«بريكست» وخطأ التشكيك في التكتلات الدولية

  • 3 يناير 2021

أدّى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أو ما عرف باسم «بريكست»، وهو اختصار للكلمتين الإنجليزيتين (British Exit) اللتين تعنيان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلى طرح الكثير من التساؤلات حول مستقبل هذا التكتل الدولي، الذي يعدّ واحدًا من أهم التكتلات الدولية، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، فالاتحاد الذي تأسّس وفقًا لمعاهدة ماستريخت قبل نحو ثلاثة عقود وريثًا للمجموعة الأوروبية، مع تكريس التعاون في مجالي السياستين الخارجية والأمنية، والتحرك نحو تنسيق السياسات الأوروبية بخصوص اللجوء والهجرة والمخدرات والإرهاب، وترسيخ مفهوم المواطنة الأوروبية للمرة الأولى، ووضع جدول زمني لتحقيق الوحدة الاقتصادية والمالية بين الدول الأعضاء. ويعدّ هذا الاتحاد قوة اقتصادية هائلة على الصعيد الدولي، حيث إنه يمثل ثاني أكبر اقتصاد في العالم من حيث القيمة الاسميّة بعد الولايات المتحدة، ومن حيث معادلة القوة الشرائيّة أو تعادل القوة الشرائيّة بعد الصين، حيث قُدِّر الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد بنحو 18.8 تريليون دولار في عام 2018، ممثّلاً نحو 22 في المئة من الاقتصاد العالمي (الناتج المحلي الإجمالي الاسمي العالمي). ويشكل اليورو، وهو العملة الخاصة بالاتحاد ثاني أكبر عملة احتياطيّة، وكذلك ثاني أكثر العملات المتداولة في العالم بعد الدولار الأمريكي.

ولم يقتصر التشكيك الذي أثاره «بريكست» على مستقبل الاتحاد الأوروبي، الذي يعرّف نفسه بأنه تجمّع من الدول الأوروبية الديمقراطية الملتزمة بالعمل معًا من أجل السلم والرخاء فقط، حيث طال التشكيك العديد من التكتلات الدولية وفكرة التكتل الدولي ذاته، وخاصة مع قيام الولايات المتحدة في ظل عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب، بالانسحاب من عدد من المنظمات والاتفاقيات الدولية، وظهور العديد من التيارات الشعبوية واليمينية المتطرفة في الكثير من الدول الأوروبية، التي تتمحور توجهاتها الفكرية حول الذات القومية، وتتخذ موقفًا معاديًا لفكرة التنظيم الدولي، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الاتجاه الذي قاد بريطانيا إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي هو تيار شعبوي، استطاع أن ينتزع موافقة شعبية على «بريكست» في استفتاء شعبي عُقد قبل نحو أربع سنوات، وهناك تيارات شعبوية في بعض الدول الأوروبية تريد انتهاج المسلك البريطاني، والانسحاب من تحت مظلة الاتحاد الأوروبي، وهو أمر قد يؤدي بالفعل إلى خلخلة الاتحاد، وربما تفكّكه كما يقول بعضهم.

والحاصل أن التكتلات الدولية كانت السِّمة الرئيسية للنظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإن كان بعض هذه التكتلات قد اتخذ الطابع العسكري، مثل حلف وارسو الذي انهار مع تفكّك المعسكر الشيوعي وانهيار الاتحاد السوفيتي، وحلف شمال الأطلنطي، فإن معظم تلك التكتلات قد تركز اهتمامها في مجالات أخرى، أهمها المجال الاقتصادي، فضلًا عن المجالات السياسية والأمنية والثقافية وغيرها، وقامت هذه التكتلات بدور كبير في تقوية أواصر التعاون في هذه المجالات بين العديد من دول العالم، ومثّلت ركيزة أساسية لاستقرار النظام الدولي، وكان لها دور كبير في مواجهة الكثير من التحديات المشتركة على الصعيد العالمي، وكل ذلك لا بد أن يؤكد للجميع الأهمية البالغة للتكتلات الدولية، والدور الحيوي الذي تقوم به.

لقد باتت الإشكاليات التي يواجهها العالم المعاصر معقدة بشكل غير مسبوق، ولا يمكن التغلّب عليها من خلال جهود فردية، وإنما من خلال تكتلات دولية تمتلك القدرة على التعامل مع هذه التحديات بشكل فاعل والتغلب عليها، وهناك الكثير من التحديات المشتركة على الصعيد العالمي لا يمكن التصدي لها بشكل فردي، وإنما تتطلب حشد الجهود الدولية لمواجهتها، وخير مثال على هذا النوع من التحديات، جائحة «كورونا» التي تعصف بالعالم خلال المرحلة الحالية، والتي أسهم التعاون الدولي في الحد من خطورتها وتكثيف الجهود من أجل القضاء عليها. ومن هنا، فإن «بريكست» ينبغي ألا يدفع أحدًا إلى التشكيك في أهمية التكتلات الدولية، التي تعد بمنزلة العمود الفقري للنظام الدولي.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات