انفراج محدود في العلاقات الأمريكية-الروسية

انفراج محدود في العلاقات الأمريكية-الروسية

  • 16 يوليو 2009

ثمة عدة دلائل تشير إلى أن زيارة الرئيس باراك أوباما إلى موسكو (في 6-7 يوليو 2009) لم تؤد إلا إلى "انفراجٍ محدودٍ" في العلاقات الأمريكية-الروسية "بعد حرب باردة صغيرة" اختبرتها هذه العلاقات في السنوات الأخيرة. ومن  أبرز هذه الدلائل تركيز كلٍ من الرئيس أوباما والرئيس ديمتري ميدفيديف على القضايا الأسهل ذات الطبيعة البراجماتية، والتي يمكن أن تكون محلاً للاتفاق بينهما، وهي ضبط التسلح النووي، واستئناف الاتصالات العسكرية، وفتح طريق لإمداد القوات الأمريكية في أفغانستان عبر روسيا، والانخراط في مبادرات مشتركة لمواجهة التحديات العالمية.

بادئ ذي بدء، كان التوصل إلى اتفاق بين الرئيسين أوباما وميدفيديف حول ضبط التسلح هو البند الأسهل في أجندة الزيارة، ولاسيما أن لقاءهما في لندن، في أبريل الماضي، مهد لمثل هذا الاتفاق، وأنّ المفاوضين الأمريكيين والروس منخرطون بالفعل في محادثات منذ أوائل مايو حول تخفيض الأسلحة النووية الاستراتيجية. وقد وقع الرئيسان اتفاقاً يقضي بخفض ترسانة بلديهما الاستراتيجية بنسبة الربع على الأقل، خلال سبعة أعوام، بما في ذلك الرؤؤس النووية (تُخفض إلى ما بين 1500 و1675) ووسائل نقلها (تُخفض إلى ما بين 500 و1100)، على أن يشكل ذلك أساساً لمعاهدة جديدة تحل محل ستارت 1، التي ينتهي العمل بها في ديسمبر القادم. من وجهة نظر استراتيجية، يعتبر هذا الاتفاق خطوة متواضعة؛ في ضوء أن ما يتبقى في ترسانتي البلدين يكفي لتدمير العالم كله أكثر من مرة، ثم إنه لا يرتفع إلى مستوى البلاغة اللفظية التي يستخدمها الرئيسان، وخاصة أوباما، تجاه قضية التسلح النووي. وبالرغم من تأكيد الرئيس أوباما قبل التوجه إلى روسيا، في مقابلته مع قناة فوكس نيوز، أنه لا يقبل الربط بين ضبط التسلح والدرع الصاروخية، التي تعتزم الولايات المتحدة إقامتها في بولندا وتشيكيا، حذر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، من أن بلاده تربط الالتزام بالاتفاق النووي سالف الذكر بتسوية مسألة الدرع الصاروخية.

وبالإضافة إلى اتفاق الرئيسين على استئناف الاتصالات العسكرية، والتي توقفت منذ حرب جورجيا في أغسطس 2008، اتفق أوباما وميدفيديف على بناء مركز مشترك للإنذار المبكر، لتبادل المعلومات المتعلقة بإطلاق الصواريخ، وتجديد التزام بلديهما بالتخلص من 34 طن من البلوتونيوم المعد للاستخدام العسكري. بيد أن اتفاق مركز الإنذار المبكر يعود إلى 1998، وتم تجديده مرتين، من دون أن يرى النور. كما أن مبادرة البلوتونيوم تعود إلى التسعينيات، ولم يتم تنفيذها.

وكما كان متوقعاً، وافقت روسيا على السماح للولايات المتحدة باستخدام مجالها الجوي لإمداد قواتها في أفغانستان بالعتاد والرجال، بمعدل 4500 رحلة سنوياً، رغم تخوف الأمريكيين من أن تقيد روسيا الإمدادات التي تعبر سماءها. وقد ساعدت روسيا بالقطع في صدور قرار حكومة قيرغيزيا بتجميد إغلاق القاعدة الجوية الأمريكية في ماناس، وهي القاعدة الأمريكية الوحيدة في وسط آسيا، والسماح للولايات المتحدة بإعادة استخدامها، رغم أن روسيا كانت وراء إغلاق القاعدة من البداية. ومن اللافت للنظر أن هذا القرار تواكب مع آخر يسمح لروسيا بإنشاء قاعدة عسكرية في قيرغيزيا. يرى المحللون أنه إما أن تكون روسيا حصلت على مقابل سري كبير لموقفها المتعاون في الملف الأفغاني، أو أنها تريد أن تغرق أمريكا أكثر في أفغانستان.

علاوة على ذلك، اتفق أوباما وميدفيديف على الانخراط معاً في مبادرات عالمية لمواجهة تغير المناخ، وهو الأمر الذي شارك الرئيسان في بحثه تفصيلاً في قمة مجموعة الدول الثماني الصناعية الكبرى في 8 يوليو الجاري، ومنع الانتشار النووي، ومراقبة برامج تطوير الصواريخ حول العالم.

وقد كان موقف الرئيس أوباما الحذر والمحسوب تجاه ملف الديمقراطية وحقوق الإنسان في روسيا دليلاً آخر مهماً على فكرة "الانفراج المحدود." ويبدو أنه واجه صعوبات كثيرة في صياغة هذا الموقف ذي الطبيعة البرجماتية. فمن ناحية، امتدح خطط ميدفيديف "الحقيقية" للإصلاح السياسي، ودعم التزامه بالليبرالية. ومن ناحية ثانية، وجد لزاماً عليه أن يدفع لمزيد من التحول الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان ومساندة المعارضة السياسية في روسيا، ولاسيما خلال لقائه بزعماء المعارضة وقادة المجتمع المدني ورجال الأعمال الروس. ومن ناحية ثالثة، حاول أن يباعد بين نفسه ورئيس الوزراء، فلاديمير بوتين، الذي يعد الأكثر تأثيراً في صنع القرار، والذي شهدت فترة حكمه تراجعاً في كل مؤشرات الديمقراطية والليبرالية تقريباً، وأن يحدث فجوة بين الأخير والرئيس ميدفيديف. في هذا الخصوص، حاول أوباما تطوير علاقة وثيقة مع الأخير، فيما وصف بوتين بأنه لازال يضع قدما في الحرب الباردة.

وتظل هناك قضايا أساسية للخلاف، بل المواجهة، بين كلٍ من روسيا وأمريكا، لم تفلح قمة أوباما-ميدفيديف، أو اجتماع أوباما-بوتين، في تسويتها. فعلى الرغم من تطمينات أوباما بأن الغرض من إقامة الدرع الصاروخية في بولندا وتشيكيا هو مواجهة التهديدات "الإيرانية" النووية والصاروخية للأمن الأوروبي، وأنه غير موجه، ولا يمكنه أن يكون، إلى روسيا، وعلى الرغم من أنه يبدو أقل تصميماً من سلفه على إقامة الدرع، وإن لم يتخل عنه كليةً، فلم تزل روسيا تعتبر إقامته تهديداً لأمنها القومي؛ يسلبها قوة الردع المتمثلة في القدرة على توجيه الضربة الثانية في حال تعرضها لهجوم أمريكي، واحتواء لقوتها داخل إقليمها، ومنع نفوذها من التمدد في أوروبا الشرقية. وعلى الرغم من الأجواء الإيجابية التي غلفت زيارة أوباما، فقد حذر الرئيس ميدفيديف مجدداً، أثناء مشاركته في قمة مجموعة الثماني، من أنه إذا مضت الولايات المتحدة في خططها بإقامة الدرع الصاروخية، فإن روسيا سوف تنصب صواريخ متوسطة المدى في كاليننجراد قرب الحدود البولندية.

وفي الحقيقة، هناك خلاف أساسي بين الدولتين حول طبيعة البرنامج النووي الإيراني؛ فروسيا لا تراه ذا طبيعة عسكرية، فيما ترى واشنطن خلاف ذلك تماماً. ولذلك، اتفق أوباما وميدفيديف على إجراء تقييم مشترك للتهديد الإيراني. وفيما ترى روسيا أن ربط المباحثات بين الدرع الصاروخية والبرنامج الإيراني أمر غير بناء، تعتقد الولايات المتحدة أن الموقف الروسي هو الذي يعيق الجهود الغربية لإثناء إيران عن مواصلة تخصيب اليورانيوم. وقد اتضح ذلك في بيان مجموعة الثماني (9 يوليو)؛ فالمعارضة الروسية حالت دون تشديد العقوبات على إيران، أو توجيه إنذار صريح محدد المدة إليها لوقف أنشطتها النووية.

وتعتبر قضية توسيع حلف الناتو شرقاً من أهم قضايا الخلاف بين الدولتين، وتثير لدى روسيا مخاوف الحصار التي كانت تؤرقها أثناء الحرب الباردة. في هذا الصدد، أكدت روسيا مراراً أنها لن تتسامح في مزيد من تمدد الناتو إلى ما تعتبره منطقة نفوذها، أو إلى حدودها، وحذرت كلاً من أوكرانيا وجورجيا من الالتحاق بالناتو، وأثبتت أنها جادة في استخدام القوة العسكرية أو توظيف الغاز والنفط كسلاح للدفاع عن مصالحها الحيوية في "الجوار القريب". وقد أبان أوباما أثناء زيارته لموسكو أن إدارته لن تضغط على الناتو بقوة، كما كانت تفعل الإدارة السابقة، لقبول عضوية هاتين الدولتين، ولكنها لا تتخلى عن العلاقات الوثيقة معهما. واقع الأمر، تصر روسيا على أن الدول المتاخمة لها في أوروبا الشرقية، وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق عموماً، هي "مناطق مصالح ممتازة" لها. ولكن لا تقر الولايات المتحدة هذا الوضع. ولعل ذلك هو من الأسباب الرئيسة للمواجهة بين الدولتين.

وبالانتقال إلى التفاعلات الاقتصادية، يلاحظ أن عملية تطبيع العلاقات التجارية بين الدولتين تواجه عقبة كأداء تتمثل في قانون جاكسون-فانيك الأمريكي، الصادر في 1974، والذي وعد الرئيس أوباما بإعادة النظر فيه. وقد انخرط مسؤولو البلدين، أثناء الزيارة، في محادثات تجارية، استهدفت من ضمن ما استهدفت رفع التقييدات التجارية، وتيسير التحاق روسيا بمنظمة التجارة العالمية، والذي يصطدم باشتراط الاتحاد الأوروبي، مؤيداً من قبل أمريكا، تعهد روسيا بتوريد النفط والغاز إلى أوروبا دون انقطاع‏.
 
الأهم من ذلك كله أن التفاعلات بين أمريكا وروسيا تظهر وجود مناخ من انعدام الثقة لا يزال يغلف العلاقات بينهما. ولم يكن مستغرباً أن تؤكد استطلاعات الرأي التي جرت أثناء زيارة أوباما لموسكو عدم ثقة غالبية الشعب الروسي في الولايات المتحدة. وفقاً لعدد من المحللين، فإن جانباً من أزمة الثقة هذه يعود إلى تصور كل منهما للأخرى. فتصور الولايات المتحدة لروسيا يقوم علي أساس فكرة الإلحاق بالمعسكر الغربي؛ فكل ما يهدد الغرب (‏إيران وكوريا الشمالية مثلا‏)‏ يعتبر أيضاً تهديدا لروسيا‏، وعدم السماح بعودة أجواء الحرب الباردة حيث تمثل روسيا تحدياً استراتيجياً للمصالح الأمريكية حول العالم. من ناحية أخرى، لا تزال روسيا، أو جزء كبير من نخبتها السياسية وعلى رأسها رئيس الوزراء بوتين، تنظر للولايات المتحدة بمنظور الحرب الباردة. ويلاحظ أن المصالح والأهداف المشتركة التي تم الإلحاح عليها أثناء الزيارة، مثل مكافحة الإرهاب الدولي ومراقبة تطوير الصواريخ، أكثر أهميةً لواشنطن منها لموسكو. وربما يكون إعلان الطرفين تأسيس لجنة عليا مشتركة، برئاسة وزيري الخارجية، لدراسة كل القضايا الرئيسية في علاقات الدولتين، وإعداد تصور لهيكل أفضل لعلاقاتهما الثنائية، خطوة على طريق استعادة الثقة بينهما.

وفي الأخير، توضح الدلائل السابقة وغيرها أن مضمون فكرة "إعادة تشغيل العلاقات الأمريكية-الروسية" هو المصالحة وفك الاشتباك، من خلال اقتراب برجماتي يهدف إلى الانخراط في مفاوضات حول القضايا الأسهل أولاً، والاتفاق على الاختلاف فيما يتعلق بالقضايا المهمة، وتجنب مواجهة غير ضرورية أو عرضية بين الدولتين اللتين تمتلكان نحو 95% من ترسانة العالم النووية.

Share