برغم تحديات كورونا.. قرع طبول الحرب يطغى على صوت دعوات الحوار في ليبيا

  • 9 مايو 2020

على الرغم من الدعوات المتكررة التي تصدر عن الأطراف الدولية والإقليمية والداخلية لوقف آلة الحرب والدمار في ليبيا وحل النزاع الدائر في هذا البلد من خلال الجلوس إلى طاولة المفاوضات، إلا أن مسار الأحداث على الأرض ينبئ بوضوح أن الطرفين المعنيين، وهما قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، والميليشيات التابعة لحكومة الوفاق بقيادة فايز السراج يتجهان نحو معركة طاحنة يسعى كل منهما من خلالها إلى فرض شروطه وإحكام قبضته على البلاد.

فالدعوة الجديدة للحوار السياسي التي أطلقها السراج قبل عدة أيام وتحدث فيها عن ضرورة توافق جميع الأطراف على خارطة طريق، سواء بتعديل الاتفاق السياسي وتشكيل مجلس رئاسي أو بالتوافق على مسار دستوري، اصطدمت بالحواجز والاستحكامات التي يقوم الطرفان بإقامتها استعداداً للمعركة، وخفتت بعد أن طغت عليها أصوات القصف المتبادل ومعارك الكر والفر التي يحاول من خلالها كل طرف استنزاف الطرف الآخر واختبار استعداداته وقدراته.

قرع طبول الحرب هو اللغة السائدة حالياً بين الأطراف الليبية على الرغم مما تعانيه البلاد من أزمات وما تواجهه من تحديات تتطلب التركيز عليها والتفرغ الكامل للتعامل معها، وفي مقدمتها جائحة فيروس كورونا المستجد التي تتطلب جهداً وطنياً موحدا للتصدي لها، سواء من خلال اتخاذ الإجراءات الاحترازية لمنع انتشار العدوى، أو من خلال متابعة وتقصي حالات الإصابة وتنظيم عمليات العزل والحجر الصحي وتوفير المستلزمات التي تحتاجها عملية مكافحة الجائحة، خصوصاً وأن ليبيا سجلت حتى الآن 64 إصابة مؤكدة بالفيروس، فيما يتوقع خبراء أن يكون عدد الإصابات غير المكتشفة نتيجة الظروف السائدة في البلاد أكبر من هذا الرقم.

القوات التابعة لحكومة الوفاق صاحبة الدعوة واصلت تحركاتها المكثفة على الأرض في إطار ما تسميه عملية «بركان الغضب» حيث وجهت خلال الأيام القليلة الماضية عدة ضربات جوية إلى قاعدة الوطية الواقعة غرب العاصمة طرابلس التي تتمركز فيها وحدات معتبرة من قوات الجيش باستخدام الطائرات المسيّرة التي تدعمها بها تركيا وقامت بتحشيد مقاتليها ودعمهم بالأسلحة والمسلحين لتنفيذ خطوات عسكرية جديدة ضد مواقع الجيش، وفي المقابل رفعت قوات الجيش الوطني درجة التأهب القصوى في مدن الجنوب برغم إعلانها هدنة إنسانية في شهر رمضان، وقامت باستدعاء قوات إضافية وتعزيزات عسكرية كبيرة إلى محاور القتال وأكدت على لسان عدد من قادتها عزمها على مواصلة المعركة حتى تحرير البلاد من قبضة الميليشيات، وأعلنت أنها ستطلق عملية عسكرية كبرى، لبسط السيطرة على كامل مدن غرب البلاد.

هذا التصعيد العسكري الذي يغلق أبواب الهدنة بين الجانبين بشكل نهائي ويقضي على كافة مساعي التسوية السياسية، ستكون له بلا شك عواقب وانعكاسات وخيمة على واقع ليبيا ومستقبلها وفي العديد من الجوانب، لأنه يكرس من ناحية حالة الانقسام والاصطفاف التي سببتها الحرب الدائرة هناك منذ سقوط نظام الزعيم السابق معمر القذافي في عام 2011، والتي ما زالت تتعزز وتتعمق، حيث أدت إلى تقسيم البلاد إلى شرق وغرب، وألحقت دماراً كبيراً ببناها التحتية وأهدرت جزءاً كبيراً من مواردها وثرواتها وعطلت على مدار السنوات التسع الماضية مسيرتها التنموية، فضلاً عما أحدثته من شروخ في بنيتها الاجتماعية وما ألحقته من أضرار بالغة بوحدتها السياسية.

ويبدو أن التدخل الخارجي في الشأن الليبي هو الذي يلعب الدور الأساسي في تأجيج النزاع الداخلي ودفع الأمور نحو المواجهة، وذلك في إطار صراعات النفوذ وتضارب المصالح، ومساعي وطموحات توسيع النفوذ في منطقة شرق المتوسط والرغبة في إيجاد موطئ قدم في هذا البلد الغني بالنفط والثروات المعدنية والطبيعية الواعدة، وليس من باب الحرص على مصلحة الليبيين أو الرغبة في مساعدتهم، وهو ما جعل ليبيا ساحة لصراعات القوى الدولية وميداناً لاختبارات نفوذها، وزاد من التعقيدات والعقبات التي تصطدم بها كل المساعي التي بذلت وتبذل من أجل جمع كافة الأطراف الليبية في إطار عملية سياسية جديّة تعيد ترتيب الأوضاع في البلاد وتمكّن كافة أبنائها من المشاركة في صياغة مستقبلها، وتتيح توزيع الثروة بشكل عادل واستثمارها بما ينعكس بشكل إيجابي على حاضر أجيالها الحالية والقادمة.

Share