انتخابات رئاسة الجزائر.. شدّ وجذب بين إصرار العسكر وحراك الشارع

  • 10 ديسمبر 2019

يتوجه نحو 24.5 مليون ناخب جزائري، يوم الخميس المقبل 12 ديسمبر 2019، إلى صناديق الاقتراع لانتخاب الرئيس الثامن للبلاد منذ الاستقلال، وذلك خلفاً للرئيس المستقيل عبدالعزيز بوتفليقة الذي غادر المنصب الأرفع في البلاد، عقب فترة حكم امتدت نحو عشرين عاماً.
شكلت عملية تصويت الجزائريين المقيمين في الخارج، الذين يصل عدد من يحق لهم الانتخاب فيها إلى حوالي 914 ألف ناخب وناخبة، التي انطلقت يوم السبت السابع من ديسمبر ولمدة أسبوع على مستوى البعثات الدبلوماسية والقنصليات، بمثابة «بروفا» للانتخابات داخل البلاد، حيث لم تحظ مراكز التصويت بإقبال مريح وسجلت معظمها نسب مشاركة ضعيفة، وخاصة في فرنسا التي يوجد فيها أكبر عدد من الناخبين الجزائريين في الخارج ويزيد عددهم على 760 ألف ناخب مسجل، وكذلك تونس التي يزيد عدد أفراد الناخبين الجزائريين المقيمين فيها على أكثر من 19 ألف ناخب وناخبة.
وتواجه انتخابات هذا العام التي جاءت بعد مخاض لم يكن يسيراً وزادت من صعوباته عمليات الشد والجذب بين التيارات والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني الأخرى والقيادات الشعبية، وبين أجهزة وشخصيات السلطة التقليدية التي كانت تحاول ولو بشكل خجول ملء كرسي الرئاسة الشاغر عن طريق الإحلال لا الانتخاب، العديد من التحديات، وفي مقدمتها الخوف من نسب مشاركة ضعيفة جداً تضعف من شرعية النتائج، وكذلك استمرار حراك الشارع الذي لم يتوقف منذ شهر فبراير الماضي.
غير أن الضغوط الشعبية التي تزايدت وأصبحت أكثر إلحاحاً عقب إعلان الرئيس السابق تنحيه عن سدة الحكم فرضت نفسها بقوة، حيث تواصلت الاحتجاجات المطالبة بتنحي كل رموز الحرس القديم عن المشهد السياسي وترك المجال للقوى الشابة لصياغة مستقبل جديد للبلاد وبما يمكّن من ضخ دماء جديد في شريان الحياة السياسية الجزائرية، تكون قادرة على الانتقال بالجزائر نحو عصر جديد، وتقديم رؤية مغايرة للارتقاء بها على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كافة.
فعلى الرغم من تنحي بوتفليقة عن الحكم، وتقديم شقيقه سعيد وعدد من المسؤولين السياسيين السابقين المدنيين والعسكريين للمحاكمة بتهم مختلفة، إلا أن الاحتجاجات لم تهدأ ولم يخبُ وهجها، حيث لا يزال المتظاهرون يطالبون المؤسسة العسكرية بتسليم السلطة لحكومة مدنية يختارها الشعب والانتقال بالبلاد نحو نهج ديمقراطي حقيقي، الأمر الذي لا تميل إليه المؤسسة العسكرية.
ويبدو أن كلا الطرفين يحاول اختبار مدى صبر الطرف الآخر وقدرته على الصمود والتمسك برؤيته وهو ما يؤكده خروج حشود كبيرة من الرافضين للانتخابات وفق التصور المطروح إلى شوارع العاصمة «الجزائر» يوم الجمعة الماضي؛ أي قبل الانتخابات بأسبوع واحد، هذا على الصعيد الداخلي، وكذلك تنظيم بعض أفراد الجاليات الجزائرية في الخارج وقفات احتجاجية أمام بعض القنصليات الجزائرية في فرنسا رفضاً للانتخابات بالصيغة الحالية، يقابله على الطرف الآخر تصريحات وزير الداخلية صلاح الدين دحمون الذي وصف المعارضين للانتخابات بأنهم «خونة ومرتزقة ومثليون وبقايا استعمار»، والتي أثارت موجة غضب عارمة عبر مواقع التواصل الاجتماعي في البلاد، حيث وصفها الناشطون بأنها مسيئة للدولة الجزائرية والحراك الشعبي، تضاف إليها إجراءات السلطات الساعية إلى الحد من قدرة الاحتجاجات على الحركة عبر إقامة نقاط تفتيش لا تسمح إلا للسيارات المسجلة في الجزائر العاصمة بالدخول إلى المدينة، وكذلك انتشار عناصر الشرطة بلباس مدني وآخرين من قوات مكافحة الشغب مزودين بخراطيم مياه في وسط العاصمة، خصوصاً في أيام الجمعة.
إذاً فبلد المليون ونصف المليون شهيد، التي يتجاوز عدد سكانها حالياً الـ 42 مليون نسمة من عرقيات وإثنيات مختلفة بينهم أكثر من %25 تحت سن 15 عاماً، تقف الآن على مفترق طرق تاريخي وفي ذاكرتها أحداث يناير 1992 المؤلمة عقب إلغاء الجيش نتائج الانتخابات البرلمانية التي أدخلت البلاد نفقاً من العنف الدامي استمر نحو 9 سنوات وراح ضحيته الآلاف من الأبرياء من المواطنين العزل وأفراد الجيش وقوى الأمن، فضلاً عن الاغتيالات التي راح ضحيتها رؤساء ومسؤولون كبار.
قبل أسبوع من موعد الاقتراع وجمعة أخرى من الاحتجاجات، يتجاذب البلاد تياران متعارضان هما: متظاهرون يطالبون بتغيير سريع وفوري في هيكل النظام، ومؤسسة عسكرية حاكمة تصر على تحجيم الحراك وتسيير الأمور وفقاً لرؤيتها بانتخاب واحد من خمسة مرشحين كلهم محسوبون على الرئيس السابق.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات