انقلاب ميانمار: العالم أصبح أكثر رفضًا للاستيلاء على الحكم بالقوة

  • 6 فبراير 2021

باتت فكرة الانقلاب العسكري والاستيلاء على الحكم بالقوة وإطاحة حكومات مدنية منتخبة غير مقبولة أو حتى مستساغة، وهو ما كشفت عنه ردود الأفعال الواسعة النطاق الرافضة لانقلاب ميانمار على الصعيد الدولي؛ الأمر الذي يمثل رادعًا لحدوث انقلابات مماثلة في الدول النامية التي تحاول الفكاك من أسر الديكتاتورية وتدشين تجارب انتقال ديمقراطي تدخل من خلالها نادي الدول الديمقراطية.

استقطب الانقلاب العسكري الذي وقع في ميانمار الأسبوع الماضي العديد من ردود الأفعال الرافضة له بشدة، والتي صدرت من قبل دول كبرى لها ثقلها في النظام الدولي وكذلك من قبل تكتلات دولية فاعلة في هذا النظام، حيث هدد الرئيس الأمريكي، جو بايدن، بإعادة فرض العقوبات على ميانمار، ووصف اعتقال الزعيمة أونغ سان سو تشي وقادة مدنيين آخرين بأنه «هجوم مباشر على الديمقراطية وسيادة القانون»، ودعا المجتمع الدولي إلى التعاون للضغط على قادة الانقلاب للتخلي عن السلطة فورًا. وفي بريطانيا أدان رئيس الوزراء، بوريس جونسون، الانقلاب و«السجن غير القانوني» لأونغ سان سو تشي، وكان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش من بين من أدانوا الانقلاب، وحثت اليابان والهند والاتحاد الأوروبي وغيرهم، السلطات في ميانمار على
احترام الديمقراطية.

وتؤكد ردود الأفعال الواسعة النطاق الرافضة للانقلاب أن العالم أصبح أكثر رفضًا لفكرة الاستيلاء على الحكم بالقوة، وفي الواقع، فإن رفض الانقلابات ليس بالموقف الجديد، ولكن هذا الرفض بات أكثر قوة، فمنذ حدوث ما يسمى بالموجة الثالثة للتحول الديمقراطي التي شملت العديد من دول العالم الثالث في قارتَي إفريقيا وآسيا وعدد من دول أمريكا اللاتينية، أصبحت هذه الفكرة محل رفض كبير على الصعيد العالمي، خصوصًا من القوى الديمقراطية الكبرى في العالم، ولكن موقف هذه القوى لم يكن ثابتًا كل الوقت وتجاه كل حالات الانقلاب، حيث إنها غضّت الطرف عن حالات بعينها، بل وشجعت على حدوث بعضها بشكل مباشر أو غير مباشر، بدافع من مصالحها الخاصة، ولكن السنوات الأخيرة حملت انتشارًا كبيرًا لقيم الديمقراطية ورفضًا أكبر للانقلابات؛ الأمر الذي جعل تأييد انقلاب ما أو غضّ الطرف عنه مسألة غير مقبولة، ومستهجنة أخلاقيًّا.

ومما لا شك فيه أن هذا الرفض الكبير لانقلاب ميانمار على الصعيد الدولي يمثل رادعًا لحدوث محاولات مشابهة في الدول النامية التي يوجد بها تجارب هشّة للانتقال الديمقراطي تعاني الكثير من التحديات؛ ما قد يغري بالانقلاب عليها، ما يعني إعطاء الفرصة الكاملة لهذه التجارب لكي تواجه هذه التحديات وتنضج وتترسخ، لكي تلحق بالدول ذات الديمقراطيات العريقة، على الرغم من العقبات الكبيرة التي تواجه تحقيق هذا الهدف الكبير.

إن الانتقال الديمقراطي عملية معقدة للغاية، حيث إنها تتطلب كشروط أساسية ثقافة سياسية داعمة ومساندة لعملية الانتقال وتعددية سياسية وفكرية ونظام حزبي قوي، وهذه كلها شروط غير متوافرة في دول كانت محكومة لسنوات طويلة بنظم ديكتاتورية لم يتوافر فيها المناخ السياسي اللازم لتحقيق هذه الشروط. ومن هنا، فإن التجارب الديمقراطية الوليدة تكون محاطة بتحديات كبيرة، تسهل الانقلاب عليها، ولذلك فإن الوقوف في وجه هذه الانقلابات هو ضرورة قصوى لإكمال هذا الانتقال، أما التهاون بشأنها فإنه يعني العودة مرة أخرى إلى النظم الاستبدادية التي أدت إلى انهيار دولها واستمرارها في بؤرة التبعية والتخلف، ولقد عانت كثير من الدول العربية في عقود سابقة آفة الانقلابات العسكرية التي أدت إلى تخلّف هذه الدول على الصُّعد كافة، وحالت دون استكمال عملية تطورها السياسي على نحو طبيعي.

وبطبيعة الحال، فإن هذا الموقف الدولي الرافض بشدة لانقلاب ميانمار، يُعدّ بمنزلة ضغط كبير على قادة الانقلاب للرجوع عن انقلابهم، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق، هو: هل سيصمد الانقلابيون في وجه الحصار الدولي الذي سيفرض عليهم ويستمرون في استيلائهم على السلطة بقوة السلاح، أم أنهم سيضطرون إلى تسليم السلطة للمدنيين ولو بعد حين؟

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات