انخفاض أسعار النفط: أزمه مرحلية أم أساسية؟

وليد خدوري: انخفاض أسعار النفط: أزمه مرحلية أم أساسية؟

  • 4 يناير 2015

يثير تدهور أسعار النفط من 100 دولار للبرميل إلى أقل من 50 دولاراً خلال فترة لا تتعدى ستة أشهر أسئلة عدة. فهل هذه ظاهرة عابرة أم طويلة المدى؟. ويشير التقرير الإحصائي السنوي لـ "منظمة الدول المصدِّرة للنفط" (أوبك) لعام 2014 إلى أن معدلات إنتاج النفط الخام قد ارتفعت بصورة عالية في بعض الدول، مقابل انخفاض ملحوظ في نسب معدلات الطلب في دول مستهلكة رئيسية. وفي هذا السياق، فقد انخفض استهلاك النفط في الولايات المتحدة الأمريكية من 18.899 مليون برميل يومياً في عام 2009 إلى نحو 18.771 مليون برميل يومياً في عام 2013. أما في الصين، فارتفع معدل الاستهلاك من 8.253 مليون في عام 2009 ليصل إلى 10.067 مليون برميل يومياً في عام 2013. لكن برغم هذا الارتفاع في مجمل الاستهلاك، فإن نسبة الزيادة السنوية التي كانت فوق معدل 8% قد انخفضت، لتسجل نسباً أقل مؤخراً. وفي أوروبا، انخفض معدل الاستهلاك النفطي من 14.061 مليون برميل يومياً في عام 2009 إلى 13.004 مليون برميل يومياً في عام 2013.

ما معنى هذه الأرقام؟ هل أصبح انخفاض الطلب على النفط في أهم مناطق استهلاكية في العالم، أمراً مؤسسياً؟ أم إنه أمر عابر؟ من الواضح أن النتائج المترتبة على الأزمة المالية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا في عام 2011 قد أثرت بشكل سلبي في النمو الاقتصادي في الدول الصناعية الكبرى. فانخفاض استهلاك النفط يتبع عادة التقلص في الاقتصاد بعد فترة. وهذا ما حصل بالفعل في المناطق الاستهلاكية الرئيسية الثلاث. لكن لأوروبا وضعاً مختلفاً ما يفاقم من الأزمة، إذ تحاول دول الاتحاد الأوروبي تقليص استعمالها للنفط، والاعتماد المتزايد على الغاز وبدائل الطاقة المستدامة. ومن ثم، فإن انخفاض الاستهلاك في كلٍّ من الولايات المتحدة الأمريكية والصين هو أمر طارئ، إلى حين التخلص من آثار الأزمة المالية. أما في أوروبا، فالأمر مؤسسي، إذ إنه لا يتعلق بالأزمة المالية العالمية فقط، ولكن بسياسة تقليص الاعتماد على النفط أيضاً.

من نافل القول، إن "أوبك" قد واجهت خلافات عدة. واستمرت هذه الخلافات وإنْ تعددت أسبابها عبر العقود الماضية منذ تأسيس المنظمة في عام 1960. وقد تنوعت الخلافات ما بين الأقطار ذات الاحتياطات الضخمة وتلك ذات الاحتياطات المحدودة، نظراً إلى اختلاف المصالح لكل منهما في مدى استمرار عصر النفط. وبرزت الخلافات والصراعات عند تحديد الحصص، وخاصة بين الدول ذات الاحتياطات المتقاربة. وهناك الخلافات الجيوسياسية ما بين بعض الأقطار الأعضاء، التي توصلت إلى حدِّ شن الحروب ما بين هذه الدول (الحرب الإيرانية – العراقية واحتلال العراق للكويت)، هذا فضلاً عن الصراعات الناتجة عن محاولة بعضهم بسط النفوذ على الدول الأخرى (الصراع الإيراني- العربي). حاولت "أوبك" غض النظر عن هذه الخلافات في بعض الأحيان آخذة في الاعتبار أهمية النفط للاقتصاد الوطني للدول الأعضاء.

انعكست ظاهرة الخلافات بشكل مختلف ما بين الأقطار الأعضاء. فقد واجهت بعض الدول مقاطعة وحصاراً دوليين عليها (إيران وليبيا والعراق) وحروباً ونزاعات مسلحة داخلية أدت إلى تدمير كبير للمنشآت النفطية (العراق وليبيا). وقد حاولت هذه الدول المتضررة أن تستفيد من فترة ارتفاع الأسعار إلى نحو 100 دولار للبرميل لإصلاح المنشآت المتضررة وإعادة ترميم الخلل للاقتصاد المحلي. وكانت الوسيلة المثلى لهذه السياسات زيادة الإنتاج للاستفادة من الريع المالي العالي. من ثم، تتناقض محاولات زيادة الإنتاج هذه مع سياسات كل من العراق وليبيا اللتين خسرتا طاقة إنتاجية عالية بسبب الحروب والمقاطعات، علاوة على محاولة إيران التخلص من الحصار المفروض عليها بسبب الملف النووي. كما أن فنزويلا تعاني مشكلات سياسية واقتصادية حادة.

غضت الدول المتضررة المذكورة سابقاً الطرف عن حال عدم التوازن في ميزاني العرض والطلب العالميين بسبب حاجتها الماسة إلى زيادة الإنتاج والريع المالي. لكن مواقف هذه الدول أدت إلى إصرار المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت إلى عدم الاستمرار في تخفيض الإنتاج، في وضع كلٍّ من ليبيا والعراق وإيران وفنزويلا في موقف محرج وأجبرها على الموافقة على المحافظة على مستوى الإنتاج الحالي. في الوقت نفسه، تستمر كلٌّ من هذه الدول في زيادة الإنتاج كما هو مخطط له سابقاً، وإنْ كان تأثير هذه الزيادات محدوداً ودون أي أهمية كبرى لميزاني العرض والطلب العالميين. في الوقت الذي لم تشكل فيه الزيادات من داخل "أوبك" أهمية كبرى للأسواق، إلا أنها شكّلت عقبة أمام الدول الخليجية الثلاث في الاستمرار بسياسة المنتج المرجّح، الأمر الذي دفعها إلى التشبث بعدم تخفيض الإنتاج، كمحاولة منها للوصول إلى حلول أساسية للتعامل مع ما تعتبره التحدي الأهم لـ "أوبك".

تشكّل زيادة الإنتاج من خارج دول "أوبك" التحدي الرئيسي لأقطار "أوبك". هنا يجب التنويه أن الزيادات السريعة والعالية لمعدلات الإنتاج من خارج "أوبك" ليس بالأمر الجديد. فقد تدهورت الأسعار نتيجة لذلك في أواخر عقد الثمانينيات من القرن الماضي بسبب الزيادة من الدول المصدِّرة من خارج "أوبك". إلا أن الأمر يختلف الآن. فالسبب الرئيسي للزيادة هو التقدم العلمي الذي دفع بالإنتاج من النفط الصخري والمحصور، ناهيك عن الإنتاج من أعماق البحار كما في البرازيل ومن المناطق النائية أيضاً في سيبيريا في روسيا. فقد ارتفع معدل الإنتاج في الولايات المتحدة الأمريكية من 5.353 مليون برميل يومياً في عام 2009 إلى 7.441 مليون برميل يومياً في عام 2013 وذلك بسبب النفط الصخري والمحصور. وازداد إنتاج روسيا من البترول من 9.650 مليون برميل يومياً في عام 2009 إلى 10.146 مليون برميل يومياً في عام 2013. وفي البرازيل، ارتفع الإنتاج من 1.950 مليون برميل يومياً في عام 2009 إلى 2.023 مليون برميل يومياً في عام 2013.

لقد حاولت الدول المنتجة للنفط الرئيسية (السعودية والإمارات والكويت) التعامل مع وضع صعب ومعقد. فانخفاض الطلب مع زيادة عالية من خارج "أوبك" وخلافات داخل منظمة "أوبك"، سيعني استمرار الدول الثلاث  المنتجة المذكورة  سابقاً في تبنّي سياسة المنتج المرجّح. لكن استمرار الدول الثلاث في تخفيض الإنتاج لن يؤدي الآن إلى موازنة العرض والطلب، بسبب الزيادة العالية والمستمرة من دول عدة. لذا، عملت الدول الثلاث على إصدار قرار من "أوبك" بعدم تخفيض الإنتاج من أجل حث الدول غير الأعضاء الحدّ من زيادة الإنتاج. لكن التجاوب لم يتم مع قرار "أوبك"، فانهارت الأسعار. والآن من الصعب على الشركات المستقلة التي تنتج النفط الصخري والمحصور تخفيض إنتاجها. فقد استدانت مليارات الدولارات لتنمية الصناعة (نحو 200 مليار دولار في عام 2013). واعتذرت روسيا رسمياً عن التخفيض لأن إغلاق الآبار القديمة سيؤدي إلى فقدان طاقة إنتاجية كبيرة. من ثم، الصراع ما بين "أوبك" والأقطار المنتجة للنفط غير الأعضاء في الوصول إلى سياسة جديدة يتحمّل فيها الجميع مسؤولية توازن العرض والطلب العالميين. وهذا أمر ليس بالسهل وسيأخذ وقتاً طويلاً للوصول إلى حل.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات