انهيار الليرة و«قيصر» و«السويداء» أزمات جديدة تواجه سوريا

  • 11 يونيو 2020

تشير التطورات الميدانية المتسارعة التي شهدتها سوريا مؤخراً إلى أن الأوضاع هناك مرشحة للمزيد من التفاقم، وأن رقعة الاحتجاجات التي قد تتحول إلى صدامات عنيفة آخذة في الاتساع نتيجة تردي الأوضاع المعيشية لشرائح كبيرة من الشعب السوري كانت فيما قبل أقرب إلى الحياد تجاه الصراع الدائر هناك منذ عام 2011 بين النظام وفصائل المعارضة الساعية إلى إسقاطه.

الغلاء الفاحش للأسعار والتراجع الكبير في القوة الشرائية للغالبية العظمى من أبناء الشعب السوري التي تعيش عادة إما تحت أو بموازاة خط الفقر، والذي تسبب به الهبوط الحاد في سعر صرف الليرة أمام الدولار الأمريكي، حيث سجّلت مستويات قياسية غير مسبوقة تجاوزت الـ 3000 ليرة مقابل الدولار الواحد دفع الناس إلى الخروج مجدداً إلى الشارع للمطالبة بوضع حد للحرب الدائرة في هذا البلد منذ عام 2011 وبوقف استنزاف موارد البلاد وثرواتها وتدمير بنيتها التحتية في حرب عبثية، سوريا وشعبها هما الخاسران الأكبران فيها.

الهبوط في سعر صرف الليرة التي كانت قد سجّلت في وقت سابق 2000 ليرة مقابل الدولار، جاء نتيجة لاقتراب دخول قانون قيصر الأمريكي حيز التنفيذ في منتصف يونيو الجاري، الأمر الذي يعني المباشرة في تجميد مساعدات إعادة إعمار البلاد وفرض عقوبات على النظام السوري ورموزه والشركات المتعاونة معه ما لم يبادر إلى محاكمة مرتكبي الانتهاكات التي شهدتها سوريا على مدار السنوات التسع الماضية والتي يرقى بعضها إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في كثير من الحالات.

فقد شهد هذا الموضوع تصعيداً جديداً في الولايات المتحدة الأمريكية تمثل في مطالبة أعضاء في مجلس النواب من الكتلتين الديمقراطية والجمهورية إدارة الرئيس دونالد ترامب بتطبيق العقوبات التي نص عليها قانون «قيصر» بشكل صارم ودون تهاون للحد مما سموه «معاناة «الشعب السوري الممتدة والمستمرة من ممارسات وجرائم نظام الأسد وجيشه والميليشيات الداعمة له، وإيصال رسالة إلى النظام نفسه بأنه لا يزال منبوذاً وفاقداً للشرعية».

حالة الريبة والخوف من المجهول بسبب عقوبات «قيصر» دفعت المستثمرين ورجال الأعمال السوريين إلى المسارعة باللجوء إلى الدولار كملاذ آمن لضمان رؤوس أموالهم وحمايتها وتجنب المحنة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، إلى جانب قيام آخرين بوقف تعاملاتهم والاحتفاظ ببضاعتهم كأصول آمنة ريثما تتضح الصورة، الأمر الذي أوجد نوعاً من الاحتكار والنقص في العديد من أنواع السلع، وخاصة الأساسية منها.

محافظة السويداء التي كانت حتى عهد قريب من المحافظات الهادئة، خرجت عن صمتها وحيادها، نتيجة الأوضاع السائدة وانتظمت فيها على مدار عدة أيام مظاهرات ومسيرات حاشدة تجاوزت الشعارات المعتادة في مسيرات سابقة وخرقت السقوف التي كانت تلتزم بها سابقاتها، حيث رددت شعارات تطالب بإسقاط النظام وتعبر عن تضامن المحافظة وأهلها مع بلدات وقرى محافظة درعا التي تشهد طوقاً أمنياً من قبل قوات النظام والميليشيات المسلحة الموالية لها، وتدعو إلى إخراج إيران وروسيا ووقف تدخلاتهما التي أدت إلى مزيد من الدمار والخراب في سوريا.

ويبدو أن أزمة النظام السوري آخذة في التعمق نتيجة تراجع الدعم الإيراني والروسي له، خصوصاً في ظل انتشار فيروس كورونا المستجد، وهبوط أسعار النفط إلى مستويات قياسية غير مسبوقة بلغت أدناها في شهر مايو الماضي وأثرت بشكل كبير في ميزانيتي البلدين اللذين باتا بحاجة إلى تخصيص ميزانيات إضافية لمواجهة تداعيات الوباء وتوفير الإمكانات التي تساعد على الحد من تفشيه على أراضيهما، يضاف إلى ذلك ما يتردد من تكهنات وآراء بشأن نية القيادة الروسية ورغبتها في التخلي عن الرئيس السوري بشار الأسد ودعمها لمساعي البحث عن بديل له.

النظام السوري الذي يسعى باستمرار إلى مغازلة الغرب من خلال التركيز على أن حربه تستهدف مكافحة الإرهاب والتطرف اللذين يهددان الأمن والسلام في المنطقة والعالم، يحاول في ظل الأزمة التي يواجهها الهروب إلى الإمام وإشغال الرأي العام وتشتيت انتباهه عما يدور في مناطق جنوب البلاد من حراك وتململ قد يقود إلى فتح جبهة أخرى ضد نفوذه وسيطرته، من خلال تكثيف الغارات على مناطق ريف إدلب شمال غربي البلاد، على الرغم من أن هذه المناطق مشمولة باتفاق وقف إطلاق النار الذي وقع بين روسيا وتركيا بدايات مارس الماضي، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه لاحتمالات اتساع رقعة الصراع الذي أكل الأخضر واليابس وأعاد سوريا عشرات السنين إلى الوراء.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات