انتخابات لبنان ولجم "الثورة المضادة"

د. بشارة نصار شربل: انتخابات لبنان ولجم "الثورة المضادة"

  • 15 يونيو 2009

مددت نتائج انتخابات "7 يونيو 2009" التي جرت في لبنان التوازن القائم في البلاد وحال انتظار تطوّر الملفات الإقليمية، لكنها نجحت في منع تغيير وجه البلاد، وحالت دون وضعها أمام اختبارات جديدة كان انتصار فريق المعارضة بقيادة "حزب الله" سيأخذها إليها، شاء أم أبى، في السياسة والأمن والاقتصاد والموقع من الصراع في المنطقة.

 خسر فريق "8 آذار/مارس" الانتخابات النيابية؛ فحصل مجتمعاً على 57 مقعداً في مقابل 71 مقعداً لفريق "14 آذار/مارس" المؤلف في شكل أساسي من تحالف "تيار المستقبل" الممثل لغالبية السنة و"الحزب الاشتراكي" الممثل لغالبية الدروز و"القوى المسيحية السيادية" الممثلة لنصف المسيحيين، فيما كانت الهزيمة الأقسى من نصيب الجنرال ميشال عون حليف "حزب الله" والذي انخفضت شعبيته من 70 في المئة لدى المسيحيين إلى أقل من 50 في المئة بقليل، وهي نكسة يُصاب بها مَن ادعى على مدى أربع سنوات وحدانية النطق باسم طائفته في لبنان، وتعززت قناعته بـ"خلاصية" شخصه حين استقبله أحمدي نجاد والمرشد في طهران، وفتحت له سورية قلوب مسؤوليها وفرشت أمامه دروب القديسين المسيحيين. وهو بهذه الصفات جميعها شكل غطاء مسيحياً لـ"التحالف الشيعي" الذي انسحب من حكومة الوفاق الوطني بسبب المحكمة الدولية، وخاض حرب "يوليو 2006"، واحتل وسط بيروت بالخيم والاعتصام، ثم ارتكب غزو بيروت في السابع من مايو 2007، فأنجب "اتفاق الدوحة" الذي فرض انتخاب رئيس وحكومة اتحاد وطني وقانوناً للانتخابات ضغطت المعارضة لإقراره متوهمة بأنها ستحصد الغالبية على أساسه، فكانت النتيجة أن "طابخ السم آكله"؛ لأن حسابات الحقل لم توافق حسابات البيدر.

 يمكن سرد مئات المخالفات التي شابت الانتخابات، لكن هناك إجماعاً في لبنان على أنها جزء من اللعبة التي ارتضاها الفرقاء جميعهم. وإذا كان التزوير المباشر في صناديق الاقتراع شبه معدوم بسبب "توازن الرعب" في مناطق التنافس، التي لم تكن محسومة النتائج؛ فإن استخدام المال السياسي كان واضحاً ولا ميزة فيه لعربي على أعجمي إلا بكمية الأموال وأسلوب دغدغة مصالح الضعفاء. هذا إذا غضضنا النظر عن التضليل الإعلامي وفبركة الإشاعات وعن الخطاب المذهبي أو التخويني أو عن "التكليف الشرعي" المجافي للقانون. وهي وسائل زادت في الانتخابات الأخيرة تأثير "البلوكات الصماء" المعبرة عن مجموعات طائفية أو مذهبية تصب أصواتها للوائح كاملة وبنسبة تتجاوز 90 في المئة من عدد المقترعين فيها. ولم تنجُ "البلوكات" الإثنية من هذه التوجهات؛ فكان اقتراع الأرمن على هذا الأساس، بعدما استُقدم كثير من المهاجرين على نفقة حزبهم الشمولي "حزب الطاشناق".

 لا يعني احتفاظ الغالبية بغالبيتها وبقاء ميزان القوى النيابي ثابتاً أن لا شيء تغير أو سيتغير في لبنان بفعل الانتخابات. على العكس من ذلك، فإن صمود فريق "14 آذار/مارس" في مواقعه على الرغم من الضربات التي تعرض لها والاغتيالات واستعادة دمشق أوراقاً عديدة في لبنان كانت خسرتها بخروج جيشها منه وبوضعها في خانة الاتهام الدولي بعد اغتيال الرئيس الحريري، يعتبر إنجازاً كبيراً سيرخي بظلاله على التوجهات السياسية العامة لمدة أربع سنوات. فالأكثرية لجمت عملياً "الثورة المضادة" التي بدأت تباشيرها بعد عام واحد من انتخابات 2005 التي أتت بـ"14 آذار" إلى السلطة، ومنعتها من استكمال انقلاب حقيقي جربته في محطات عديدة في الشارع خلال السنوات الثلاث الماضية، وكانت تأمل بإنجازه عبر صناديق الاقتراع. وهو انقلاب كان سيأخذ لبنان إلى خيارات إقليمية تحددها دمشق وطهران، وتلحقه "شرعاً" بالمحور الذي جاهدت "القوى السيادية" على الإفلات منه للانطلاق في بناء دولة سيدة ومستقلة تغلق لبنان-الساحة والأداة، لتؤسس لبنان-الدولة، التي تتحمل مسؤولياتها في الصراع العربي-الإسرائيلي بقدر ما تتحمل سائر الدول العربية، والتي تعتبر أن حق اللبنانيين في العيش بعد ثلاثة عقود من الحروب الأهلية-الإقليمية المتناسلة والاضطرابات هو حق أساسي يجب ألا تحجبه شعارات المقاومة الأزلية للاحتلال، ولا أطماع أحمدي نجاد في الاحتفاظ بمنصة متقدمة للحرس الثوري في لبنان، ولا رغبة دمشق المستمرة في اعتبار لبنان ورقة ساخنة في مفاوضاتها لتحقيق السلام.

 أمام اللبنانيين محطتان رئيستان بعد أن أقرَّ الجميع بنتائج الانتخابات وبارك المجتمع الدولي ودمشق وطهران للرئيس ميشال سليمان بنجاح الاستحقاق. واحدة محسومة هي انتخاب رئيس لمجلس النواب، والثانية خاضعة للتفاوض الصعب وهي تشكيل حكومة يتمثل فيها جميع الفرقاء. وتظهر المفارقة جلية في اضطرار الأكثرية إلى انتخاب رئيس حركة "أمل" نبيه بري رئيساً لمجلس النواب. فمقتضيات الوفاق الوطني تتطلب هذا الانتخاب، كون بري واجهة "حزب الله" ويمثل رغبة الأكثرية الشيعية الساحقة في تبوؤ المركز. وهو كأس تفرض مقتضيات الوفاق على الغالبية تجرعه مرة ثانية مع أنها شعرت بمرارته في المرة السابقة حين سار بري في ركاب المعارضة بلا حساب مقفلاً مجلس النواب، بعدما كانت الأكثرية انتخبته لئلا تتهم بالاستئثار لو اختارت واحداً من الأقلية الشيعية في صفوفها ولتمد يد التعاون بغية السير بالبلاد في اتجاه الوفاق، ولتتجنب احتلالاً مسلحاً لبيروت كان سيحصل حتماً لو لم ينتخب لرئاسة البرلمان، ما دام سقط ثلاثة قتلى برصاص ابتهاج محازبيه حين جرى الاقتراع.

 أما المفارقة الثانية فتتمثل في عجز الأكثرية عن تشكيل حكومة خاضعة فقط للموازين النيابية التي أفرزتها الانتخابات. فإعلان السيد حسن نصرالله وحليفه الجنرال عون أن "الأكثرية الشعبية" هي شيء و"الأكثرية النيابية" شيء آخر، كلام غير دستوري، لكنه يؤشر إلى استخدام ميزان قوى يعتمد على القوة في التفاوض على الحصص في السلطة التنفيذية. وهو دليل على عمق الخلاف السياسي الذي لا ينص على "ثلث معطل" تطالب به الأقلية وعلى "حق نقض" تمارسه طائفة من الطوائف.

 إنها معركة سيلعب فيها رئيس الجمهورية دوراً محورياً خصوصاً أن الأكثرية راغبة في إعطائه حصة مرجحة، وأن الأقلية مضطرة للنظر جدياً في هذا الخيار والتواضع في مطالبها بعدما خسرت الانتخابات وخابت آمالها في خفض حصة الرئيس في الحكومة أو تهميشه تمهيداً لتقصير ولايته.

 تشجع أجواء الارتخاء الداخلية في لبنان والكلام الإيجابي عن ضرورة الحوار على التفاؤل في إمكان اجتياز المحطتين بهدوء، ولاسيما أن الأجواء الإقليمية تسير في هذا الاتجاه، وأن علاقات الرياض بدمشق تمر بمرحلة استقرار وتوافق على ضبط الصراع في لبنان في الحدود السلمية. ويترافق ذلك مع تجدد الالتزامات الدولية تجاه الشرعية في لبنان وتحريك باريس خصوصاً اتصالاتها مع دمشق وتذكيرها الدائم بوجوب الوفاء بالتعهدات التي قطعتها لتسهيل عمل الرئيس سليمان، وهي كانت شرطاً لعودة الانفتاح الدولي على سورية، وفتح قنوات الاتصال مع أوروبا والولايات المتحدة على السواء.

 إذا سارت الأمور وفق هذه المعطيات، فيمكن توقع فترة هدوء معقولة في لبنان يتم خلالها تدوير الزوايا في شأن سلاح "حزب الله" من خلال بيان وزاري "متوازن" يمثل رئيس الجمهورية في صوغه بيضة القبان، فيُرحّل هذا الموضوع إلى طاولة حوار جديدة يستغرق تشكيلها وقتاً وتغرق مناقشاتها في لعبة الوقت والنقاش في انتظار تطور ملفين رئيسيين: أولهما الملف النووي الإيراني الذي سيأخذ زخماً جديداً مع نتائج انتخابات الرئاسة في إيران، وثانيهما ملف الصراع العربي-الإسرائيلي الذي وضعه الرئيس أوباما على سكة صحيحة وتسعى أوروبا إلى ترجمة حلول مرحلية له آخذة في الاعتبار كل المشهد المعقد، وعلى رأسه حكومة إسرائيلية يرأسها نتنياهو، ويمثل خارجيتها وزير لم يغير قناعته بـ "الترانسفير".

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات