براون-بوش ومستقبل العلاقات البريطانية-الأمريكية

د. جون بروني: براون-بوش ومستقبل العلاقات البريطانية-الأمريكية

  • 17 سبتمبر 2007

إذا نحينا جانباً الابتسامات والمصافحات التي تمت بين الرئيس الأمريكي "جورج بوش" ورئيس الوزراء البريطاني الجديد "جوردن براون" خلال اللقاء المشترك الذي جمعهما يوم 29 يوليو/تموز الماضي (2007)، فستظهر لنا بوضوح علامات التوتر وعدم الود بين الشريكين المخلصين عبر الأطلنطي. ومصدر هذا التوتر، كما يبدو واضحاً لمعظم المراقبين، هو التزاماتهم المشتركة المستمرة في العراق.

قد يكون من الخطأ افتراض أن التوتر في العلاقات الأنجلو-أمريكية لم يكن موجوداً في عهد رئيس الوزراء البريطاني السابق "توني بلير"؛ فجوانب الخلاف والتوتر كانت موجودة ولكن أٌجيد إخفاؤها؛ إذ كان "بلير" أستاذاً في الدبلوماسية والتلاعب بوسائل الإعلام، بحيث أن المجتمع الدولي رأى فقط ما أراده "بلير" أن يراه، وهو أن بريطانيا تقف بثبات إلى جانب حليفها الأمريكي في حربه المريرة وغير المقبولة شعبياً. ولكن تحت هذه الصورة العامة كانت تكمن بذور السخط والريبة.

لقد عبر كثير من صانعي السياسات والقادة العسكريين والساسة المخضرمين في بريطانيا عن استيائهم من استمرار الدور الذي تلعبه بريطانيا في جنوب العراق، وأبدوا امتعاضهم بشكل خاص من السمعة التي لحقت ببلدهم بوصفها حجر الأساس في "التحالف المتهالك" الذي تقوده واشنطن، لكن ذلك لم يغير شيئاً؛ ففي النموذج السياسي البريطاني ثمة حدود للسماح بإدخال المخاوف الخاصة إلى الساحة العامة. فالحكومة البريطانية، وانطلاقاً من إدراكها للأهمية البالغة للدعم الاستخباراتي العسكري والتكنولوجي الذي تقدمه الولايات المتحدة لبريطانيا، قبلت -بصمت وعلى مضض- لعب دور ما في جنوب العراق.

وبالطبع فإن هذا القبول الصامت لم يعجب الشعب البريطاني؛ حيث عبر كثير من البريطانيين عن سخطهم من بلير وحزب العمال الحاكم، لقبولهما موعظة الرئيس الأمريكي وإدعاءاته حول أهمية الاستمرار في العراق باعتباره أمراً مهماً للأمن الدولي. لكن، وكما نرى في العديد من الدول الديمقراطية، لاسيما تلك المتورطة في حرب العراق والحرب العالمية ضد الإرهاب (كالولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا)، فإن ما يعتقده العامة قلما يجد طريقه إلى أذهان وسياسات هؤلاء الذين انتخبوهم  للقيادة السياسية.

وبشكل عام أبلت القوات البريطانية بلاء حسناً في العراق ونجحت في تبرئة نفسها بشكل جيد؛ فرغم أنها خفضت عدد جنودها في مرحلة ما بعد "صدام حسين" من 10.000 جندي عام 2003 إلى نحو 5.500 جندي في الوقت الحالي، فإن هذه القوات اُعتبرت واحدة من أفضل القوات التي تم تجنيدها من جانب التحالف، وأكثرها حرفية ومهنية، فالأخطاء البسيطة التي ارتكبها بعض رجال القوات البريطانية ضد العراقيين تبدو تافهة إذا ما قيست بحجم التجاوزات الأمريكية في أبو غريب ومجزرة حديثة. كما اُعتبرت منطقة الاحتلال البريطاني في جنوب العراق ومركزها في مدينة البصرة من أكثر المناطق استقراراً في العراق حتى 2006، عندما اندفع العنف الشيعي-الشيعي، وأصبح هناك خطر حقيقي على القوات البريطانية في العراق وخوف من أن تفقد السيطرة على الأوضاع في الجنوب.

ومن أجل التعويض عن نقص عدد القوات العسكرية في منطقة تُعتبر مهد ثروة العراق النفطية، فقد اختلفت سياسة الاحتلال البريطاني كثيراً عن تلك التي تبنتها القوات الأمريكية في شمال بغداد؛ حيث أسرع البريطانيون إلى عقد تحالفات محلية مع الميليشيات الشيعية المختلفة، ولكنها في قيامها بذلك الأمر غامرت بتمكينهم من الاستيلاء على مناطق من البصرة والمنطقة المتاخمة لها والاحتفاظ بها. وهذا ما حدث بالفعل، وكانت له آثاره السلبية، فالميليشيات التي تم تمكينها بهذا الشكل غالباً ما تتراجع رغبتها في التخلي عن سلطاتها طواعية للحكومة المركزية، واحتمال أن تقوم هذه المليشيات بذلك قد يقترب من الصفر. ولسوء حظ البريطانيين، فإن حلفاءهم المحليين كانوا أبعد ما يكونون عن المصداقية، فكل مجموعة منهم كانت تسعى إلى خدمة طائفتها وأجندتها السياسية الخاصة بها، فيما كان بعضها الآخر يعمل على خدمة مصالح إيران المجاورة. وبمرور الوقت أصبحت هذه الميليشيات ترى في الوجود البريطاني عقبة تقف أمام طموحاتها أكثر من كونه قوة استقرار مرحباً بها، في الوقت الذي بدأت فيه كثير من الميليشيات الشيعية تنظر إلى بعضها البعض كأعداء، بل ودخلت مع بعضها في معارك مفتوحة للسيطرة على جنوب العراق.

ولعله لم يكن سراً أن بعض العاملين بالبنتاجون كانوا يقظين لهذه الطريقة البريطانية في الاحتلال، والتي كانت تبدو غير مناسبة لوجود بريطاني طويل الأجل. ولكن مع وجود العديد من المشاكل التي واجهت القوات الأمريكية في بغداد ومحافظة الأنبار وأماكن أخرى، فإن البنتاجون لم يكن مستعداً أن يلقي بقواته وجهوده في مكان آخر. وبدا واضحاً أن كل من واشنطن ولندن قد عقدتا آمالهما على الاستثمارات الضخمة التي تم توجيهها لتدريب الجيش العراقي الجديد، وكانت لندن هي أكثر من يرغب في نجاح هذه السياسة، خاصة أن العنف الذي كان موجهاً ضد الوجود البريطاني في الجنوب بدأ يتصاعد في ظل الغياب الكامل لاحتمال حدوث أية زيادة عسكرية بريطانية جديدة. ولكن الآن، ومع غياب "بلير" عن المشهد السياسي البريطاني، فإن رئيس الوزراء الجديد "جوردن براون" يمكنه المضي قدماً في هذا الاتجاه مع القليل من التذلل وكثير من التحرر والاهتمام بالمصالح الذاتية خلال وضع السياسة الخارجية لبلاده مقابل الولايات المتحدة الأمريكية.

لقد ذهب وهم تفوق النموذج البريطاني في مجال مكافحة التمرد عندما انسحبت القوات البريطانية من قصر البصرة إلى مطار البصرة في الثالث من سبتمبر/أيلول 2007. وسارعت لندن، تحت حصار مختلف الميليشيات الشيعية المتناحرة، إلى حث الحكومة العراقية على نشر قواتها في البصرة، على أن تبقى القوات البريطانية، التي يبلغ عددها نحو 5.500 جندي في مطار البصرة لتقديم الدعم الذي تحتاجه القوات العراقية المحلية حتى تصدر لندن أوامرها بإعادة جميع القوات البريطانية إلى الوطن.

ومن جانبها استقبلت واشنطن هذه الخطوة البريطانية بوصفها هزيمة. ولأنها كانت عاجزة بسبب سياساتها الفاشلة في العراق، فقد كانت إدارة بوش سعيدة  بأن تترك اللوم والنقد الموجه لبريطانيا، وخاصة من البنتاجون، يتسرب إلى وسائل الإعلام؛ حيث رأى مستشار وزارة الدفاع الأمريكية الجنرال المتقاعد "جاك كين" أن الأداء البريطاني في جنوب العراق لم يكن كافياً، وأن إخفاق لندن الكبير تمثل في عدم إرسال قوات إضافية لزيادة الاستقرار في المنطقة. ولكن ما أخفق "كين" في أن يوضحه هو أن أولويات الانتشار العسكري البريطاني الآن تتركز في أفغانستان وليس العراق، كما أنه لم يوضح من أين يمكن لدولة ذات جيش صغير للغاية، إذا ما قورن بجيش الولايات المتحدة، أن تحشد قوات إضافية لتحقيق الاستقرار في العراق؟

وغني عن الذكر، أن هذه الصفعة من جانب واشنطن والانتقادات التي وجهتها للندن لم تكن لتلقى الترحيب من جانب الحكومة البريطانية، التي تلقت نقداً شعبياً لاذعاً لدعمها الثابت لمغامرة إدارة "بوش" في العراق. فهذا الاستخفاف الأمريكي يعد بلا شك صفعة جحود كبير من جانب واشنطن، لم تكن المملكة المتحدة لتسكت عليها؛ حيث سارعت برد الموقف من خلال جنرالها المتقاعد "مايك جاكسون"، الذي وجه بدوره انتقادات قوية ضد تصرفات الولايات المتحدة المتخبطة بشكل مدمر في حرب العراق، مع تركيز الانتباه بشكل خاص على وزير الدفاع الأمريكي السابق "دونالد رامسفيلد".

وقد برزت بعض التوقعات بعد إعادة الانتشار البريطاني في مطار البصرة بأن يُعلن رئيس الوزراء البريطاني الجديد "جوردن براون" عن استقطاعات جديدة من التعهدات البريطانية بشأن العراق. وعندما يحدث هذا، فإنه قد يضع كثيراً من الثقل على العلاقة الأمريكية-البريطانية؛ فعند حدوث أية انتكاسات إضافية في الوضع الأمني في جنوب العراق سيتم وضع اللوم فيه على لندن. وهذا هو بالضبط الثمن الذي يتعين على المملكة المتحدة أن تدفعه لكي ينظر إليها على أنها كلب أمريكا المدلل في العراق.

ومن المرجح أن تزيد حدة التوترات الأنجلو-أمريكية عندما يلتقي الجنرال "بترويس" برئيس الوزراء "براون" في الأيام القليلة القادمة، فمن المعتقد أن يناقش الجنرال الأمريكي مسألة الوجود البريطاني المتبقي في العراق وتوظيفه لحراسة الحدود العراقية-الإيرانية، وإغلاق طرق التهريب التي تستخدم في إمداد الميليشيات الشيعية بالأسلحة الإيرانية. ومن وجهة النظر البريطانية فإن هذه المخاطر يمكن أن تضع القوات البريطانية في وضع يقود إلى اندلاع الحرب مع إيران، وهو أمر غير مرغوب فيه على الإطلاق.

لو كان غزو واحتلال العراق عملاً ناجحاً، لأمكن لكل من واشنطن ولندن أن تدعيا بحق أنهما صاحبة الفضل. لكن، وحيث إن الشهادة الأخيرة للجنرال "بترويس" أمام الكونجرس الأمريكي لم تعط أي مؤشر على الانتصار العسكري الوشيك أو النجاح السياسي أو الازدهار الاقتصادي في العراق، فإن كلاً من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ستقعان في أزمة ممتدة وطويلة الأجل من الاتهامات المتبادلة حول الدور الذي لعبه كل طرف فيما يتشكل الآن من هزيمة ذات أبعاد كارثية في العراق.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات