بعد مؤتمر دمشق الأخير: أي مستقبل لحزب البعث العراقي؟

شحاتة محمد ناصر: بعد مؤتمر دمشق الأخير... أي مستقبل لحزب البعث العراقي؟

  • 1 فبراير 2007

نظم مجموعة من البعثيين العراقيين مؤتمراً قطرياً استثنائياً للحزب في دمشق مؤخراً؛ حيث انتخب قيادة قطرية جديدة ضمت العديد من العناصر البعثية المعروفة على رأسها "محمد يونس الأحمد" المطلوب من قبل الولايات المتحدة ضمن قائمة الخمسة والخمسين. وقد أثار هذا المؤتمر غضب "عزت الدوري"، الرجل الثاني في النظام العراقي السابق والذي قالت التقارير إنه بويع زعيماً للحزب، ودفعه إلى اتهام سورية بالتآمر على البعث العراقي ووصفها بأنها جزء من مؤامرة أمريكية "لتصفية رموز النضال ضد الاحتلال".

 ولا يحمل مؤتمر حزب البعث العراقي في دمشق جديداً فيما يتعلق بحالة التشرذم التي لحقت به؛ حيث تحول منذ سقوط نظام حكمه في 2003 إلى تيارات وأجنحة مختلفة وأحياناً متعارضة، وتشير التقارير إلى أنه تعرض إلى الكثير من الانشقاقات سواء بسبب الاختلاف حول قيادة "عزت الدوري"، أو بسبب الموقف من العملية السياسية في العراق، أو الموقف من المقاومة المسلحة للاحتلال الأمريكي، بحيث لم يعد ممكناً معرفة من يتحدث باسم الحزب على وجه اليقين؛ لأن كل فصيل يدعي أنه يمثل البعث الحقيقي، بينما يتهم الفصائل الأخرى بالخيانة حيناً والعمالة حيناً آخر، وهذا هو شأن الحزب منذ أن ظهر على الساحة الفكرية والسياسية العربية سواء في علاقاته مع غيره من التيارات والقوى بما فيها حتى القوى القومية الوحدوية، أو في تفاعلاته الداخلية والعلاقات بين عناصره وأجنحته. وعلى ضوء ذلك أصبح من الممكن أن نجد فصيلاً من البعث مستعداً للحوار مع الولايات المتحدة والمشاركة في العملية السياسية، وفصيلاً آخر مصّراً على المقاومة، مثل ذلك الذي يمثله "عزت الدوري". في الوقت الذي تشير فيه التقارير إلى انقسام حزب البعث العراقي إلى أربعة فصائل، هي: جيش تحرير العراق، حزب الإصلاح، قيادة قطر العراق، حزب العودة.

 لكن الجديد الذي يحمله مؤتمر دمشق هو ردود الفعل عليه من ناحية، ودلالاته بالنسبة للعلاقة بين سورية والبعث العراقي وحدود السياسة والأيدولوجيا فيها من ناحية أخرى، فقد عبرت الحكومة العراقية عن وجهة نظر إيجابية تجاه المؤتمر، وقال وزير الدولة لشؤون الحوار الوطني "أكرم الحكيم"، إن البعثيين الذين اجتمعوا في دمشق اتخذوا موقفاً حاسماً تجاه رموز السلطة العراقية السابقة المتورطين بجرائم ضد الشعب العراقي، وأضاف: "هناك معلومات تشير إلى وجود حركة داخلية واسعة تهدف إلى إعادة تقييم ما جرى خلال فترة حكم البعث في العراق، وإعادة صياغة موقف جديد من العملية السياسية ومحاولة فك الارتباط برموز السلطة الصدامية".

 ويعني ذلك أمرين: الأول هو أن ثمة مراجعة ربما تكون قد بدأت من قبل بعض البعثيين العراقيين لتوجهات الحزب من أجل المحافظة على بقائه من ناحية، والتكيف مع التغيرات المحيطة به من ناحية أخرى. وتشمل هذه المراجعة الموقف من الجرائم المنسوبة إلى البعث في عهد "صدام حسين"، فضلاً عن الموقف مما يجري على الساحة العراقية، خاصة فيما يتعلق بالعملية السياسية. وهذه المراجعة لا تشمل فصيل البعث العراقي في دمشق فقط وإنما تمتد إلى عناصر بعثية في دول أخرى، ومن المؤشرات المهمة في هذا السياق ما أشارت إليه المصادر مؤخراً من أن مجموعة من البعثيين العراقيين في الأردن يستعدون لتكوين تنظيم سياسي سيعمل على مد جسور التواصل مع الولايات المتحدة والتواصل مع العملية السياسية العراقية. ولا شك أن هذا سيمثل تحدياً كبيراً للبعثيين الملتزمين بقيادة الدوري والمؤمنين بالمقاومة، وهذا ما يفسر موقف الدوري المتشدد تجاه مؤتمر دمشق وإقدامه على فصل المشاركين فيه من الحزب!.

