انفصال جنوب السودان: مقدمة للاستقرار أم للصوملة؟

  • 31 مارس 2010

كان توقيع اتفاقية نيفاشا عام 2005، بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، نقطة تحول رئيسة في تاريخ الصراع في الجنوب السوداني؛ حيث توصل الطرفان الي ما أطلق عليه "السلام الشامل" بعد صراعٍ دام أكثر من 21 عاماً. لقد رسمت الاتفاقية، والتي تم التوصل إليها برعاية دول الإيغاد (منظمة دول القرن الإفريقي للتنمية) ومشاركة دول غربية عديدة على رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي، رؤية واضحة لمستقبل السودان، تتمثل في إقرار فترة انتقالية لمدة ست سنوات، يتم فيها إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، وتنظيم استفتاء في جنوب السودان تشرف عليه الحكومة المنتخبة لتحديد مصيره بين الوحدة والانفصال. ونصت الاتفاقية صراحةً على حق تقرير المصير لشعب الجنوب بنهاية الفترة الانتقالية عام 2011.
 
وقد تلا توقيع اتفاقية نيفاشا صدور الدستور الانتقالي، وتكوين الحكومة الاتحادية المشتركة أو حكومة الوحدة الوطنية بين حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، وتشكيل حكومة جنوب السودان وحكومات الولايات، وانسحاب القوات المسلحة السودانية من الجنوب، واقتسام عائدات نفط الجنوب، وإجراء التعداد السكاني، وصدور قانوني الانتخابات والاستفتاء. ولكن لم تمر الأمور هادئة؛ حيث انسحبت الحركة الشعبية من الحكومة الاتحادية، في أكتوبر 2007، احتجاجاً على تباطؤ المؤتمر الوطني في تنفيذ بنود الاتفاقية، وخاصة التمويل المادي، لإعادة هيكلة أجهزة الحكم وتشييد البنية الأساسية في الجنوب. كما تحفظت الحركة على نتائج التعداد العام، والتي يتحدد تبعاً لها نصيب الجنوب من السلطة والثروة وكذلك الدوائر الانتخابية.

ومن المتوقع أن يشهد مسرح الأحداث في السودان ثلاث محطات رئيسة تحدد مستقبل هذا البلد. ففي الحادي عشر من أبريل القادم، تُعقد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. وهناك ضغوط من أطراف داخلية وخارجية وتهديد من أحزاب المعارضة بعدم المشاركة في الانتخابات، والمطالبة بتأجيلها، وهو ما ترفضه حكومة الخرطوم. وتحاج الأخيرة بأن تأجيل الانتخابات قد يدفعها إلي تأجيل استحقاق الاستفتاء بشأن الجنوب؛ لأن الاستحقاقين مرتبطان حسب اتفاقية السلام. وقد أعلنت بالفعل الحركة الشعبية لتحرير السودان، في 31 مارس/آذار الجاري، الانسحاب من الانتخابات الرئاسية؛ بزعم وجود لائحة طويلة من المخالفات في إدارة العملية الانتخابية، ومقاطعة الانتخابات جميعها في دارفور؛ بدعوى استمرار الصراع في الإقليم. أما المحطة الثانية، فتستحق في يناير 2011، وتتمثل في إجراء الاستفتاء في الجنوب، والذي ستقرر نتائجه مصير هذا الإقليم، بين خياري الانفصال أو الوحدة مع الشمال. وتأتي المحطة الثالثة مع انتهاء الفترة الانتقالية التي حددتها اتفاقية نيفاشا. فإذا حاز خيار الانفصال على أغلبية أصوات الجنوبيين، يتم فيها الشروع في إقامة دولة مستقلة في جنوب السودان.

