باكستان: التركيبة السياسية بعد الانتخابات

د. عادل رشيد: باكستان: التركيبة السياسية بعد الانتخابات

  • 21 فبراير 2008

تجسدت أولى مفاجآت الانتخابات البرلمانية، التي جرت في باكستان يوم الثامن عشر من فبراير/شباط 2008، في القبول الواسع الذي حظيت به نتائج هذه الانتخابات، التي وصفت بأنها "حرة ونزيهة"؛ فالمخاوف، التي عبرت عنها أحزاب المعارضة الباكستانية وكثير من المراقبين السياسيين، من إمكانية تعرض نتائج هذه الانتخابات للتزوير لمصلحة حزب الرابطة الإسلامية -جناح قائد أعظم- الموالي للرئيس الباكستاني برويز مشرف، لم تتحقق. وفي الواقع، فإن ما يسمى بـ"حزب الملوك" تلقى هزيمة قوية في هذه الانتخابات، في الوقت الذي حقق فيه حزب الشعب الباكستاني التابع للزعيمة الوطنية "بي نظير بوتو" التي تم اغتيالها مؤخراً، وحزب الرابطة الإسلامية الباكستانية التابع لرئيس الوزراء السابق نواز شريف، نجاحاً لافتاً وضعهما في مرتبة أكبر حزبين، على التوالي، في المجلس الوطني الجديد (البرلمان).

وتمثلت المفاجأة الثانية التي تضمنتها نتائج هذه الانتخابات في فشل حزب الشعب الباكستاني في استغلال موجة التعاطف الجماهيري الكبير معه بعد اغتيال زعيمته السابقة بي نظير بوتو، بالرغم من الهزيمة التي مُني بها حزب مشرف في هذه المعركة الانتخابية العادلة نسبياً؛ فقد فشل حزب الشعب الباكستاني في الفوز بالأغلبية البسيطة التي تمكنه من تشكيل الحكومة بشكل منفرد، وبات يتعين عليه الدخول في تحالف سياسي مع أعدائه السابقين لتفادي اللجوء إلى انتخابات مبكرة، لن تكون مريحة للحزب استناداً لأدائه الحالي. ومن المحتمل أن يكون التعاطف الجماهيري مع حزب الشعب قد تراجع خلال الفترة التي تأجلت فيها الانتخابات، كما أن الحزب عانى كثيراً بسبب غياب الوريث المناسب بعد وفاة بي نظير بوتو. وكنتيجة لذلك وجد المختصون والوسطاء السياسيون أنفسهم مجبرين على الخوض في متاهة من اختصارات الحروف الأبجدية الخاصة بأسماء الأحزاب، والدخول في حسابات معقدة للأرقام الخاصة بنتائج هذه الانتخابات، وذلك بهدف الوصول إلى التشكيلة الملائمة والأكثر فاعلية للحكومة الائتلافية الجديدة.

ومع تحول "حزب الرابطة الإسلامية-جناح قائد أعظم" الموالي للرئيس برويز مشرف، إلى حزب سياسي منبوذ، تركزت جميع الأنظار على الحزبين المتنافسين الأكبر، وهما حزب الشعب الباكستاني، و"حزب الرابطة الإسلامية-نواز شريف"، على أمل أن يتمكن الحزبان من تجاوز خلافاتهما التاريخية وينجحا في تشكيل حكومة ائتلافية؛ حيث يستحوذ الحزبان معا على نحو 60% من مقاعد المجلس الوطني الجديد (البرلمان). غير أن العداء المتأصل بين كوادر الحزبين، والخلافات الرئيسية بينهما حول العديد من المواضيع الوطنية المهمة، أثارت كثيراً من التساؤلات حول جدوى مثل هذا التحالف. وجاء رفض الرئيس مشرف التنحي عن منصبه الحالي، رغم الهزيمة المدوية التي مُني بها حلفاؤه السياسيون في الانتخابات البرلمانية، ليضيف مزيداً من التعقيد للوضع السياسي القائم.

لقد صرح "حزب الرابطة الإسلامية-نواز" بأنه لا يستطيع أن يعول على أي دور للرئيس الباكستاني في تشكيل الحكومة وبناء التحالف الجديد، ودعا إلى إزاحته من منصبه. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الرئيس مشرف كان قد أطاح بحكم نواز شريف، الزعيم الحالي لحزب الرابطة الإسلامية من خلال انقلاب عسكري في عام 1999، أصبح بعده مشرف على رأس الدولة، وبالتالي فإن نواز شريف لا يحتمل ولا يرغب في أن يكون جزءاً من إدارة يرأسها مشرف، حتى لو كانت رئاسته لها اسمية فقط. من جهة أخرى يبدو حزب الشعب الباكستاني غير مستعد لمشاركة حزب الرابطة الإسلامية التابع لنواز شريف في هذه الحملة ضد مشرف بهذا الشكل المبكر. واستناداً لذلك، يجد الحزبان الكبيران (حزب الشعب والرابطة الإسلامية-نواز شريف) نفسيهما مختلفين حول هذا الموضوع، وإذا لم يتمكنا من التوصل إلى حلول مرضية وفاعلة له، فإنهما قد لا يتمكنان من تشكيل الحكومة، وقد تشهد البلاد جولة جديدة من الانتخابات المبكرة.

كما يصر نواز شريف كذلك على موقفه الداعي إلى إعادة التعيين الفوري لرئيس المحكمة العليا افتخار تشودري ونحو 59 قاضياً آخر، كان الرئيس مشرف قد قام بعزلهم من جهاز القضاء لإنهاء التعقيدات القانونية التي وقفت أمام عملية إعادة انتخابه رئيساً للبلاد، غير أن آصف علي زارداري، الزعيم الجديد لحزب الشعب الباكستاني، يرفض حتى الآن التعليق على طلب نواز شريف بإعادة تعيين القضاة.

أما على المستوى الدولي، فقد رحبت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بنتائج الانتخابات الباكستانية، ولكن العديد من الخبراء الأمريكيين ألمحوا إلى احتمال حدوث بعض المشكلات التي يمكن أن تفرزها نتائج هذه الانتخابات فيما يتعلق بالحرب التي تخوضها الولايات المتحدة ضد الإرهاب. وبينما باركت واشنطن الانتصار الذي حققه حزب الشعب الباكستاني في هذه الانتخابات، استقبل صانعو القرار السياسي الأمريكي الفوز الذي حققه "حزب الرابطة الإسلامية-نواز"، والذي وضعه في مرتبة ثاني أكبر حزب في باكستان، بحماس وترحيب أقل، وذلك بسبب اعتقادهم أن هذا الأخير تربطه علاقات وروابط قوية مع بعض الجماعات الدينية المتشددة داخل البلاد.

ورغم الترحيب الذي أبدته إدارة بوش بنتائج هذه الانتخابات وإشادتها بها باعتبارها "خطوة في طريق استعادة كامل الديمقراطية" في البلاد، إلا أنها مازالت تطلب من الحكومة الجديدة أن تقبل الاعتراف بمشرف كرئيس للبلاد؛ حيث تنظر إليه الإدارة الأمريكية كحليف لا يمكن الاستغناء عنه في حربها ضد الإرهاب. كما تبدي واشنطن قلقها من انشغال القوى السياسية المدنية بالصفقات الجانبية، والتي يمكن أن تعوق عملية التركيز الكامل في الحملة التي تقودها ضد الإرهاب.

علاوة على ذلك، كشف استطلاع للرأي أجراه المعهد الجمهوري الدولي ومقره في الولايات المتحدة الأمريكيه أن نحو 89% من الباكستانيين يعارضون دعم حكومة باكستان غير المحدود للحرب التي تشنها الولايات المتحده ضد الإرهاب. كما أعرب أغلبية الباكستانيين، طبقاً لنتائج هذا الاستطلاع، عن اعتقادهم بأن بلادهم لن تستفيد شيئاً من "خوض حرب لمصلحة بلد أجنبي". وقد دفعت نتائج هذا الاستطلاع بكثير من الخبراء الأمريكيين إلى توقع أن تكون الحكومة الباكستانية، التي تم انتخابها حديثاً، أقل اهتماماً بدعم الولايات المتحدة في حربها ضدالإرهاب من حكومة مشرف الحالية؛ لأنه سيتعين على الحكومة الجديدة مراعاة موقف الرأي العام الباكستاني.

ويرى العديد من الخبراء الأمريكيين أن هذه النتائج التي أفرزتها الانتخابات الباكستانية الأخيرة يمكن أن تمثل عائقاً أمام السياسة الأمريكية في باكستان، وهم يعتقدون، أيضاً، أنها تمثل نتيجة غير سارة للدعم غير المحدود الذي تقدمه واشنطن لنظام الرئيس مشرف العسكري، ويدعون إلى إجراء إصلاح وتغيير شامل للنهج السياسي الذي تتبعه الولايات المتحدة في باكستان. ويطالب هؤلاء الخبراء، يدعمهم في ذلك بعض سياسي الحزب الديمقراطي من أمثال السيناتور جوزيف بيدن، بوضع استراتيجية ترتكز بشكل أقل على شخصية رئيس الدولة، وتبني توجهاً أكثر شمولية يركز على نسج علاقات مباشرة مع الشعب الباكستاني. وإضافة إلى الدعم العسكري، يطالب هؤلاء بالتركيز على بناء مزيد من المؤسسات الليبرالية والديمقراطية في باكستان، ومساعدة هذا البلد على تنمية وتطوير اقتصاده الوطني.

إن الخبر الجيد الوحيد الذي أفرزته هذه الانتخابات بالنسبة للولايات المتحدة يتمثل في الهزيمة المنكرة التي مُنيت بها الأحزاب الدينية الراديكالية على يد الناخبين الباكستانيين، لاسيما الإقليم الشمالي الغربي الذي يتسم بالتوتر والاضطراب، وهو ما يعد مؤشراً واضحاً على نمو حالة من الامتعاض والرفض لدى غالبية الباكستانيين من الطرق العنيفة والتعسفية التي ينتهجها الإسلاميون المتشددون في هذا الإقليم.

وإذا ما بدا أن رئاسة مشرف ستكون العقبة الوحيدة في طريق تشكيل حكومة وطنية، أو التحالف بين حزبي الشعب والرابطة الإسلامية، فمن غير المستبعد أن يمارس المجتمع الدولي مزيداً من الضغوط على الرئيس الباكستاني للتنحي من منصبه بهدف إفساح المجال أمام التسوية السياسية وتجنب حدوث حالة من الفوضى في البلاد. ومع توجه القائد الأعلى الجديد للجيش الباكستاني، الجنرال أشفق كياني، نحو إخراج الجيش من الحياة السياسية الباكستانية؛ وهو الذي سبق له أن أصدر بالفعل أوامره إلى الضباط الكبار في الجيش بالتنازل عن مناصبهم المدنية؛ فمن المتوقع أن تضعف العلاقة بين الرئيس مشرف والجيش الباكستاني وقد تتلاشى. وفي هذه الحالة، يمكن للأحزاب السياسية في البرلمان الباكستاني، من خلال التهديد بتوجيه اتهام إلى الرئيس، أو بإلغاء الحصانة التي منحها لنفسه بعد خرقه للدستور، إجبار الرئيس مشرف على مغادرة مكتبه الرئاسي على الفور، أما إذا أصر على البقاء في منصبه كرئيس للدولة، فقد تشهد الساحة الباكستانية مرحلة سياسية متعسرة وصعبة جداً في المستقبل القريب.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات