برلمان الثنائية الإيرانية: محافظون وإصلاحيون… لا فرق

د. هدى النعيمي: برلمان الثنائية الإيرانية: محافظون وإصلاحيون... لا فرق

  • 24 مارس 2008

ليس من قبيل المصادفة أن يتسيد التيار المحافظ البرلمان الثامن في إيران، بعد فوزه في المرحلة الأولى من الانتخابات التشريعية التي جرت منتصف شهر مارس/آذار 2008 بـ 182 مقعداً نيابياً، مقابل 40 مقعداً فقط للمعارضة الإصلاحية، و47 مقعداً للمستقلين، ما يعني اتجاه إيران نحو مزيد من الاندفاع والثورية، التي قد تؤطر الحركة الإيرانية، وتدفع طهران نحو مواصلة مساعيها الرامية إلى توسيع دائرة انتشارها وهيمنتها في المنطقة ومحاولة ملء الفراغ الإقليمي الذي حدث بعد احتلال العراق، استغلالاً لحالة الانتظار العربية، التي تتطلع لقرارات واشنطن، في إيجاد حلول للأزمات والملفات الساخنة.

لقد مثلت الحرب الأمريكية على العراق أحد أهم المتغيرات الساندة للمبادئ الثورية الإيرانية، والتي عكست بدورها إصراراً إيرانياً وعناداً منقطع النظير لبلوغ الأهداف المرجوة منها، والمتمثلة بالعمل على إعادة تشكيل المنطقة وفق مقاييس الثوريين الإيرانيين، الذين لا يخفون رغبتهم في اعتماد سياسة خارجية هجومية، تمثّل بداية لانطلاقة أخرى في أمكنة ثانية، مدعومة في ذلك بالقدرات والإمكانات النووية التي تمتلكها طهران أو تسعى لحيازتها في إطار سعيها لتحقيق تقدم على مستوى مشروع التمدد الإيراني. ولاشك أن البرلمان الإيراني، بتركيبته المحافظة الجديدة، سيكون داعماً لمزيد من التشدد والتمسك باستراتيجية الهيمنة العسكرية والردع الإقليمي القائم على التفوق الكمي، وبالتالي فهو سيعبر عن سياسة ردعية- تدخلية، تعتمد على التذكير بمخرجات القوة الإيرانية وآثارها على المنطقة، وبهذا الصدد يقول محمد رضا آصفي: "إن مطالب الشيعة تقتصر على استرجاع عزة المسلمين وكرامتهم الضائعة…مما يدعو إلى تبني استراتيجية كبرى"، ويعتبر أن "…مسؤولية إيران في الشرق وآسيا الإسلامية منذ قرون، لم تكن يوماً على ما هي عليه اليوم من رجاحة وحجم…"

 ويلاحظ المتتبع للسياسة الإيرانية أن حلقة جديدة من التغيير بدأت تبرز مع تولي السيد علي خامنئي أمر المرجعية الروحية في إيران، تمّكن خلالها من تقوية سلطاته، والإمساك بكل خيوط الولاية المطلقة؛ حيث بدأت الجمهورية الثانية عهدها بتعديل للدستور لتقوية صلاحيات المرشد الأعلى على أساس الولاية المطلقة للفقيه، وذلك في الدورة الخامسة لمجلس الشورى التي عقدت بعد وفاة الخميني.

ومن المؤكد أن حركية النظام الإيراني، تتكشف على نحو يفصح عن أجنحة سياسية وهيكلية دينية وطبقية، تحركها الرؤى العقائدية الخلاصية، ومحاولة الإيحاء بأن لكل جهة وجهات نظر قد لا تتطابق أو حتى تتقاطع مع الهياكل السياسية الأخرى، ومع هذا فإن صناعة القرارات المصيرية هي بيد المرشد الأعلى حصراً، ولن يملك أي من فرقاء المشهد السياسي والديني الإيراني القدرة على معارضته، باعتباره الولي الفقيه.

علاوة على ذلك، فإن الظروف الإقليمية والدولية في مرحلة ما بعد الحرب العراقية-الإيرانية ساعدت على تحقيق قدر من الانفتاح السياسي والاقتصادي، ليصار إلى اعتماد الواقعية السياسية بدلاً عن الشعارات المثالية؛ إذ أدى هذا الانفتاح إلى ظهور حركة الإصلاحيين التي لاقت دعماً من رئيس الجمهورية آنذاك هاشمي رفسنجاني، أعقبتها مرحلة ثانية مع تولي السيد محمد خاتمي رئاسة الجمهورية، اعتبرها المتشددون انحرافاً عن المسار الإسلامي الثوري، وانشغالاً بالمعايير الغربية للممارسة السياسية.

وتعتبر رئاسة أحمدي نجاد عودة لضبط النظام من خلال نبذ الاسترخاء وتقوية الاتجاهات المتشددة وإحياء (قيم الثورة وفكر المستضعفين)، بمساعدة الجيل الثاني من أبناء الثورة ودعم الحرس القديم، وإيجاد كوادر تنفيذية مشبعة بمناخ التشدد، تتولى إدارة السلطة القضائية والسلطة التشريعية ومجلس الشورى الإسلامي ومجلس صيانة الدستور، ناهيك عن السلطة التنفيذية.

 ويتسم المشهد السياسي الانتخابي في إيران بالتنافس بين تيارين، أولهما: هو التيار الإصلاحي الذي يضم حزب جبهة المشاركة، أكبر الأحزاب الإصلاحية في إيران، بزعامة محمد رضا خاتمي، شقيق الرئيس السابق، ومعه حزب الاعتماد الوطني "اعتماد ملي" القريب من مهدي كروبي رئيس البرلمان السابق، ومنظمة مجاهدي الثورة الإسلامية، وكوادر البناء القريبة من هاشمي رفسنجاني.

أما التيار الثاني، والذي يضم المتشددين المحافظين، فيمثله نجاد المدعوم من مؤسسة الحرس الثوري، و"الجبهة المتحدة للمدافعين عن المبادئ"، التي يمثلها علي لاريجاني السكرتير السابق لمجلس الأمن القومي، ومحمد باقر قاليباف المرشح السابق لرئاسة الجمهورية، وأحمد توكلي رئيس اللجنة الاقتصادية في البرلمان، فضلاً عن جمعية الأوفياء للإمام التي تضم 14 تنظيماً من المحافظين التقليديين.

 وإذا ما اعتبرنا أن هذه الانتخابات تمثل امتداداً للمرحلة السابقة، وأنه ينبغي على إيران أن توجه جهودها لتكييف المزاج الإقليمي، سواء باللين أو الشدة، استثماراً لما استجد على ساحة الحرب في العراق، فإن الإدارة الأمريكية تتحمل وزر تمكن طهران من الإمساك بالمنطقة والهيمنة على معادلاتها السياسية والأمنية، جراء ما ارتكبته هذه الإدارة من أخطاء فادحة منذ احتلال العراق عام 2003، وما أفضى إليه ذلك من توزيع جديد للأوزان الاستراتيجية، مترافقاً مع التغييرات التي حصلت منذ احتلال أفغانستان عام 2001، وحتى حرب لبنان عام 2006.

ويقودنا هذا إلى ما ذكره أحد المحللين الإيرانيين، من أن البرلمان القادم لن يتوزع ما بين المحافظين والإصلاحيين، بقدر ما سيكون بين دعاة إنجاح المشروع الإيراني في المنطقة بأي ثمن، وبين دعاة التركيز على الداخل الإيراني على حساب أي دور إقليمي أو دولي. وبما أن أصوات دعاة إنجاح المشروع الإيراني الإقليمي هي الأعلى والأقوى حالياً، فمن المتوقع أن تشهد الدائرة الإقليمية-الإسلامية في السياسة الخارجية الإيرانية تحركاً غير مسبوق في الفترة القادمة، لإحداث التغيير المطلوب فيها على خلفية مزاعم ودعاوى الوحدة الثقافية والجغرافية؛ إذ يحتل (مبدأ تصدير الثورة) موقعاً جوهرياً في الممارسة السياسية الإيرانية، وبات واضحاً أن إيران لن تتخلى عن مسيرة التدخل في شؤون الدول العربية والإسلامية، وأنها أقحمت تعاليم الإسلام لتحقيق رزمة من المصالح المتنوعة تضمن لها أدواراً مهمة، عبر توظيف المجتمعات المحلية التي ترتبط معها بأواصر عقائدية وروحية.

وبإمكاننا القول إن صولات البرلمان السياسية وجولات الحكومة الإيرانية القادمة لن تكون سوى انعكاس لتطلعات الاستحواذ والهيمنة التي تحرك الطبقة الحاكمة، والتي ترى أن السياسة لا تخلو من أهداف مذهبية، يتم استخدامها متى سنحت الفرصة، ولهذا لابد من إيجاد قاعدة واسعة من الأنصار والمدافعين عن نهج (الثورة الإسلامية) تنطلق في قراءة المشهد الدولي من منطلق استهداف إيران وحبك المؤامرات ضدها، والعمل على تقوية المشاعر المعادية للإسلام، مما يتطلب التصدي للدور الذي تخوضه بعض الحكومات في الدول العربية والإسلامية كتابع منفذ لسياسات النظم الغربية، وأول الغيث قطر والبقية ستأتي.

ونظراً لخصوصية البرلمان الإيراني، يمكن القول إن دوره لن يكون مؤثراً، فالسياسات تصنع بعيداً عن أروقته، وهو غير قادر على تشريع القوانين دون موافقة مرجعيات أخرى، منها مجلس صيانة الدستور، ومرشد الجمهورية مع خبرائه، الذين يشرفون على قضايا الدولة المهمة بما فيها البرنامج النووي والسياسات الإقليمية والمحلية، فضلاً عن لجان قوية أخرى، تتكون من شبكة من رجال الدين والمجتهدين، لتوكيد علاقة الدين بالسياسة.

ما بين إيران المحافظة وإيران الإصلاحية لا يوجد كثير من الفروق التي تستحق الذكر، فإرادة التيارين توافقتا على دولة بأحلام إمبراطورية، وبرلمانها لن يكون إلا مسانداً لهذه الدولة في لعبة المصالح والقوة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات