انتخابات المجلس الوطني الاتحادي: خطوة باتجاه المستقبل

  • 21 سبتمبر 2011

بصرف النظر عن النتائج التي ستفرزها الانتخابات الثانية لـ "المجلس الوطني الاتحادي"، والتي ستجري في الرابع والعشرين من شهر سبتمبر الجاري، فإنها ستشكل من حيث مضمونها والقواعد والآليات التي تحكمها، خطوة واضحة نحو التقدم باتجاه المستقبل الذي يُراد من خلاله ترسيخ خطوات التنمية الشاملة وتعزيز مشاركة المواطنين في العمل الوطني.

إن الحرص على إجراء الانتخابات يحقق في حد ذاته أهدافاً مهمة لا يغفلها أي مراقب موضوعي، فهي ستساهم بشكل فاعل في تعميق ثقافة المشاركة السياسية؛ لأن أجواء الانتخابات وما يرافقها من طرح برامج للمرشحين وحدوث نقاشات مجتمعية واسعة حول القضايا العامة التي تتضمنها هذه البرامج، كل ذلك من شأنه أن يزيد من الوعي السياسي للمواطنين واهتمامهم بالشأن العام. وهي تمثل وسيلة للتنمية السياسية التي يُراد غرسها في نفوس أفراد الشعب للمشاركة في بناء الوطن والحفاظ على كل مكتسباته التي طالت أربعة عقود من عمر الدولة الاتحادية. إضافة إلى أن إجراء هذه الانتخابات يؤكّد قناعة القيادة السياسية وحرصها على مواصلة هذا الطريق الرشيد الخاص بتمكين المواطنين وتعزيز مشاركتهم في الشأن العام وفق أسلوب تدريجي، يحقق التطور السياسي المجتمعي في ظل الحفاظ على المنجزات الاقتصادية والاجتماعية المتحققة.

وتمثل تجربة الانتخابات الثانية لـ"المجلس الوطني الاتحادي" ترسيخاً لهذه القناعة السامية، وتكريساً لنهج التدرج المحسوب والمستمر باتجاه تعزيز مشاركة المواطنين في الشأن العام، وذلك بالنظر إلى العديد من المؤشرات المهمة التي تميّزها عن الدورة الانتخابية السابقة. أول هذه المؤشرات هو عدد المواطنين المشاركين في الهيئات الانتخابية، فمقارنة مع الدورة السابقة التي لم يتعد عدد المشاركين فيها ستة آلاف و700 مواطن لهم حق الانتخاب والترشح، وصل العدد في هذه الدورة إلى قرابة 130 ألف مواطن، أي إن القاعدة الانتخابية تضاعفت نحو عشرين  ضعفاً مقارنة بالدورة الماضية. وفي ذلك مؤشر واضح على رغبة الحكومة في توسيع المشاركة الشعبية.

المؤشر الثاني، يتعلق بتعزيز فرص مشاركة المرأة في الانتخابات، فبينما وصل عدد المواطنات في الهيئات الانتخابية في الدورة الأولى إلى 1189 مواطنة من أصل 6689 عضواً وبنسبة 17% من العدد الكلي للأعضاء، بلغت نسبة النساء في الهيئات الانتخابية في الدور الثانية نحو 46%. وفي ذلك تأكيد لا يقبل اللبس على حرص القيادة الرشيدة على تفعيل دور المرأة الإماراتية في مسيرة التنمية في المرحلة القادمة.

المؤشر الثالث يرتبط بتفعيل دور الشباب باعتبارهم شريحة فاعلة وأساسية في المجتمع، حيث يمثل الشباب الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً 35% من المجموع الكلي لأعضاء الهيئات الانتخابية، وتعول الحكومة كثيراً على دور هؤلاء الشباب في إنجاح هذه التجربة الانتخابية، مثلما تعول عليهم في إنجاز الخطط التنموية وبناء دولة المستقبل، فهم عماد المجتمع وطاقته الفاعلة.

المؤشر الرابع يتعلق بالدور المهم الذي قامت، وتقوم به، اللجنة الوطنية للانتخابات في رفع مستوى الوعي الشعبي بأهمية هذه الانتخابات وتشجيع أعضاء الهيئات الناخبة على المشاركة والتصويت فيها، فقد رفعت اللجنة شعار "صوتك أمانة.. مشاركتك واجب"، ونشرت في وسائل الإعلامية المحلية المختلفة إعلانات لتعريف الناخبين بأماكن مراكز الاقتراع وشروط التصويت وآلياته، وتدريب الناخبين على التصويت الإلكتروني حيث تم وضع 25 حاسوباً في 11 مركزاً تجارياً على مستوى الدولة لهذا الغرض.

والأمر الآخر المهم الذي يميز هذه الانتخابات، هو ما عكسته من وعي المرشحين، الذين بلغ عددهم أكثر من 450 مرشحاً، والذي ظهر جلياً في التفاعل مع القضايا التي تمس حاجات المواطنين، حيث ركزت برامجهم الانتخابية على العديد من القضايا المجتمعية المهمة مثل الرعاية الصحية، وتوظيف المواطنين، والارتقاء بمستوى المعيشة، ومعالجة خلل التركيبة السكانية، وتحسين أوضاع المتقاعدين، ومعالجة القضايا الاجتماعية المتعلقة بالمطلقات والأرامل والمتزوجات من غير المواطنين، ودعم مشاريع الشباب..إلخ. كما نظم العديد من المرشحين حملات انتخابية، وعقد بعضهم مؤتمرات صحفية بالفنادق الكبرى، وهو ما أنتج حراكاً مهماً في المجتمع، الذي تركز حديثه على هذه التجربة الانتخابية المتميزة.

ومن خلال متابعة هذه الحملات الانتخابية، يخرج المرء بانطباع لافت، وهو الحرص الحقيقي من جانب المرشحين والناخبين على إنجاح هذه التجربة، فالمرشحون غلب عليهم هدف واحد، وهو السعي الدؤوب لطرح برامج عملية يمكن من خلالها تحقيق إنجازات محددة دون الدخول في الشعارات الرنانة غير الواقعية، التي قد تأتي في المستقبل بنتائج عكسية تتمثل في إضعاف رغبة أفراد الشعب الكبيرة في المشاركة بالدورات الانتخابية، ولاسيما إذا كان الفارق بين الشعار والتطبيق شاسعاً أو كان الهدف غامضاً. أما الناخبون فقد دخلوا في حوارات جانبية حول برامج المرشحين، وهذا الحوار أنتج ترشيداً في سقف الطموحات التي يجب أن يلتزم بها المرشح، كما أرسى قناعات لدى الطرفين بأن المطالب لابد أن يقيّدها واقع المجتمع حتى يمكن تحقيق ما نصبو إليه من خلال البرلمان.

من المؤشرات الإيجابية في هذه الانتخابات أيضاً بروز عنصر التحدي الإيجابي لتحقيق الفوز في هذه الانتخابات من خلال قنوات الدعاية التي انتشر عملها في المجتمع، حيث سعى كثيرون إلى الدخول في معارك انتخابية حامية من أجل الحصول على شرف الترشح، حتى وإن كانوا يدركون أن فرصهم في تحقيق الفوز ضئيلة، ففي شرف المحاولة غناء من عناء الفوز.

والأمر اللافت في هذه الحملات الانتخابية هو بعدها عن حالة الصخب التي تصاحب عادة الحملات الانتخابية في معظم المجتمعات التي تمضي قدماً في هذا النهج، وهذا الأمر يعود في جانب منه إلى طبيعة المجتمع الإماراتي التي تركن إلى العمل بهدوء والإنجاز في صمت، وهو أمر ليس سلبياً بطبيعة الحال، فالعملية الديمقراطية لا تقاس بمدى علو الضجيج الصادر من الحوارات البينية أو الشعارات والبرامج الصارخة والمطالب الخالية من المضمون الحقيقي الذي يمس الواقع الفعلي لأي مجتمع. فهذا ما تجنبه المجتمع الانتخابي بالدولة، الذي آثر العمل في صمت، من دون أن يعني ذلك توقف الحملات الانتخابية أو الحملات الإعلامية التي تشجع الناخبين على المشاركة في التصويت بهذه الانتخابات، والتي أثمرت تزايداً ملحوظاً في اهتمام الرأي العام بهذه التجربة الانتخابية، فالشأن الانتخابي لم يعد أمراً يخص المرشح والناخب فقط، بل انتقل إلى جميع أفراد الأسر بالإمارات، فالآباء والأمهات والأبناء دخلوا على هذا الخط، ما يعني زيادة درجة الوعي المجتمعي بأهمية هذه الدورة الانتخابية الموسعة.

ورغم كل هذه المؤشرات الإيجابية التي تؤكد أننا نقف على أرضية صلبة من الناحية السياسية، فإن هناك بعض المآخذ على الحملات الانتخابية للمرشحين، لعل أبرزها ما تعكسه هذه الحملات في بعض الأحيان من عدم وعي بحدود الاختصاصات المتعلقة بأعمال الحكومة وتلك المتعلقة بدور المجلس الوطني وفق ما ينص عليه دستور الدولة وقوانينها.

إن الدورة الحالية لانتخابات "المجلس الوطني الاتحادي" تمثل عرساً سياسياً واجتماعياً لمجتمع الإمارات، وخطوة مهمة على طريق تفعيل المشاركة الشعبية في الشأن العام، ويجب على الجميع، ناخبين ومرشحين وأفراد مجتمع، أن يساهموا في إخراج هذا العرس بأبهى صورة تليق بمكانة دولتنا الحبيبة، فصوت الناخب أمانة ودور المرشَّح تكليف وطني، وليس فقط تشريفاً ووجاهة، ومشاركة كل من له حق التصويت والترشيح في مرحلة التمكين واجب وطني، فمن يتمّه على أكمل وجه يجد حصاده في الدورات الانتخابية المقبلة، ويساهم فعله الإيجابي بالدفع قدماً نحو تعميق هذا النهج الذي خرج للنور بقناعة راسخة من القيادة الرشيدة والتزام بعدم التراجع عنه، بل التخطيط لتوسيع المشاركة الشعبية في المستقبل أكثر وأكثر. والنتائج التي ستفرزها انتخابات السبت القادم (24 سبتمبر) سيكون لها دور في دعم قناعة القيادة السياسية للدولة بترسيخ هذا الاتجاه. فعلى كل المواطنين أداء هذا الدور الحيوي لصالح الوطن في اختيار الأنسب لمستقبله، لاستكمال كل أركان الديمقراطية المنشودة والمناسبة لتطلعات شعب الإمارات.

Share