انسحاب القوات الأمريكية من العراق: الدلالات والتداعيات

  • 27 سبتمبر 2010

ثمة دوافع أمريكية عديدة تفسر إعلان الرئيس بارك أوباما، في 31 أغسطس/آب المنصرم، انتهاء المهام القتالية في العراق. أولاً- هناك الخشية من فقد الديمقراطيين للأغلبية في الكونجرس، مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني القادم، وتراجع شعبية أوباما إلى نحو 44%. ومن ثم، جاء إعلان الانسحاب ليؤكد أوباما الوفاء بوعوده الانتخابية. ثانياً- تراجع تأييد استمرار الحرب لدى الرأي العام الأمريكي. كما أن إتمام الانسحاب المخطط له نهاية العام القادم قد يساعد أوباما في محاولته إقناع ناخبيه لتجديد ولايته. ثالثاً- لا تزال الولايات المتحدة تواجه تداعيات الأزمة المالية العالمية. وقد تكلفت حرب العراق تريليون دولار، بمعدل 720 مليون دولار يومياً، وبسببها بلغ العجز في الخزانة الأمريكية 455 مليار دولار. ومن ثم، كان لابد من وقف هذا النزيف المالي، والتركيز على إصلاح الداخل.

علاوة على ذلك، بدأ النقاش يدور في الولايات المتحدة حول جدوى الحروب ودورها في تحقيق الانتعاش الاقتصادي، وأصبح هناك نزوع متزايد للتقييد الذاتي وتجنب استخدام القوة العسكرية، والسعي إلى إيجاد نظام دولي جديد يعكس واقع القرن الواحد والعشرين، ويقلل من الالتزامات والأعباء الأمريكية الخارجية، بالسعي إلى فتح قنوات العمل والمشاركة في التكاليف مع قوى إقليمية جديدة وبازغة للإسهام مع واشنطن في حل النزاعات الإقليمية أو ما يطلق عليه "أقلمة الصراعات". والأهم من ذلك، كبدت المقاومة العراقية الوطنية قوات الاحتلال تكلفة بشرية باهظة (أكثر من 4400 جندي قتيل ونحو 32 ألف مصاب، وفقاً للموقع الشهير iCausalities). ومن المثير للسخرية أن الورود التي كان من المفترض أن يستقبل العراقيون بها الغزاة تحولت إلى عبوات ناسفة، جعلت كل أركان الإدارة الأمريكية تعيد حساباتها السياسية والعسكرية. ولولا هذه المقاومة الشرسة للاحتلال، لكان تغيير النظام في العراق دافعا ًومقدمة لتغيير إقليمي شامل في أنظمة الدول العربية الأخرى، ووضع خريطة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط.

ويلاحظ أن خطاب أوباما حول الانسحاب اتسم بالواقعية، فأكد قائلاً "إننا لن نحتفل بالنصر في العراق ولن نهنئ أنفسنا"، مضيفاً أن بلاده دفعت ثمناً باهظاً في النزاع الدائر هناك. وجاءت كلمة وزير الدفاع، روبرت جيتس، لتعكس بدورها مرارة الفشل، بعد سبع سنوات من الاحتلال، حيث بين أن "لا شيء على ما يرام"، محذراً من "أن الشلل السياسي واستمرار العنف الطائفي في العراق يجعلان مستقبل هذا البلد غامضاً". ومع ذلك، فإن قول أوباما: "إننا كنا على قدر مسؤولياتنا في هذا الفصل المشرف من تاريخ الولايات المتحدة"، فيه الكثير من المغالطات والتجاوزات. فليس هناك ما يشرف في احتلال استند على الخداع والتدليس بشأن امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل. كما أن رفع جيش الاحتلال أعلام الحرية وشعارات حقوق الإنسان والديمقراطية ورايات الدولة المدنية في العراق كانت كلها أكذوبة كبرى. فقد كان الهدف الأساسي من الاحتلال الأمريكي هو إقامة نظام جديد في بغداد موالٍ للغرب، وإزالة أحد مصادر التهديد الأمني الرئيسة لإسرائيل، فضلاً عن وجود مطامع نفطية أمريكية لا تخفى.

وإذا كانت مجلة "فورين بوليسي" في عددها الأخير، قد قدرت أن هذا الاحتلال أعاد العراق عقدين إلى الوراء، فإن الأمر أبعد وأخطر من ذلك. فقد تم تدمير البنية التحتية وهيكل الدولة العراقية، وحل أكبر مؤسساتها الدفاعية والأمنية؛ الأمر الذي أدى إلى انهيار كامل لبناء مؤسسي مضى على تشييده نحو ثمانين عاماً، وكان صمام الأمان لوحدة وطنية في مجتمع متعدد الطوائف والقوميات. وقد أدى الاحتلال إلى إشاعة التطرف والفوضى عبر زرع بذور التقسيم الطائفي والعرقي، وتمييع الهوية الوطنية. وكانت المحصلة، وفقاً لتقديرات مؤسسةORB البريطانية ومنظمة العفو الدولية ومنظمة اليونيسيف، قتل نحو مليونين و350 ألف عراقي وهجرة نحو 2.77 مليون شخص داخل العراق وثلاثة ملايين آخرين خارجه، بالإضافة إلى 5 ملايين يتيم ونصف مليون مشرد و ثلاثة ملايين أرملة.

وكان من الطبيعي أن يثير انسحاب القوات المقاتلة الأمريكية ردود فعل متناقضة داخل العراق. فكثير من التيارات السياسية العراقية ربطت بين العنف الذي ساد البلاد في الفترة الماضية واستمرار الاحتلال؛ فتفاءلت بالانسحاب تفاؤلاً مشوباً بالحذر. في حين رأت أوساط أخرى أن لحظة الانسحاب، لو تمت في غير الوضع الحالي لشكّلت فعلاً "منعطفاً تاريخياً؛ لأن البلاد ستتحرر من قيود الاحتلال ومخططاته وضغوطه". فيما يرى فريق ثالث أن هذا الانسحاب سيؤدي إلى مزيد من الفوضى والعنف. فـ"الولع الأمريكي بالاحتلال"، على حد تعبير كنعان مكية، والسعي إلى إطالته، والتباطؤ المتعمد في إعداد الجيش العراقي وتأهيله لمهامه قبل الانسحاب، زادت من مخاوف الفوضى الأمنية. وقد عبر رئيس الأركان العراقي، بابكر زيباري، بشكل صريح عن عدم جاهزية القوات العراقية لتولي المهام الأمنية لدرجة المطالبة ببقاء القوات الأمريكية حتى عام 2020. فيما أكد كل من القائد السابق للقوات الأمريكية في العراق الجنرال راي اوديرنو، والجنرال ديفيد بتريوس "أن الوضع في العراق مازال هشاً". وبالمقابل، نجد أن نوري المالكي، رئيس الوزراء المنتهية ولايته، اعتبر يوم انسحاب القوات الأمريكية يوم "سيادة العراق" واستقلاله، وخطوة أساسية لإعادة كامل السيادة الوطنية للبلاد، وأن ذلك يعد إنجازاً لكل العراقيين وفرصة "ذهبية" لتعزيز الوحدة الوطنية. وعلى الرغم من المؤشرات السلبية، فإن الحكومة العراقية أكدت جاهزية قواتها لاستلام الملف الأمني فيما كان للعسكريين الأمريكيين رأي آخر.

أياً كان الأمر، فإن انسحاب القوات الأمريكية المقاتلة لا يعني إنهاء الاحتلال؛ لأن بقاء أكثر من 50 ألف جندي أمريكي في العراق بكافة معداتهم في العديد من القواعد العسكرية، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من المتعاقدين الأمنيين، وربط العراق باتفاقية أمنية مجحفة مع واشنطن، وبناء أكبر سفارة أمريكية في العالم على أرضه، كل ذلك لا يبشر بإتمام انسحاب أمريكي قريب من العراق. "ولا يمكن للرأي العام العراقي النظر إلى مثل هذا الوضع إلا على أنه قوة احتلال مستمر"، وفقاً لـ "لين دوسلي" عضو الكونجرس عن الحزب الديمقراطي. وكل هذه الاعتبارات وغيرها تفسر تناقض آراء العراقيين ومواقفهم من الانسحاب الأمريكي الأخير، وتعبر في مجملها عن القلق مما قد تؤول إليه تطورات الأحداث الداخلية. ويتضاعف هذا الشعور بالقلق مع بقاء بعض المشكلات الانتقالية مفتوحة النهايات، وفي مقدمتها مستقبل العلاقة بين المقاومة والبيئة الحاضنة لها، ومصير مجالس الصحوات، و"المناطق المتنازع عليها" بين العرب والأكراد، ووضع قوات البشمركة الكردية والمليشيات المسلحة الأخرى. يضاف إلى ذلك أنه لم تتم حتى الآن عملية مصالحة وطنية شاملة، تضم كافة الفصائل والأطراف العراقية. وكل هذه المشكلات وغيرها تجعل قابلية العراق عالية للفوضى المنذرة بانتشار العنف الطائفي والمسلح وزيادة وتيرة عمليات الإرهاب في ربوع البلاد.

كما أن الظروف التي خلفها الانسحاب الأمريكي تجعل البلد المحتل ذا قابلية أكبر للاختراق الخارجي. فكل من إيران وتركيا تتصرفان على أساس أن الانسحاب يعني تقليص الدور الأمريكي في المنطقة، وأن ذلك قد يهيئ الفرصة المناسبة لكل منهما لملء هذا الفراغ وإعادة ترتيب الاوضاع بما يحقق مصلحة كل منهما. وبصفة خاصة، تنظر إيران إلى علاقتها بالعراق من خلال منظور مستقبل العلاقة الإيرانية الأمريكية والملف النووي الإيراني. وما قد يحدث من مقايضات سياسية بشأنهما، سينعكس بالضرورة على سياسة إيران تجاه عراق مابعد الانسحاب. كما أن إيران لا تخفي تطلعها للعب دور القوة الإقليمية العظمى في المنطقة، وليس من مصلحتها أن يستعيد العراق استقراره وقوته الاقتصادية والعسكرية بشكل كامل. أما تركيا، فإن من مصلحتها قيام عراق جديد متحد ومستقر بعيداً عن أي نظام فيدرالي يعطي مزيداً من الاستقلالية لكردستان العراق، لما يمثله ذلك من مخاطر وتداعيات ومردود سلبي على وضع أقليتها. وبالنسبة لإسرائيل، فإنها لن تتوقف عن إثارة النعرات الطائفية والعرقية في العراق بعد إتمام الانسحاب، الذي تعارضه في الأساس. فليس خافياً أن إسرائيل تدعم التطلعات الاستقلالية لأكراد العراق، ونجحت في نسج علاقات سياسية واستخبارية وعسكرية مع قادتهم. أما سوريا، فإن من مصلحتها أن يتم الاستقرار في العراق حتى يعود إليه أكبر عدد من اللاجئين العراقيين المقيمين فيها. كما أن سوريا تشجع على إقامة عراق موحد وحكومة مركزية قوية، وليس من مصلحتها انفصال أكراد العراق؛ لأن ذلك – كما في الحالة التركية و الإيرانية – سينعكس سلباً على أوضاع أقليتها الكردية. ويضاف إلى ذلك أن سوريا أعادت النظر في مجمل سياساتها الإقليمية وتسعى إلى علاقات متنامية وجيدة مع العراق إذا ما وجدت استجابة لذلك.

وبالنسبة لدول الخليج العربية، فإن تدهور الأوضاع الداخلية في العراق، واحتمال اتساع نطاق الفوضى الأمنية والانفلات الطائفي بعد الانسحاب، قد يلقي بظلاله على الاستقرار فيها. فالامتدادات الإقليمية لبعض مكونات المجتمع العراقي الطائفية والعرقية، واحتمال حدوث مواجهات طائفية قد يضع منطقة الخليج العربي في دائرة العنف والتوتر. كما أن عدم إنجاز المصالحة الوطنية في العراق سيعمق من نفوذ إيران فيه؛ فهي المحرض الأكبر للاستقطاب الطائفي، ولا تخفي سعيها لـ"تشييع" العراق بمختلف الوسائل. وهو أمر إذا ما اتسع نطاقه، سيخلف وضعاً غير مريح على الأوضاع الداخلية في دول مجلس التعاون، وإن بدرجات متفاوتة، وهو ما يقتضي وضع سياسات منسقة تجاه العراق.

وختاماً، يمكن القول إن الانسحاب الأمريكي يعد خطوة على طريق استعادة العراق لسيادته، إذا ما استغل القادة الراغبون ذلك بشكل يؤمن المصالح العليا للعراق، وعمدوا إلى تنحية خلافاتهم السياسية والطائفية. والانسحاب في حد ذاته يفترض إزالة أحد مبررات استمرار العنف، وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة هو صمام الأمن الحقيقي للوطن العراقي. ويلاحظ أن بقاء الاحتلال لمدة سبع سنوات أوجد مجموعة من المصالح المرتبطة به، ومراكز قوى مستندة إليه. وبانحساره تدريجياً، ستحدث خلخلة في هيكل علاقات القوى العراقية الحالية. وعادة ما يصاحب ذلك عمليات عنف متبادل وتصفية حسابات وتكوين تحالفات تعويضية داخلية وخارجية، يتشكل معها نمط جديد لعلاقات القوى الداخلية. وتتوقف دورة هذه العملية ومسارها والزمن الذي تستغرقه على مدى قوة أجهزة الحكم وفاعليتها، وفي مقدمتها المؤسسات الأمنية والعسكرية الوطنية، وهو ما يفسر جانباً من تعثر تشكيل الحكومة العراقية الجديدة لصعوبة الاتفاق على أسس إعادة اقتسام النفوذ والمصالح. وما أسهل الهدم وما أصعب البناء.

Share