برويز مشرف.. وانتحار باكستان!!

فتوح هيكل: برويز مشرف.. وانتحار باكستان!!

  • 11 نوفمبر 2007

"لا يمكن أن أسمح بانتحار هذا البلد".. بهذه الكلمات برر الرئيس الباكستاني "برويز مشرف" قيامه يوم الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر الحالي (2007) بإعلان حالة الطوارئ في البلاد، وما تلاها من إجراءات، جاءت بعيدة تماماً عن الحكمة، مثل: تعطيل العمل بالدستور، وعزل رئيس المحكمة العليا "افتخار تشودري" واستبداله بآخر موال للسلطة، وشن حملة اعتقالات واسعة طالت مئات المعارضين السياسيين، فضلاً عن قيامه بفرض قيود مشددة على وسائل الإعلام المحلية والأجنبية العاملة في باكستان، ومنعها من بث أية بيانات تسخر منه أو من كبار مسؤولي الحكومة والقوات المسلحة، ووقف بث كل القنوات الإخبارية الخاصة، وغيرها الإجراءات التي اعتبر كثيرون أنها تنذر بانتشار حالة الفوضى داخل باكستان وتضع هذا البلد على حافة الانتحار الفعلي الذي أعلن "مشرف" أنه يخشاه ويحاول تجنبه!!.

لقد حاول "مشرف" الدفاع عن قراره باتخاذ هذه الخطوات، مؤكداً أنها تمت بدافع تحقيق مصلحة باكستان وليس لمصلحة شخصية، مشيراً إلى التزايد الملحوظ الذي شهدته أنشطة المتطرفين الإسلاميين والحوادث المرتبطة بالهجمات الإرهابية داخل بلاده، وما وصفه بـ "تدخل القضاء في الشؤون العامة" بالشكل الذي أصاب الحكومة بالشلل، متهماً بعض القضاة بأنهم عملوا ضد أهداف السلطتين التشريعية والتنفيذية في حربهما على الإرهاب والتطرف، مما أثر على فاعلية تحركهما لاحتواء هذا التهديد!.

غير أن هذه التبريرات لم تقنع أحداً، لاسيما أن قرار "مشرف" بفرض حالة الطوارئ وعزل رئيس المحكمة "افتخار تشودري" تم قبل يومين فقط من إصدار المحكمة العليا قرارها بشأن مدى شرعية ودستورية ترشحه للرئاسة في الانتخابات الأخيرة وفوزه بالمنصب؛ حيث يرى أغلب المراقبين أن الرئيس الباكستاني أقدم على هذه الخطوة عندما تيقن من أن المحكمة ستقضي ببطلان ترشحه لهذه الانتخابات، استناداً للدستور الباكستاني الذي ينص صراحة على منع أي مسؤول عسكري من الترشح لمنصب سياسي قبل مرور سنتين على تقاعده أو استقالته من منصبه. أي إن إقدام الرئيس "مشرف" على اتخاذ هذه الإجراءات لم يكن سوى خطوة استباقية للحفاظ على بقائه في منصبه، ولم يكن بدافع تحقيق مصلحة باكستان أو إنقاذ البلاد من موجة التطرف والإرهاب التي تعصف بها.

وفي كلتا الحالتين، فإن هذه الإجراءات لن تحقق الهدف منها، فهي لن تنقذ "مشرف" ولن تحقق مصلحة باكستان، بل إن نتائجها قد تصب في الاتجاه العكسي تماماً، فهي من ناحية أضعفت من مصداقية "مشرف" الداخلية، ووحدت المعارضة الباكستانية، بشقيها العلماني والإسلامي، ضده؛ حيث سارعت أحزاب المعارضة ونقابات المحامين والمؤسسة القضائية ممثلة بكبار قضاة المحكمة العليا إلى إعلان رفض هذه الإجراءات والتحرك لمواجهة الحكومة جماهيرياً، عبر تنظيم سلسلة من الإضرابات والتظاهرات العامة لإجبار "مشرف" على العدول عن هذه الإجراءات، الأمر الذي قد يدفع بالبلاد نحو مزيد من التوتر والاحتقان الداخلي، لاسيما مع قيام السلطة بشن حملة اعتقالات واسعة طالت كثيراً من القضاة والمحامين والناشطين السياسيين، حيث بلغ عدد الذين اعتقلوا أو وضعوا قيد الإقامة الجبرية بعد يومين فقط من فرض الطوارئ أكثر من 1500 شخص، أبرزهم الجنرال المتقاعد "حميد جل" المدير الأسبق للاستخبارات العسكرية و"جاويد هاشمي" الرئيس بالوكالة لحزب الرابطة الإسلامية بزعامة "نواز شريف"، و"عمران خان" بطل الكريكت السابق وزعيم "حركة الإنصاف"، إضافة إلى "قاضي حسين أحمد" زعيم حزب "الجماعة الإسلامية". كما وُضعت رئيسة الوزراء السابقة وزعيمة حزب الشعب، أكبر أحزاب المعارضة في باكستان، "بي نظير بوتو"، قيد الإقامة الجبرية لفترة قصيرة .

