه التوترات مقاطعة قائمة "نينوى المتآخية" الكردية، فضلاً عن 16 وحدة إدارية ذات أغلبية كردية، مجلس المحافظة. علاوة على ذلك، منعت قوات البشمركة الكردية المسؤولين العرب المنتخبين من متابعة مهامهم، بل وحالت بين المحافظ الجديد، أثيل النجيفي، وبين دخول بعضها. وفي منتصف الشهر الفائت، انفجرت سيارة ملغمة قرب مقر إقامة النجيفي في الموصل، وإن لم يعرف المسؤول عنها.

يُذكر أن قائمة الحدباء تعارض مرابطة قوات البشمركة الكردية في نينوى أو على أطرافها، وتظاهر الحكومة المركزية في محاولتها بسط سيطرتها على أرجاء المحافظة ذات الأغلبية العربية، والتي كان الأكراد يسيطرون عليها منذ بداية الاحتلال الأمريكي في 2003، ويطالبون بضم خمس مناطق منها إلى إقليم كردستان. ويهددون الآن باستخدام القوة المسلحة ما لم يعطوا بعض المناصب العليا في مجلس المحافظة، لكن النجيفي يشترط انسحاب البشمركة أولاً.

وهناك قضايا أخرى إشكالية تثير التوتر بين الحكومة المركزية وحكومة كردستان، التي تتمتع باستقلالية كبيرة في إدارة شؤون إقليمها، أهمها: الميزانية، وقانون النفط والغاز، ومصير محافظة كركوك وغيرها من "المناطق المتنازع عليها"، ووضع البشمركة.

يرى القادة الأكراد أن الحكومة المركزية حددت نصيب حكومة الإقليم من إيرادات الدولة (17%) من دون مشاركة ممثل كردي في المناقشات، ويطالبون بزيادته؛ لأنه يمثل إجحافاً بحق الأكراد. وإذا كانوا قد قبلوا هذه النسبة في ظل الظروف الحالية، فإن الأكراد يشكون دائماً من أن الحكومة العراقية تستقطع جزءاً حتى من الحصة التي قررتها، بما له من تأثيرات سلبية على وتيرة المشاريع الإنمائية في الإقليم، وعلى قدرة حكومة كردستان في دفع الرواتب والمخصصات لموظفيها.

فيما يتعلق بقانون النفط، هناك اختلاف جوهري بين الحكومة الاتحادية وحكومة كردستان يعرقل إقراره من قبل البرلمان. فحكومة الإقليم تصر على مبدأ تقاسم الثروة النفطية، وأن يكون لها حق التصرف في الاستثمارات النفطية في كردستان، فيما تحاجّ الحكومة الاتحادية أن موضوع النفط كله يجب أن يكون بيدها. ويثير هذا الموضوع مسألة العقود النفطية (بما تتضمنه من عمليات التنقيب والاستثمار والصناعة والتصدير) التي أبرمتها حكومة كردستان مع عدد من الشركات الأجنبية (35 شركة) دون الرجوع إلى الحكومة العراقية. وقد أثار توقيع هذه الاتفاقات أزمة سياسية وقانونية بين الحكومتين الاتحادية والكردية. فالأولى تعتبر هذه الاتفاقات غير قانونية، ووضعت الشركات الأجنبية المتعاقدة مع حكومة كردستان في القائمة السوداء، لكن الأخيرة تؤكد سلامة هذه الاتفاقيات قانونياً وعدم مخالفتها للدستور العراقي. ولذلك، قررت الحكومتان الاتحادية والكردية تشكيل لجنة عليا من أجل تسوية هذه المسألة وفق الدستور. ومع ذلك، لاتزال الأزمة مستمرة بين الجانبين إلى الآن؛ لتشبث كل منهما بموقفه، وتوقيع حكومة كردستان مزيداً من الاتفاقيات النفطية. وقد حدث اختراق مهم لهذه المشكلة مؤخراً، بعد أن توصل الطرفان إلى اتفاق، في 10 مايو الفائت، يسمح للحكومة الكردية بتصدير النفط من حقول كردستان، على أن يتم ذلك من خلال أنبوب النفط العراقي الواصل إلى ميناء جيهان التركي، وتنفذ عمليات التصدير عبر شركة تسويق النفط الحكومية العراقية (سومو)، وتُوضع عائدات التصدير في حساب الحكومة المركزية. وربما يؤشر ذلك إلى بدء حلحلة الخلاف بشأن قانون النفط وتوزيع الثروة النفطية في العراق.

أما بالنسبة لملف البشمركة، فهناك أكثر من مسألة إشكالية في العلاقات الحكومية البينية. فأولاً، تصر الحكومة العراقية على تقليص عدد البشمركة (190 ألف فرد متضمناً الاحتياط) إلى أكثر من النصف، فيما ترفض الإدارة الكردية ذلك. وثانياً، تريد الحكومة العراقية دمج كل وحدات البشمركة في الجيش العراقي، لكن الإدارة الكردستانية لم توافق إلا على دمج عدد محدود من هذه الوحدات. ثم إن الحكومة المركزية وقعت اتفاقية مع حكومة كردستان بشأن البشمركة، في صيف 2007، تحدد مهام هذه القوات وصلاحياتها وحقوقها في الإقليم والميزانية المخصصة لها. لكن التوتر الذي تشهده محافظتا نينوى وديالى يثير التساؤلات حول ولاء الوحدات الكردية في الجيش العراقي. فخلال الأزمات، يؤكد قادة هذه الوحدات أن ولاءهم لحكومة كردستان وليس للحكومة المركزية. وثالثاً، تطالب الحكومة العراقية بانسحاب قوات البشمركة من مناطق عدة في المحافظتين المذكورتين إلى خارج الخط الأزرق (خط عرض 36 شمالاً)، وهو الخط الذي يحدد حدود إقليم كردستان، فيما يرفض الأكراد ذلك؛ والذين لا يعترفون أصلاً بهذا الخط.

وقد أثارت أزمة خانقين بمحافظة ديالا، في سبتمبر 2008، مدى التوتر بين قوات البشمركة والجيش العراقي؛ حيث كادت تدفع إلى التصادم بين الطرفين. وقد اندلعت الأزمة إثر دخول قوات عراقية إلى خانقين (وهي من المناطق المتنازع عليها)، وإنذارها قوات البشمركة المرابطة هناك منذ 2003 بإخلاء مواقعها. ولم تنقشع الأزمة إلا بإبرام الطرفين اتفاقاً يقضي بانسحاب قواتهما في وقت واحد من البلدة، وترك الإشراف الأمني على شؤونها لسكانها. لكن البشمركة لا تزال مرابطة هناك؛ مما يشير إلى استمرار وجود بذور الأزمة بين الطرفين.

بيد أن أخطر المشكلات وأكثرها تعقيداً بين الحكومة المركزية وحكومة كردستان هي قضية كركوك. وتنبع خطورة هذه المشكلة من ثروتها النفطية (حوالي 16% من احتياطات النفط العراقي) من ناحية، ومن أن الصراع فيها قد يتحول إلى صراع إقليمي أوسع تتورط فيه دول الجوار. في هذا الخصوص، يُصر القادة الأكراد ليس فقط على ضم كركوك إلى إقليمهم، وإنما على الهوية الكردية لها. وقد عارضوا في البداية إجراء انتخاب لمجلس المحافظة، في يناير 2005، ولكنهم وافقوا، فيما بعد، على أساس أن المشاركة في الانتخابات ليست لها علاقة بتحديد مصير كركوك، وذلك بعد مقاطعة العرب للانتخابات. وقد فاز الائتلاف الكردي الرئيسي بـحوالي 63% من مقاعد المحافظة، وانتخب المحافظ كردياً. ولكن تم تأجيل الانتخابات التالية في المحافظة (التي كان مقرر إجراؤها في يناير الماضي) مدة ستة أشهر، وفقا لقانون انتخابات مجالس المحافظات الجديد، مع تقسيم السلطة في مجلس المحافظة كركوك خلال مدة التأجيل بين الأكراد والعرب والتركمان بنسبة 32% لكلّ منهم، بالإضافة إلى 4% للأقليات الأخرى. كما تم تشكيل لجنة هدفها الأساسي مراجعة جميع البيانات والسجلات المتعلقة بالوضع السكاني وتدقيقها بما فيها سجل الناخبين، على أن تجري انتخابات مجلس المحافظة بعد تقديم اللجنة توصياتها في موعد لا يتجاوز 31 مارس الماضي. ولكن اللجنة لم تقدم تقريرها بعد.

وقد تم تضمين الدستور العراقي الدائم المادة 140، والتي تقضي بتطبيع الأوضاع في كركوك، وإجراء إحصاء سكاني لها، ثم دعوة قاطنيها إلى استفتاء عام لتقرير مصيرهم. ولكن اللجنة المكلفة بتنفيذ هذه المادة لم تنته من عملها في المدة المحددة دستورياً (ديسمبر2007)؛ بسبب توتر في العلاقات بين العرب والأكراد والتركمان، وتم تمديد عملها. ولا تخرج الخيارات المطروحة أمام سكان كركوك عما تضمنه تقرير الأمم المتحدة، في أبريل 2009، وتتمثل في اللحاق بإقليم كردستان (وهو ما يسعى إليه القادة الأكراد)، أو الارتباط بالحكومة المركزية (وهو ما تريده حكومة المالكي)، أو جعل المحافظة إقليماً مستقلاً ذا ميزانية محددة يُدار بواسطة مكوناتها الثلاث أو إقليما خاصاً يُدار بالمشاركة بين الحكومة المركزية وحكومة كردستان (وهو ما تفضله كثير من القوى السياسية العربية وغالبية التركمان). ويلاحظ أن الخيارات جميعها تؤكد ضرورة بقاء المحافظة وحدة واحدة.

وفي الأسابيع الأخيرة، تصاعد التوتر في كركوك بين فرقائها. فعوامل الفتنة لا تزال قائمة، وتتضمن إصرار الأكراد على ترحيل العرب من كركوك وإحلالهم بالأكراد الذين تم تهجيرهم منها في السبعينيات والثمانينيات من القرن الفائت، وانتقال آلاف الأكراد بالفعل إلى المحافظة بعد 2003، ورفضهم دخول وحدات الجيش العراقي إليها. ومن ناحية أخرى، تحاول الحكومة المركزية تأكيد سلطتها على المحافظة. في هذا الخصوص، شكلت حكومة المالكي ما يعرف بمجالس الإسناد في كركوك (وأجزاء من نينوى)، وهي مجالس شبه قبلية، على غرار مجالس الصحوات؛ لموازنة أو مواجهة قوة الأكراد في كركوك، وأعلنت فتح باب العطاءات في المشروعات النفطية بالمحافظة نهاية هذا الشهر (يونيو).

وأخيراً، فإن تنامي العلاقات الخارجية لحكومة كردستان يزيد من شكوك الحكومة المركزية من أن الأكراد يبيتون للانفصال عن العراق، والتي يفاقمها من وقت إلى آخر تصريحات رسمية كردية، آخرها تصريح مسعود البارزاني رئيس الإقليم في 16 مايو الماضي لوكالة رويترز، عن الحق في "أن تكون لنا، كأية أمة، دولتنا". وتتمثل أهم أبعاد العلاقات الخارجية لإقليم كردستان في تأسيس دائرة العلاقات الخارجية (وهي بمنزلة وزارة الخارجية)، والتمثيل الخارجي الإيجابي (15 ممثلية في أربع قارات مختلفة) والسلبي (16 ممثلية لدول أجنبية، إضافة إلى مكاتب دائمة وممثلين لبعض المنظمات الدولية)، وإبرام اتفاقات دولية (نفطية وتجارية)، وتبادل الزيارات الخارجية مع عدد متنوع من الدول الأجنبية، والمشاركة في المؤتمرات وأعمال المنظمات الدولية، والانخراط في علاقات متنوعة مع الدول والأقاليم الأخرى في الخارج. وفيما تقوم بغداد بجهودٍ لاحتواء هذه التحركات الكردية، يزداد انخراط حكومة الإقليم في الشؤون الخارجية.

والخلاصة أنه على الرغم من إعلان كل من الحكومة المركزية وحكومة كردستان عزمهما إعادة بناء العلاقة بينهما على أسسٍ متينة، وتأسيس ممثلية للأخيرة في بغداد بغرض تنسيق العمل بين الطرفين منذ 2006، فإن هناك تحديات جمة، بعضها توصف بالجسيمة وبعضها جد خطيرة، أمام هذا المسعى. ومن ثم، فإن تعاطي الطرفين مع هذه التحديات؛ أي سلوكهم اللاحق، هو وحده الذي سيبين ما إذا كان هذا المسعى ذا طبيعة استراتيجية أم ذا طبيعة تكتيكية-براجماتية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات