انتقال السلطة في اليمن: خطوة مهمة وتحديات ماثلة

  • 12 مارس 2012

تم أخيراً نقل السلطة في اليمن بعد مضي عام كامل على الأزمة السياسية، تعطلت فيه البلاد كلياً، فأُرهق اقتصادها، ودُمّرت أحياء في صنعاء العاصمة وتعز ومدن أخرى. ومع أن كثيرين في المعارضة لم يكونوا راضين عن التسوية التي تم خلالها نقل السلطة، وبالأخص عن "الحصانة" التي مُنحت إلى الرئيس السابق علي عبدالله صالح وأعوانه، إلا أن الشعب اليمني أثبت واقعيته، ومرّر الانتخابات الرئاسية؛ لتمكين الرئيس الجديد عبد ربه منصور هادي من أخذ زمام المبادرة، والبدء بتنفيذ المرحلة التالية من استحقاقات المبادرة الخليجية للخروج من الأزمة على الأقل.

لم يكن نقل السلطة سوى خطوة تتعلق برأس جبل الجليد الذي ينطوي على كمٍّ لا يحصى من المشكلات، وكلها كفيلة بتهديد ليس فقط السلم الأهلي في المجتمع اليمني، وإنما أيضاً وحدة الأرض والدولة والشعب. لذلك يحتاج اليمن واليمنيون إلى كل الحكمة والتضامن في المرحلة المقبلة، وعلى كل المستويات، لمواجهة هذه المشكلات. والواقع أن الرئيس هادي استطاع أن يؤكد سريعاً تمايزه عن سلفه، وأن يشيع مناخاً مختلفاً يوحى باستعادة بعض الثقة بين الرئاسة والشعب، بيد أن استعادة الثقة الكاملة المفقودة بين الجانبين تستلزم وقتاً أطول، وتحتاج كثيراً من العمل في الاتجاه الصحيح ووفقاً لأجندة المرحلة الانتقالية. طبعاً، هناك مساندة خليجية وأمريكية وأوروبية للرئيس الجديد، لكن الكثير يتوقف على فاعلية القوى السياسية اليمنية، خصوصاً أن انقساماتها لا تزال على حالها، بل لعلها ستشهد مع إعداد الدستور الجديد والاصطفافات للانتخابات المقبلة خلطاً للأوراق والاستقطابات.

ففيما يدخل اليمنيون في لجّة ورشة بالغة الصعوبة، تتطلب منهم أعلى درجات التعاون، سيكونون في أشد لحظات التنافس، وربما التصارع. ولا شك في أن من لم يكن واعياً الخطورة التي بلغها تغلغل تنظيم " القاعدة"، أدرك ذلك بعد الهجمات التي كانت أبين مسرحاً لها، وبعد التفجيرات والاغتيالات التي تنقلت بين مدن عدن والمكلا والبيضاء. كان أعضاء التنظيم قد غادروا مخابئهم في الجبال قبل نحو سنة، مستغلين انشغال البلد بالأزمة السياسية، فسيطروا أولاً على جعار في مارس 2011، وبعد شهرين اجتاحوا زنجبار (مركز محافظة أبين)، وفرضوا شبه حصار على حاميتها الحكومية، ولا يزالون يسيطرون على جزء مهم منها. ومن الواضح أن التنظيم تحسّب لاحتمال أن يكون القضاء عليه من شروط الشروع في إنهاء الأزمة، فاستقدم مقاتلين جدداً لشن هجوم استباقي، ذاك أن هذه فرصته لتثبيت "الإمارة" التي يزعم إنشاءها في أبين.

هكذا فرض تنظيم "القاعدة" نفسه على الأجندة الوطنية. ويبدو أن الظروف المعيشية الصعبة جعلت منه مصدراً للدخل في تلك المنطقة المشابهة لمعظم مناطق اليمن بفقرها وقلة مواردها، كما أن استمرار الأزمة أثار كثيراً من اللغط حول علاقاته ببعض القوى الرسمية، فخلال الأزمة اتهمت المعارضة الحكم بأنه متواطئ مع جماعات حاضنة لـ "القاعدة"، وبعد الهجمات الأخيرة جرى الحديث عن تواطؤ عدد من العسكريين. والواقع أن التغييرات المرتقبة في إطار إعادة هيكلة الجيش والقوى الأمنية تشكل حالاً قابلة للاختراق، ومع ذلك تبقى هذه التغييرات حتمية، فهي من أهم بنود التسوية السياسية، وإن كان متوقعاً أنها ستٌحدث تململاً في أوساط الأجهزة الأمنية. ثم إن الشروع بها في لحظة مواجهة تحدي "القاعدة" تثير إشكالات إضافية قد تتسبب بتأخيرها.

لا تشبه المعضلة التي يشكلها "القاعدة" المعضلتين الأخريين في اليمن، وهما تمرد الحوثيين في الشمال، و"الحراك الجنوبي" الذي كان يطالب بالانفصال. فهاتان القضيتان تستندان إلى مطالب معروفة تجاهلها نظام علي صالح أو عاملها بإهمال. أما التنظيم الإرهابي فلا يريد أقل من السيطرة على البلد وجعله منصة انطلاق لمحاربة الغرب والولايات المتحدة كما كانت الحال في أفغانستان أيام حكم حركة "طالبان". وتعتقد الدوائر الغربية المعنية أن الحكم اليمني السابق لم يولِ مكافحة الإرهاب الأهمية التي توقعتها منه، ورغم المساعدات التي تلقاها خصيصاً لهذه الغاية، إلا أنه لم يضع خطة عسكرية واستخبارية شاملة لحرب يفترض أن تكون متواصلة، ثم إن العمليات الرئيسية ضد "القاعدة" تمّت بمساهمة أمريكية. ونظراً إلى حقيقة أن الخطر الإرهابي يمكن أن يتفاقم ويتعاظم إذا أقام بيئة تمركز له في مكان ما، مثلما كان الحال في أفغانستان طالبان، فإن تمركز هذا الخطر في اليمن ووجوده على خطوط تواصل متاحة مع الصومال ستحوّله إلى تهديد إقليمي مقلق، لذا وجب التصدي له بأقصى الحزم.

هذه واحدة فقط من تركات النظام السابق، وسيضطر العهد الجديد للانشغال بها إلى وقت غير محدد. غير أن معالجتها المجدية لا تتوقف على الجهد العسكري وحده، كما نوّه الرئيس هادي أمام زائريه من المسؤولين الأجانب، موضحاً أن الأمر يتطلب عملاً تنموياً ونهوضاً بالاقتصاد شبه المعطل منذ أكثر من سنة. ويدرك الحكم اليمني أن ما يتوقعه من مساعدات سريعة لن تصله فعلاً قبل أن يُحدث اختراقاً جلياً في حربه على "القاعدة"؛ فهذه أولوية الجهات المموّلة التي ستلتقي في أبريل في الرياض ثم على نحو أوسع في يونيو المقبل. ما يعني أن الـ 100 يوم الأولى للرئيس هادي ستكون محكومة بإنجاز تقدّم في هذه المهمة. لكنها لن تمنع الحكم من مباشرة العمل على الملفات الأخرى، باعتبار أن مكافحة "القاعدة" لا تشكل خلافاً داخلياً، بل إن هذا التنظيم لم يعد – خلافاً للسابق- يحظى بـ "تعاطف"، ولو محدوداً، من قوى إسلامية انتقلت خلال الأزمة السياسية إلى جانب المعارضة، وتتهيّأ لدور أكبر من خلال الانتخابات المقبلة.

لدى الحكم خطط متوارثة لتفعيل التنمية في المناطق كافة، وهو يطالب بالمساعدات على أساسها، لكن النظام السابق لم يستطع اكتساب ثقة المموّلين، سواء بسبب الفساد المستشري أو لإيثاره إنعاش مناطق على حساب مناطق أخرى. ولا شك في أن المطلوب عاجلاً هو إعادة الخدمات التي تتولاها الدولة، والتي تغطي الحاجات الأساسية للحياة العادية، من كهرباء وماء وتموين وطرق، وهذه كلها تعرضت لأعطال جسيمة. وبالتوازي ينبغي أن تلمس مناطق الجنوبيين والحوثيين اهتماماً خاصاً لتستعيد ارتباطها مع البلد والدولة. كان ملاحظاً أن الجهات الخارجية أقامت علاقات حوار مع هؤلاء لعلمها بأنهم قادرون على ضرب الحل السياسي إذا واصلوا التمرد والتصعيد بدافع إرث طويل من انعدام الثقة بينهم وبين صنعاء. ليس مؤكداً أن هذه الحوارات توصلت إلى هدنة راسخة إلا أنها قد أقنعت الجنوبيين والحوثيين بمنح الحكم فرصة، فالتمرد والتلويح بالانفصال كانا مفهومين، أما الإصرار عليهما فلا يعني سوى المزيد من المآسي للمواطنين.

حققت الخطوة الأولى نقلة مهمة للخروج من الأزمة، لكن الخطوات التالية تتطلب من الوسط السياسي بأطيافه كافة إجراء مراجعة عميقة لأدائه السابق ولكيفية إدارة شؤون اليمن وإبعاده عن كوابيس التفتت والتقسيم حتى تكون الوحدة نعمة لا لعنة للبلد. هو بلد فقير، بلا شك، لكن إدارته الفاشلة حالت دون تثمير موارده الضئيلة، ودون ضخّه بجرعات تنمية كافية لتثبيت انتماء المواطنين وإعطائهم آمالاً يعيشون من أجلها، بل استنهاضهم للانخراط في تحسين مستوى معيشتهم. كانت "ساحات التغيير" مفعمة خلال الانتفاضة الشعبية بالحيوية والأفكار والاستعداد للعمل، ومن الواجب إبقاء هذه الشعلة الشبابية مشتعلة لتساهم في صنع المستقبل. فكل شيء سيعتمد منذ الآن على خيارات الشعب اليمني الذي طالبت قواه الحيّة بالحرية والديمقراطية والدولة المدنية، وها هي ذي الفرصة تلوح أخيراً لإنشاء دولة وجيش ومؤسسات واقتصاد للجميع.

Share