 الأمر الثاني هو أن هذه المراجعة التي تقوم بها بعض عناصر البعث تحظى بترحيب أطراف مختلفة منها الحكومة العراقية وربما الولايات المتحدة نفسها، وذلك في ظل الحديث عن العمل على إعادة إدماج البعثيين في العملية السياسية العراقية في إطار استراتيجية المواجهة لحالة الانفلات الأمني في البلاد. ولأن التقديرات الاستخباراتية المختلفة تشير إلى أن البعث قد أصبح يلعب الدور الرئيس في أعمال العنف في العراق، فإن تفتيته وإثارة الخلافات بين فصائله، أصبح هدفاً أمريكياً ملحاً. وضمن هذا السياق يمكن فهم موقف الحكومة العراقية من مؤتمر دمشق.

 ولكن ماذا يعني ذلك بالنسبة لمستقبل حزب البعث العراقي؟ وهل يمكن أن يقود إلى فك الحظر المطبق عليه في العراق؟

 يلاحظ بداية أن هناك مرونة ملحوظة في تعامل الحكومة العراقية مع البعث بعد مواقفها المتشددة والاستبعادية التي تبنتها خلال المراحل الأولى للعملية السياسية، وقد عززت هذه المرونة توقعات بعض المراقبين بإمكانية إشراك بعض العناصر البعثية في السلطة على إثر المراجعة التي تمت في مؤتمر دمشق. ولا شك أن استعداد بعض البعثيين لتأييد العملية السياسية العراقية والحوار مع الاحتلال، إنما ينطوي على انقلاب على مبادئ الحزب، كما أن من شأنه أن يزيد من حدة الانقسام والتشرذم فيه، وإذا كانت الحكومة العراقية وواشنطن مستعدتين للتعامل مع بعض قوى البعث "المعتدلة"، فإنهما غير مستعدتين للقبول بعودة البعث كحزب سياسي مهما قامت هذه القوى من مراجعات سياسية وفكرية، على الأقل في المدى المنظور. وعلى ذلك فإن البعث العراقي قد أصبح واقعاً بين مطرقة الانقسامات الداخلية من ناحية، وسندان التوظيف السياسي لهذه الانقسامات من قبل الولايات المتحدة وبعض القوى الإقليمية من ناحية أخرى.

 وإذا كانت الحكومة العراقية قد رحبت بمؤتمر حزب البعث في دمشق على أساس أنه يزيد من تفتيت الحزب، ويضعف من موقف التيارات المتشددة والمتبنية للعنف داخله، فإن لسورية، التي استضافت المؤتمر، حساباتها السياسية كذلك، فعلى الرغم من العداء بين نظامي الحكم البعثيين في العراق وسورية على مدى سنوات طويلة، فقد نظرت دمشق بقلق شديد إلى انهيار حكم البعث في العراق؛ لأنه تم على أيدي القوات الأمريكية؛ حيث رأت أن هذا ربما يكون مقدمة للنيل من الجناح الثاني للبعث فيها، خاصة في ظل التهديدات الأمريكية المتكررة والمكشوفة التي وجهت إليها خلال هذه الفترة، والتقارير التي تحدثت عن سعي الولايات المتحدة إلى القضاء التام على حزب البعث وفكره، بل واعتباره منظمة إرهابية لابد من العمل على حظر نشاطاتها ومنع التعامل معها. وهذا ما يفسر تغاضي سورية عن العداء الطويل مع البعث العراقي والموافقة على استقبال بعض رموزه وعناصره على أراضيها على الرغم من الضغوط الشديدة التي تعرضت وتتعرض لها.

 وقد نظرت سورية إلى الأمر في هذا السياق نظرة براجماتية بحتة بعيدة عن الأيديولوجيا، والدليل على ذلك أنها أقدمت على طرد أو تسليم بعض العناصر البعثية العراقية حينما وصلت الضغوط والتهديدات الأمريكية لها إلى حد الخطر، وعلى ذلك فإن الذين اهتموا بالمحرك الأيديولوجي في استضافة سورية لعناصر بعثية عراقية سعت مؤخراً إلى اقتناص زعامة البعث من "عزت الدوري"، قد فاتتهم حقيقة أساسية هي أن  كل المعطيات المحيطة بعلاقة سورية مع العناصر البعثية العراقية بها، تجرد هذه العلاقة من بعدها الأيديولوجي وتركزها في جانبها السياسي البحت؛ حيث تأتي هذه العلاقة ضمن حرص دمشق على امتلاك العديد من الأوراق السياسية التي يمكنها استخدامها والمساومة بها في الوقت المناسب، وعلى ذلك فإن استضافتها لعناصر بعثية عراقية لديها يماثل استضافتها عناصر من حركتي حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين على أراضيها من دون أن يعني ذلك اتفاقها أيديولوجياً معهما؛ حيث تتبنى دمشق أيديولوجيا علمانية فيما تتبنى الحركتان أيديولوجيا دينية إسلامية. ومن ناحية ثانية، فإنه لا يمكن تصور توجه سورية نحو تحالف أيديولوجي مع حزب البعث العراقي في الوقت الذي تتحالف فيه مع إيران التي تكن عداءً تاريخياً للحزب، وفي الوقت الذي تتطور فيه علاقاتها مع الحكومة العراقية بشكل ملحوظ.

 ومن ناحية ثالثة، فإن صورة البعث العراقي مرتبطة في أذهان العرب بالكثير من الكوارث والمصائب التي تسبب فيها ليس فقط للعراقيين وإنما للعالم العربي كله، وعلى ذلك فإن تحالف سورية معه سوف يسيء إليها في الوقت الذي تسعى فيه إلى تحسين صورتها كدولة بعثية وإلى مواجهة الصورة النمطية السيئة للبعث بشكل عام على الساحة العربية. علاوة على ذلك، فإن الأيديولوجيا السياسية لم تعد تتحكم في تحالفات السياسة وقراراتها في المنطقة، وتقدم سورية نفسها نموذجاً معبراً في هذا الصدد؛ حيث تتحالف مع إيران بينما تختلف أيديولوجياتهما بشكل جذري، بين أيديولوجيا علمانية وحكم "جمهوري"، وأخرى دينية وحكم ديني.

 وحدها التيارات الدينية هي التي ما زالت تعطي أهمية للأيديولوجيا، وإن كانت قد وضعت أيديولوجياتها جانباً في الكثير من الأحيان في مواجهة ضغوط التغيير الداخلية والخارجية، كما حدث في حالتي الإخوان المسلمين في مصر وحماس في فلسطين، ولهذا يذهب البعض إلى القول بأن عصر الأيديولوجيا قد انتهى. وعلى الرغم من التحفظات التي تساق على هذا الحكم أو الاستنتاج، فإنه يعكس في حقيقته واقعاً سياسياً، إقليمياً ودولياً، متحرراً من وطأة الأيديولوجيا التي وجهت تفاعلات العالم وأقاليمه المختلفة لسنوات طويلة.   

 وعلى ضوء كل ما سبق، فإن تنشيط العناصر البعثية العراقية في سورية من خلال عقدها مؤخراً مؤتمراً استثنائياً تحدى زعامة الدوري، إنما يعكس توجهاً جديداً لدمشق التي حرصت على مدى السنوات الماضية على نفي أو إخفاء وجود هذه العناصر فيها. ويرتبط هذا التوجه الجديد بالدعوة إلى الحوار مع البعث العراقي سواء من قبل الحكومة العراقية أو الولايات المتحدة في سياق البحث عن طريق للخروج من المأزق الراهن في العراق. وفي هذا الإطار تريد سورية، عبر تنشيط العناصر البعثية العراقية بها سياسياً، أن توجه رسالة إلى واشنطن مفادها أن ورقة البعث في يديها وأن البعثيين العراقيين المقيمين على أراضيها لا يمكن تجاهلهم في أي حوار من هذا النوع. أي أن سورية وجدت أن هذا هو الوقت الذي يجب أن تستعمل فيه ورقة عناصر البعث العراقي لديها وبالتالي عمدت إلى إخراجها وتنشيطها وتفعيلها.

 وهكذا أصبح البعث العراقي ورقة سياسية وأمنية تطرحها قوى إقليمية وأطراف عراقية فضلاً عن قوى بعثية، في إطار صراعات الأدوار وخطط الخروج من المأزق العراقي. إلا أن هذا يجب ألا يقود إلى أي أوهام حول عودة البعث كحزب سياسي شرعي في العرق على الأقل في المدى المنظور.

Share