وعلى الرغم من أن هذه المحطات مهمة، إلا أن المحك الحقيقي لتشكيل أو إعادة هيكلة الواقع السوداني سوف يأتي مع نتائج الاستفتاء يناير 2011. ونشير، في هذا الخصوص، إلى بعض الاحتمالات في ظل عاملين رئيسيين، أولهما: ضعف الحكومة المركزية في الخرطوم وتعرضها لتهديدات أكبر تصل الي تهديد بقاء السودان كدولة واحدة، وثانيهما: قوة الدعم الأجنبي للجنوب سواء على مستوى الإقليمي أو على المستوى الدولي (وخاصة من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي وإسرائيل). وقد تنبت شجرة الاحتمالات ثمرة حنظلية يتجرعها الجميع؛ رضوخاً لواقع دولي مرير، يمثل فيه السودان الطرف الأضعف. فالاحتمال الأول يأمل في الإبقاء علي الوحدة، علي أن يدفع الشمال استحقاقات التقصير في حق الجنوب وعجز الدولة المركزية لخمس عقود متتالية في معالجة مشكلاته الأساسية. ويأتي الاحتمال الثاني مؤيداً للدعوة للانفصال.

وتؤكد كل المقدمات والمؤشرات أن وحدة السودان أصبحت أملاً بعيداً. كما يبرهن الوضع الراهن في البلاد على أن حكومة الخرطوم ستقبل بنتائج الاستفتاء بالانفصال؛ فليس لديها استعداد لاستئناف دوامة الحرب من جديد، خاصة مع استمرار جبهات أخرى مشتعلة أو كامنة، ولاسيما في دارفور وغيرها. أي أننا أمام السيناريو الأخطر، وهو الانفصال كمقدمة لتقسيم السودان؛ في ضوء تردي الأوضاع الداخلية، وضعف الحكومة المركزية، وموقف دول المحيط الإقليمي الداعم للجنوب، والدور الدولي الذي تواتيه الفرصة لتحقيق استراتيجية إقليمية في تفتيت بعض الدول وتقسيمها. ومن ثم يثور التساؤل: هل جنوب السودان مهيئاً لأن يكون دولة مستقلة ومستقرة؟

في الواقع، سوف تواجه الدولة الوليدة العديد من التحديات الداخلية والخارجية، قد لا تتغلب عليها بسهولة، ومن ثم المخاطرة بعودة الجنوب السوداني إلى المربع رقم واحد. ومن أهم التحديات الداخلية الانقسامات القبلية (بين الدينكا والنوير والشلك والمورلي وغيرها من القبائل الممتدة في الشمال وبعض دول الجوار)، ومدى رغبة القبائل في إدماج ميلشياتها المسلحة في جيش موحد لدولة الجنوب. فقد تشهد الدولة الوليدة اقتتالاً وصراعاً داخلياً على أسس قبلية. ويفاقم من هذا الوضع أنه ليس هناك جيش موحد بشكل عام في الجنوب. ومن ثم، سوف يكون التحدي الأمني هو أكثر التحديات خطورة أمام الدولة الوليدة. ويتعلق التحدي الثاني بقدرة حكومة الجنوب على إدارة مرافق الدولة الجديدة في الداخل والخارج، في ظل حالة الضعف الإداري، وتدني قدرتها على توفير الخدمات الأساسية، وتفشي الفساد فيها. ويتصل التحدي الثالث بالديون الخارجية وأعبائها على الدولة المركزية، ونصيب دولة الجنوب منها. فيما يتصل التحدي الخامس بالهوية والجنسية، خاصة وأن الجنوبيين منتشرين في أرجاء الدولة السودانية شمالاً وجنوباً ولاجئين في دول الجوار. وهناك تحديات أخرى تتعلق بصدور دستور جديد، وعملة نقدية وطنية.

وفيما يتعلق بالتحديات الخارجية، فثمة احتمال اشتعال حرب بين الشمال والجنوب؛ بسبب الاختلاف على ترسيم الحدود، أو عدم تسوية قضايا ما بعد الانفصال، وهي عديدة، نصّ عليها قانون استفتاء الجنوب، وهي الجنسية والعملة والخدمة العامة ووضع الوحدات المشتركة المدمجة والأمن الوطني والمخابرات والاتفاقيات والمعاهدات الدولية والأصول والديون وحقول النفط وإنتاجه وتصديره والمياه والملكية. ويرتبط ثاني هذه التحديات بدول الجوار الجغرافي المباشر للجنوب، والخريطة القبلية المتداخلة التي لا تعرف حدوداً سياسيه مع إثيوبيا وكينيا ورواندا وإفريقيا الوسطى والكونجو. وهذه الدول تريد أن تتخلص من صداع الجنوب المزمن، والذي من أهم أعراضه اللاجئين والمليشيات المسلحة. كما أنها، في نفس الوقت، تتحسب للتجربة الجنوبية؛ فنجاحها قد يكون نموذجاً محفزاً لبعض قبائل هذه الدول لرفع مطالبات مماثلة في الثروة والسلطة. ثم هناك التدخل الأجنبي المتوقع أن يتوسع ويزداد عما هو قائم، بل يتداخل مع التحدي الأول، من خلال دور القبائل المنتشرة في دول الجوار بهدف إدارة الصراعات بالوكالة. وثمة شكوك مبررة لقدرة الجنوب علي التغلب علي هذه التحديات.

ولكن ماذا بعد الانفصال؟
واقع الأمر أن السمة العامة السائدة في السودان هي عدم الاستقرار، وهو وضع قائم منذ ما قبل الاستقلال. فالسودان دولة كبيرة شاسعة المساحة مترامية الأرجاء، تفتقد فيها الدولة المركزية للسيطرة خارج العاصمة. وقد تؤشر مرحلة ما بعد الانفصال إلى بداية مرحلة جديدة من الأزمات والصراعات، تحمل طابعاً عرقياً وقبلياً، على امتلاك الأراضي، والسيطرة علي المراعي ومناطق الزراعات الموسمية، غير قطعان الماشية التي تتعدى الملايين وهي رأس مال اجتماعي واقتصادي أساسي للقبائل. ومن المتوقع أن تصل هذه الصراعات إلى حد تقسيم الدولة السودانية إلى دويلات عدة.

وحتى نكون أكثر تحديداً، ففي حالة فشل الجنوب في إقامة دولة مستقرة، فهذا يعني اندلاع بؤر صراع جديدة ممتدة. ومن ثم، فالصراع المحتمل على السلطة في الجنوب سوف ينعكس على الشمال، خاصة وأن استمرار هذه الأوضاع من التوتر يدفع بعض دول الجوار الي الاعتداء على دوله الجنوب الوليدة دفاعاً عن مصالحها. وفي حالة نجاح الجنوب في إقامة دولة مستقرة، وظهور بوادر رخاء وتنمية، فإن بذور التوتر القبلية الداعية والراغبة في الانفصال سوف تحذو حذو الجنوب، لتنفجر الصراعات في جبال النوبة وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق ودارفور مطالبة بالانفصال. ومن ثم، يتحول السودان إلى دويلات كونفدرالية، تبحث عمن يحميها.

وفي النهاية، وعلى الرغم من تعاظم احتمال الانفصال وتكوين دولة مستقلة في الجنوب، فإن هذه الدولة ستواجه بمعضلة دفع الاستحقاقات لرعاياها التي سبقت لها المطالبة بها لنفسها من الشمال، في ظل حالة مشابهة للأسباب والظروف التي مرت بها الدولة المركزية في الخرطوم، وفشلها في إدارة مصالحها سواء التوزيع العادل للثروة والسلطة، ومعالجة حالات التهميش القبلي. وما يتحسب له الجميع أن تمارس قبيلة الدينكا، التي تقود الحركة الشعبية، دور الحكومة المركزية في الخرطوم، وهي الأكثر تعداداً وسطوة ونزعة عنصرية زنجية تمنحها القدرة على إدارة الصراعات، حتى داخل العديد من دول الجوار الجغرافي للجنوب. ومن ثم، تبدأ سلسلة جديدة من العنف والانفصال، وليصبح لدينا صوماليين في القرن الإفريقي الكبير.

Share