انتخاب رئيس جديد وآفاق الصراع الداخلي في الصومال

د. مصطفى عبدالعزيز مرسي: انتخاب رئيس جديد وآفاق الصراع الداخلي في الصومال

  • 18 فبراير 2009

يعيش الصومال مأساة ممتدة منذ عقود طويلة؛ فقد كانت أراضي هذا البلد مقسمة إلى خمسة أقاليم تخضع لقوى استعمارية أوروبية عدة، وبعد الاستقلال الذي حصل عليه في يوليو/تموز 1960، ورث الصومال كثيراً من النزاعات الحدودية مع الدول المجاورة له، ولاسيما أثيوبيا وكينيا. وعلى الرغم من أن هذا البلد يعد من أكثر دول الأفريقية التي يتوافر فيها التجانس الديني واللغوي والعرقي، فإن سيطرة السمة القبلية، جعلت استقرار النظام السياسي فيه يعتمد دوماً على مدى تحقيق التوازن القبلي داخلياً، فضلاً عن تداعيات الامتدادات القبلية في دول الجوار وتدخلاتها.

وقد تعرض هذا الاستقرار السياسي لضربات قوية بعد انهيار نظام "سياد بري" عام 1991؛ حيث حدثت انقسامات خطيرة في صفوف الفصائل الصومالية المختلفة، واشتد الصراع الدامي بين هذه الفصائل على السلطة، بشكل هدد وحدة الصومال واستقلاله. ودخل هذا البلد في غمار حرب أهلية استمرت قرابة عقدين تعرض خلالها للتقسيم إلى عدة دويلات متصارعة، كما أدت هذه الحرب الأهلية إلى مقتل أكثر من 16 ألف مدني، ونزوح نحو مليوني صومالي عن ديارهم.

وتفاقمت المشكلة الصومالية بعد أن فقدت الدولة مقوماتها وتماسكها وسيطرتها على إقليمها، وعجزت عن تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية لمواطنيها، وفشلت في وقف الحرب الأهلية التي تفشت في معظم أقاليمها؛ فاحتلت الصومال مرتبة متقدمة ضمن ما اصطلح على تسميته "بالدول الفاشلة" (Failed States). وبطبيعة الحال، لم يحدث هذا التطور فجأة، فالفشل والتدهور أخذا يتراكمان منذ انهيار نظام حكم "سياد بري" عام 1991، حيث أخذ الصومال ينتقل من سيّئ إلى أسوأ مع مرور الوقت، حتى بدأت مرحلة تفكك أوصال السلطة، وراحت بعض المناطق تعلن تباعاً انفصالها عن الوطن الأم.

وخلال تفاعلات الأزمة الصومالية، نجحت مجموعة من قضاة المحاكم الإسلامية في حل أغلب النزاعات الاجتماعية القبلية، وأبدت اهتماماً باستقرار الأمن ورعاية الفقراء، مما أهل هؤلاء القضاة إلى زعامة ما يسمى "اتحاد المحاكم الإسلامية"، الذي تمكن من فرض سيطرته على معظم أجزاء الصومال وسعى إلى فرض الشريعة الإسلامية ولو بقوة السلاح. وعلى مدى ستة أشهر من تجربة حكم اتحاد المحاكم الإسلامية نعم الشعب الصومالي بالاستقرار والأمن لأول مرة منذ انهيار حكم "سياد بري"، وتقلصت ظاهرة أمراء الحرب ونفوذهم.

وبعد أحداث 11 سبتمبر، أدخلت إدارة الرئيس الأمريكي "جورج بوش" الصومال ضمن مناطق ما عرف باسم "الحرب على الإرهاب"، وعملت هذه الإدارة على إسقاط حكم المحاكم الإسلامية، بعد أن ساد الاعتقاد أن عناصر تنظيم القاعدة اتخذوا من الصومال ملاذاً لهم وقاعدة للتدريب العسكري، وهي معلومات رأى كثيرون أنها غير واقعية ومبالغ فيها. غير أن ما شهدته شوارع مقديشيو من حوادث قتل وسحل 16 جندياً وضابطاً أمريكياً في العام 1994، وهو الحدث الذي عجل بانسحاب القوات الأمريكية من الصومال حينذاك، جعل واشنطن لا تخاطر بتجربة التدخل العسكري المباشر مرة أخرى في الصومال، وبدلاً من ذلك أوعزت لأثيوبيا بالتدخل عسكرياً بعد أن دعمتها لوجستياً، ونجحت أثيوبيا بالفعل في إسقاط حكم المحاكم الإسلامية، في ظل صمت غالبية الدول العربية لعجزها، بل وترحيب بعضها بذلك. وهكذا فقد أدى التآمر الدولي إلى القضاء مجدداً على الدولة الصومالية، وشجع أمراء الحرب على الاقتتال وعلى وضع مناطق صومالية متعددة تحت سيطرتهم، مما أدى إلى مزيد من تفتيت الكيان الصومالي.

في هذا السياق العام من الحرب الأهلية والاحتلال الإثيوبي، برزت ظاهرة القرصنة وتفاقمت خطورتها قرب السواحل الصومالية التي تمتد لنحو 3700 كم؛ حيث هاجم القراصنة الصوماليون أكثر من 130 ناقلة وسفينة في العام الماضي، وحصلوا على فدية تصل لأكثر من 30 مليون دولار، وأصبحوا يمثلون خطراً حقيقياً على الملاحة الدولية في منطقة القرن الأفريقي، بعد أن حصلوا على أسلحة وزوارق سريعة الحركة. ولا يستطيع أحد أن يشكك بطبيعة الحال في حقيقة أن تفاقم ظاهرة القرصنة في الصومال هو أحد أعراض فراغ السلطة فيه، وغياب مقومات الدولة ومؤسساتها.

وقد ناقش مجلس الأمن مشكلة القرصنة وأصدر قراره رقم 1838، والذي يدعو فيه دول العالم إلى استخدام كل الوسائل الضرورية لمكافحة أعمال القرصنة قبالة السواحل الصومالية. وتم إرسال قوات بحرية وجوية من دول عدة إلى سواحل الصومال لمواجهة هذه الظاهرة بالفعل، ونجحت هذه القوات في تحجيم عمليات القرصنة لكنها لم تتمكن من القضاء عليها بشكل تام، مما زاد المخاوف من أن يؤدي استمرار هذه الظاهرة إلى اتساع نطاق الإرهاب وتنظيماته بما في ذلك تنظيم القاعدة، وهو ما يفسر تسارع مختلف الأطراف الدولية، ولاسيما بعد انسحاب القوات الأثيوبية في نهاية عام 2008، إلى العمل على استعادة وحدة الصومال وعودة المحاكم الإسلامية ورئيسها إلى الحكم، لإعادة بناء الدولة واستعادة مؤسساتها، وبالتالي سيطرتها على إقليمها البري والبحري والجوي. فجرى في جيبوتي انتخاب الشيخ شريف أحمد رئيساً جديداً للصومال، وقد قوبل ذلك بترحيب كبير من قبل المجتمع الدولي؛ حيث رحب الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومصر والسعودية وهيئة العلماء المسلمين بالحكومة الجديدة. ولا شك في أن عودة المحاكم الإسلامية إلى الحكم بعد عامين من الإطاحة بها بسبب التدخل العسكري الأثيوبي المدعم من الولايات المتحدة، يعني ضمنياً الاعتراف بالإسلاميين (المعتدلين) كقوة سياسية وعسكرية مؤثرة وضرورية لتحقيق الاستقرار المنشود في الصومال.

وعلى الرغم من ذلك لم يجد هذا الانتخاب المستوى نفسه من الترحيب داخل الصومال؛ حيث أعلن تنظيم "حركة شباب المجاهدين" المعارضة، الذي يسيطر على مناطق واسعة من جنوب الصومال رفضه تولي شيخ شريف منصب الرئيس الجديد وتعهد بمقاومته، كما أعلنت فصائل وقوى إسلامية أخرى رفضها لانتخاب الشيخ شريف لرئاسة الصومال. ومن بين هؤلاء الشيخ عبد القادر علي عمر (نائب شريف السابق في قيادة المحاكم الإسلامية)، والذي اعتبر أن الشيخ شريف قد انضم إلى ما أسماه بمجموعة "الردة"، وطالبه بالالتزام بوعوده بتطبيق الشريعة الإسلامية. كما أن جناح أسمرا من تحالف المعارضة الذي يترأسه الشيخ حسن طاهر أويس عارض بدوره هذا الانتخاب. وبالمقابل تعهد قادة الجيش والشرطة (أعداء المحاكم الإسلامية بالأمس) بتأييد الحكومة الصومالية الجديدة، التي أعلنت عن خطة أمنية لدمج مليشيات الفصائل الإسلامية التي انضمت إلى العملية السياسية مع قوات الحكومة.

ومن جانبه قام شيخ شريف باختيار "عمر عبد الرشيد شارمارك" رئيساً للوزراء، وهو نجل ثاني رئيس للصومال عقب حصولها على الاستقلال، ولدى شارمارك علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، فقد درس فيها، ويعتبر -في تقدير البعض- وجهاً مقبولاً محلياً ودولياً لما يتمتع به من سمعة طيبة.
ورغم التفاؤل بإمكانية أن يشهد الصومال مرحلة جديدة من الاستقرار بعد تولي الرئيس الصومالي الجديد وحكومته مهامهم؛ فإنه من الضروري الاعتراف بحقيقة أن هناك تحديات صعبة ومعقدة تواجه الرئيس الجديد لتحقيق هذا الاستقرار المنشود، لعل في مقدمتها: إعادة السلام والاستقرار إلى بلد مزقته الحرب الأهلية طوال قرابة العقدين، وتحقيق المصالحة الوطنية بين مختلف القبائل المتنازعة، ومواجهة الانقسامات والنزاعات العشائرية داخل تجمع المحاكم الإسلامية نفسه، على الرغم من انتماء قادته إلى قبيلة صومالية واحدة وهي "هويا"، وهناك أخيراً وقف التدخلات الإقليمية المتعددة في الشأن الصومالي، وإعادة إعمار هذا البلد وإحكام السيطرة على شواطئه والقضاء على ظاهرة القرصنة المتفشية في مياهه الإقليمية.

وهذه التحديات صعبة ومعقدة بلا شك، لكن مساندة الدول العربية والقوى الدولية والإقليمية للحكومة الجديدة، ووصول الشعب الصومالي إلى حالة من الإرهاق والمعاناة بسبب الحروب الصغيرة بين أمراء الحرب، وتوجهات الإدارة الأمريكية الجديدة، قد تعطي جميعها الأمل في رؤية الضوء في نهاية النفق الصومالي المعتم. والمرجح أن ذلك سيستغرق بعض الوقت، وستسود خلالها فترة من عدم الاستقرار والمواجهات المسلحة، إلى أن يتم إحكام سيطرة الحكومة الجديدة على الأوضاع.

Share