انسحاب واشنطن من معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى؟

  • 4 أغسطس 2019

انسحاب الولايات المتحدة أول من أمس الجمعة من معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى مع روسيا ينذر بسباق تسلح عالمي جديد، وخاصة مع تصاعد حدة الخلافات الأمريكية-الصينية حول العديد من الملفات والقضايا.
أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، أول من أمس الجمعة (الثاني من أغسطس 2019) انسحاب بلاده رسمياً من معاهدة الأسلحة النووية المتوسطة المدى مع روسيا، وقبل 6 أشهر، في 2 فبراير الماضي، أعلن بومبيو تعليق التزام بلاده باتفاقية نزع الصواريخ النووية المتوسطة المبرمة إبان الحرب الباردة، معطياً روسيا، التي اتهمها بانتهاك الاتفاق، مهلة 6 أشهر، قبل أن تنسحب واشنطن نهائياً من المعاهدة. أما فيما يتعلق بردود الأفعال الدولية، فقد أعلن حلف شمال الأطلسي أنه اتفق على سبل لردع روسيا عن إطلاق صواريخ جديدة متوسطة المدى، قادرة على تنفيذ ضربة نووية في أوروبا، مضيفاً أن رده سيكون محسوباً، ولن يشمل سوى الأسلحة التقليدية. ويقول الحلف الذي تقوده الولايات المتحدة: إن روسيا انتهكت شروط المعاهدة عندما طورت صاروخ (نوفاتور 9 إم 729) الذي يملك قدرات نووية، والمعروف أيضاً باسم (إس.إس.سي-8). كما قال وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب: إن روسيا هي التي تتحمل مسؤولية انسحاب الولايات المتحدة من المعاهدة، وأضاف أن لندن تؤيد بالكامل أي تحرك من جانب حلف شمال الأطلسي رداً على ذلك. وفي وراسو، قالت وزارة الخارجية البولندية إن روسيا تتحمل المسؤولية الكاملة عن انهيار المعاهدة. وكتبت الوزارة على تويتر «عدم استعداد روسيا للعودة إلى الامتثال لمعاهدة القوى النووية المتوسطة المدى لم يترك للولايات المتحدة أي خيار».
فيما تنفي روسيا كل هذه الاتهامات. وأكدت أنها طلبت من الولايات المتحدة تعليق نشر الصواريخ النووية القصيرة والمتوسطة المدى في أوروبا مع انتهاء العمل رسمياً بمعاهدة الحد من الأسلحة التي كانت تحظر مثل هذه الخطوة. ونقلت وكالة تاس عن نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف قوله: «اقترحنا على الولايات المتحدة ودول حلف شمال الأطلسي الأخرى أن تدرس إمكانية إعلان وقف نشر الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، وهو إعلان كالذي أصدره فلاديمير بوتين». وكانت معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى تحظر الصواريخ الباليستية التقليدية والنووية وصواريخ كروز الموجهة التي تطلق من البر ويتراوح مداها بين 500 و5500 كيلومتر. ويعني وقف العمل بها أن كلاً من واشنطن وموسكو لهما الحق قانوناً في تطويرها ونشرها. وكان من المفترض بأن تحظر المعاهدة على الجانبين وضع صواريخ قصيرة أو متوسطة المدى تطلق من البر في أوروبا.
صحيفة «موسكوفسكي كومسوموليتس» الروسية نشرت مقالاً لسيرغي فالتشينكو وليليانا أوتيميشيفا، تناولا فيه مخاطر إنهاء العمل بمعاهدة الصواريخ، مشيرَين إلى أن الخطوة الأمريكية تعني التخلص من أهم وثيقة في مجال نزع السلاح النووي، أي معاهدة التخلص من الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى، وهي الموقعة من قبل الدولتين في عام 1987. وتساءل كاتبا المقال: ماذا ينتظر بلادنا بعد انهيار هذه المعاهدة؟ عبر الخبراء عن آراء مختلفة، والتقوا على شيء واحد، هو أن العالم لن يصبح أكثر أماناً. على الأقل، لأن الانسحاب من المعاهدة يفتح الأبواب أمام الولايات المتحدة لتطوير صواريخ كروز المتوسطة المدى وصواريخ نووية باليستية، بل نشرها في مواقع قريبة جداً من حدود روسيا، كدول البلطيق وبولندا. فهذه الصواريخ الباليستية يمكن أن تصل إلى موسكو خلال 3-4 دقائق. في هذه الحالة، لن يبقى أمام الجيش الروسي أي وقت تقريباً لاكتشاف إطلاقها وتقييم التهديد والبت في ضربة جوابية.
ونقلت الصحيفة الروسية عن رئيس هيئة «ضباط روسيا»، بطل روسيا، اللواء سيرغي ليبوف، قوله: «إن انسحاب الولايات المتحدة من المعاهدة في عام 2019 إجراء شكلي خالص، لأن الولايات المتحدة لم يسبق أن التزمت بها أبداً»، معتبراً أن الخطوة الأمريكية تستهدف بالأساس جر روسيا إلى سباق تسلح إضافة إلى ردع الصين. فالصين، اليوم، قادرة على تدمير السفن الأمريكية والبنية التحتية العسكرية في بحر الصين الجنوبي. لذلك، كانت الولايات المتحدة بحاجة إلى الانسحاب من معاهدة الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى من أجل نشر صواريخ نووية أرضية وأنظمة مضادة للصواريخ في منطقة آسيا والمحيط الهادي، بما في ذلك اليابان.

Share