ومن المتوقع، من ناحية ثانية، أن تدفع هذه الإجراءات الأزمة السياسية التي تشهدها البلاد حالياً نحو مزيد من التعقيد، بعد فترة من الهدوء النسبي، شهدت خلالها كثيراً من الجدل والأقاويل عن قرب التوصل إلى صفقة محتملة لتسوية هذه الأزمة، يتم بموجبها اقتسام السلطة بين "مشرف" و"بي نظير بوتو"، التي عادت إلى البلاد قبل أسبوعين من اتخاذ هذه الإجراءات بعد نحو ثماني سنوات قضتها في المنفى الاختياري. وقد تجلت بوادر هذا التعقيد في أكثر من مظهر، منها: حالة الغموض التي تلف مصير الانتخابات البرلمانية المقررة مطلع العام المقبل؛ حيث كانت الحكومة قد أعلنت تأجيلها إلى أجل غير مسمى، قبل أن تتراجع تحت تزايد حدة الضغوط الدولية وتعلن أنها ستتم في موعدها، فضلاً عن تفاقم أزمة الثقة بين النظام الحاكم والمعارضة السياسية، بما فيها رئيسة الوزراء السابقة، "بي نظير بوتو"، التي وجهت انتقادات قوية لفرض حالة الطوارئ، ووصفتها بأنها "أحكام عرفية سيحتج شعب باكستان عليها"، مؤكدة أنها لن تتفاوض مع الرئيس "مشرف" بعد قيامه بفرض حالة الطوارئ، كما أعلنت عن استعدادها للقاء تحالف استعادة الديمقراطية المعارض لمشرف والتنسيق معه بشأن هذه الأزمة. ومن هذه المظاهر أيضاًُ تفاقم الأزمة القائمة بين النظام الحاكم والمؤسسة القضائية، التي تعرضت بدورها لتدخل سافر من جانب الحكومة تمثل في عزل رئيس المحكمة العليا "افتخار تشودري" من منصبه للمرة الثانية بعد إعلان المحكمة عدم دستورية هذه الإجراءات.

ولا شك أن تفاقم حدة التوتر والاحتقان الداخلي الناتج عن حالة عدم الاستقرار السياسي الذي تشهده باكستان سيمثل بيئة خصبة ومناسبة لنمو وانتشار التيارات المتطرفة، التي تدعي الحكومة أنها اتخذت هذه الإجراءات الاستثنائية بهدف مواجهتها، فجماعات التطرف والإرهاب لا تنتشر ولا تجد المأوى والتأييد، إلا في بيئة كهذه، تنتشر فيها الفوضى والتوتر وتنعدم فيها الثقة بين الحكومة والمواطنين. فإذا أضفنا إلى ذلك التغلغل الواسع من جانب عناصر تنظيم القاعدة وحركة طالبان الأفغانية داخل الأراضي الباكستانية، فإنه ستتضح لنا مدى خطورة التهديد الذي ستواجهه حكومة "مشرف" في الفترة القادمة، لاسيما إذا اتسعت حدة ونطاق الاضطرابات المتوقع أن تشهدها البلاد احتجاجاً على إعلان حالة الطوارئ.

ولا تتوقف أبعاد هذه الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها "مشرف" عند حدود الداخل، فقد كان لها أيضاً تأثيرها المباشر على علاقات النظام بالخارج؛ حيث سارعت واشنطن، الحليف الرئيس لباكستان في الحرب على الإرهاب إلى انتقاد هذه الإجراءات التي وصفتها بأنها "محبطة" و"مزعجة" و"مخيبة للآمال"، وهددت على لسان وزيرة خارجيتها "كونداليزا رايس" بإعادة النظر في المساعدات المالية المخصصة لباكستان، والتي بلغت نحو عشرة مليارات دولار خلال السنوات الخمس الأخيرة، لكن البنتاجون سارع إلى التأكيد بأن هذه الإجراءات لن تؤثر على الدعم الأمريكي لباكستان وجهودها في مجال مكافحة الإرهاب، وهو ما يعكس استمرار التخبط الأمريكي في التعامل مع الحليف الباكستاني، ذلك التخبط الذي يعود في جانب منه إلى عدم الرضا عن أداء الرئيس الباكستاني والرغبة في الوقت ذاته في عدم خسارته باعتباره حليفاً محورياً في الحرب على الإرهاب!، كما يعود في جانب آخر إلى الرغبة الأمريكية في الضغط على نظام "مشرف" لتسريع عملية الإصلاح الديمقراطي، والخوف في الوقت نفسه من أن يؤدي تسريع الديمقراطية إلى وصول الإسلاميين المتطرفين إلى السلطة وتكرار تجربة حماس في الأراضي الفلسطينية، لاسيما مع انتشار المد الأصولي في باكستان!.

ولكن هذا التخبط، لم يمنع واشنطن من ممارسة ضغوطها على "مشرف" لإعادة العمل بالدستور والالتزام بإجراء الانتخابات البرلمانية في موعدها، حتى لا تتفاقم الأزمة داخل باكستان بما يهدد استقرار هذا البلد النووي، والذي سيمثل بلا شك تهديداً للولايات المتحدة نفسها ولجهودها في الحرب على الإرهاب. كما وجهت بريطانيا بدورها انتقادات قوية للإجراءات التي اتخذها "مشرف"، في الوقت الذي أعلنت فيه هولندا تعليق مساعداتها المالية لباكستان، واصفة هذه الإجراءات بأنها "انقلاب مأساوي يهدد الديمقراطية والتنمية والشعب الباكستاني"، كما انتقد الأمين العام للأمم المتحدة "بان كي مون" هذه الإجراءات، وهو الموقف الذي اعتبرته باكستان تدخلاً في شؤونها الداخلية. ويعني كل ذلك أن النظام الباكستاني يتجه نحو مزيد من العزلة الدولية إذا أصر على المضي قدماً في فرض وتطبيق هذه الإجراءات الاستثنائية.

ومع الاعتراف بخطورة الوضع الذي يعيشه باكستان، لاسيما لجهة تفاقم موجة التطرف والإرهاب وتزايد نفوذ وسيطرة المتطرفين على مناطق واسعة في البلاد، فإن إقدام الرئيس "مشرف" على اتخاذ هذه الخطوات الاستثنائية هو تصرف جانبه الصواب، يضاف إلى سلسلة الأخطاء التي ارتكبها منذ استيلائه على السلطة عام 1999، والتي أفقدت النظام جزءاً من مصداقيته الداخلية، بداية من الأسلوب التعسفي الذي اتبعته الحكومة في إغلاق المدارس الدينية، مروراً بعزل رئيس المحكمة العليا "افتخار تشودري" والذي سبق أن أعادته المحكمة نفسها إلى منصبه، وليس انتهاءً بمعالجة النظام غير الحكيمة لأزمة "المسجد الأحمر" الأخيرة، والتي تسببت في مقتل أكثر من 100 شخص واستفزت مشاعر الكثير من المواطنين.

إن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تنجح من خلال اللجوء إلى فرض الأحكام العسكرية ووقف العمل بالدستور وانتهاك استقلالية القضاء، فهذه الإجراءات تزيد من حدة الكبت السياسي ومن ثم تفاقم حالة الاحتقان والتوتر الداخلي التي تمثل بدورها بيئة مناسبة لنمو التطرف والإرهاب، وهو ما يفرض على النظام الباكستاني إعادة النظر في هذه الإجراءات الاستثنائية والعودة سريعاً للعمل بالدستور وفرض سلطة القانون؛ لأن الإصرار على المضي قدماً في هذا التوجه وزيادة حدة التوتر الداخلي قد يدفع بهذا البلد النووي نحو الانفجار، وهذا الانفجار لو حدث فإن شظاياه ستطال جميع دول المنطقة والعالم، ولن يسلم منه أحد!.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات