انتخابات الرئاسة الفرنسية: هل تكون نقطة تحول لأوروبا؟

  • 26 أبريل 2012

في السادس من مايو المقبل، سيواجه الناخبون الفرنسيون لحظة حرجة تتطلب الاختيار بين مرشحين رئاسيين بتوجهات مختلفة تماماً؛ ساركوزي وفرانسوا هولاند. وإذا نظرنا إلى ما وراء هاتين الشخصيتين، فإن الانتخابات الرئاسية الفرنسية الحالية تكاد تكون استفتاء على سياسة التقشف في الاتحاد الأوروبي، وبناء على نتيجتها سيتم تحديد الخطوات اللاحقة لمعالجة الأزمات الاقتصادية التي تعصف بأوروبا. وعلى وجه التحديد، فإن هذه الانتخابات ستحدد ما إذا كانت فرنسا ستقود مسيرة العودة إلى المسار الاشتراكي التقليدي في الإنفاق العام عبر التركيز على خلق الوظائف للخروج من الركود الاقتصادي، أو ستلتزم بشعار منطقة اليورو لتخفيف الديون باعتباره أفضل طريق للانتعاش الاقتصادي.

إن المعركة بين المرشحين الفرنسيين، اللذين يبلغ عمر كل منهما 57 عاماً، مهمة من وجهة نظر أخرى. ففوز هولاند سيكون لحظة نادرة تجعل منه أول رئيس يساري لفرنسا منذ فرانسوا ميتيران. وهذا قد يشكل نقطة تحول في السياسة الأوروبية، التي شهدت ميلاً نحو اليمين في السنوات الأخيرة، بل إن هذا الميل ظهر أيضاً في الجولة الأولى من الانتخابات الحالية، وتجسد في الأداء القوي والنتائج اللافتة التي حققتها المرشحة مارين لوبان، رئيسة حزب الجبهة الوطنية اليميني المتشدد في فرنسا. وبالنظر إلى الأرقام، فإن نتيجة الجولة الثانية من الانتخابات في السادس من مايو ستتوقف على ما إذا كان اليمين المتطرف سيدعم ساركوزي، أو هولاند الذي يمثل الاتجاه اليساري.

من منظور الاتحاد الأوروبي، فإن انتصار هولاند سيعني في أحد أبعاده رفضاً شعبياً للسياسة الأوروبية المشتركة التي انتهجها ساركوزي في مجال الاقتصاد بالتنسيق والتعاون الكامل مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والتي باتت تعرف باسم "ميركوزي". ونظراً لوقوع اليونان في أزمة مالية صعبة منذ أكثر من عامين، وتبعتها أيرلندا، ثم البرتغال، فقد فرضت منطقة اليورو سياسة مالية صارمة لإصلاح الأوضاع المالية والإنفاق العام في الدول الغارقة بالديون. وركزت هذه السياسة التي تبناها كل من ساركوزي وميركل على ضرورة تقليص الإنفاق العام والميزانية عبر تطبيق سياسة التقشف في دول منطقة اليورو وعددها 17 دولة، ولكن هذه الدعوة أحدثت انقساماً بين زعماء الاتحاد الأوروبي.

هذه السياسة المالية قد يُؤخر تطبيقها، وربما تُلغى إذا خسر ساركوزي كرسي الرئاسة. وبعبارة أخرى، فإن التصويت ضد ساركوزي سيُفهم على أنه تصويت ضد سياسة تقليص الإنفاق الحكومي؛ حيث يقول منتقدو سياسة ميركوزي إن هذه السياسة التقشفية سببت آلاماً، وقيدت النمو، ودفعت الناس إلى التظاهر في الشوارع في عدة دول في مختلف أنحاء أوروبا. من جانبه يعارض هولاند أي سياسة ترتكز على التقشف فقط، وهو وجّه بالفعل نداءات لإعادة التفاوض بشأن اتفاق تقليص ميزانيات دول الاتحاد الأوروبي، بحيث يتضمن مواد حول خلق الوظائف وتحفيز النمو.

في تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية، ذكر محرر قسم أوروبا في الصحيفة، إيان تراينور، أن الألمان ربما يكونون شعروا بأنهم قد نجحوا بالفعل في وضع الشروط والأدوات المناسبة لمعالجة أزمة الديون الأوروبية. ولكن خلال المناورات السياسية التي واكبت الحملة التي أطلقت لإنقاذ اليورو، ظهرت ردود فعل عكسية ضد وصفة التقشف التي قدمتها برلين، في إسبانيا وإيطاليا، وفي صندوق النقد الدولي، وفي المفوضية الأوروبية. وفوز هولاند سيقوي هذا الاتجاه.

من جانب آخر يريد ساركوزي من ناخبيه أن يصدقوا أن قيادته كانت شديدة الأهمية وناجحة في إدارة أصعب أزمة مر بها الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة، وأنه نجح في تجنيب فرنسا الوصول إلى ما آلت إليه أحوال الدول الأخرى مثل اليونان وأيرلندا والبرتغال، والتي أصبحت مضطرة لطلب المساعدات الدولية من أجل الخروج من هذه الأزمة وتقليص تبعاتها. وسيفعل ساركوزي كل ما في وسعه لكي يبرهن على أن المسار الذي سلكه بالتعاون مع ميركل، قد خفف المخاطر التي تهدد بانهيار اليورو، وأنه حالما تتوقف أوروبا أو تتأخر في معالجة الأزمة الراهنة من خلال تقليص الإنفاق العام وتقليل العجز، فإن فرنسا ستعاني مثل الاقتصادات الأوروبية الأخرى المضطربة.

وخلال كفاحه ضد محاولات إزاحته من منصبه، هاجم ساركوزي منافسه وأطلق تحذيراً من أن فوز هولاند سيشعل سباق مضاربات في الأسواق المالية الأمر الذي قد يعرض البلاد للدخول في حالة فوضى. ولكن هولاند رد على هذا التصريح بأنه لا يعني أي شيء سوى أن ساركوزي يحاول إثارة الذعر في أسواق المال لكي يضمن إعادة انتخابه.

في المقابل، انصبّ تركيز حملة هولاند على إعادة التفاوض حول الاتفاقية الأوروبية الجديدة بحيث تتضمن فقرات وأحكاماً بشأن فرص العمل والنمو للمساعدة في إخراج الاقتصادات الأوروبية المثقلة بالديون من الركود. وبالنسبة له، فإن النجاح في الانتخابات سيعتمد على إقناع الناخبين بأن عودة ساركوزي إلى الحكم ستعني مزيداً من سياسات التقشف التي تتبعها فرنسا وألمانيا، والتي جاءت فعلاً بنتائج عكسية. وقد قال هولاند بعد فوزه في الجولة الأولى: "إن واجبي الأكبر، وأنا أعلم أن العالم الخارجي يراقبني، هو وضع أوروبا مرة أخرى على طريق النمو وخلق فرص العمل".

ومن المرجح أن يكون المصرف المركزي الأوروبي (ECB) عنصراً آخر في الخلاف بين المرشحَين، ومن المرجح أن يكون خلافاً له تداعيات أوسع على أوروبا. فقد أوضح هولاند أن على المصرف المركزي الأوروبي أن يؤدي دوراً مختلفاً تماماً، يقوم على تقديم القروض مباشرة إلى دول منطقة اليورو المتعثّرة بدلاً من تقديمها للمصارف. وهذا الموقف، يمثل تحدياً للاتفاقية المالية التي اقترحتها ميركل، والتي وافق عليها، على مضض، 25 من قادة الاتحاد الأوروبي في مارس الماضي، والآن تجري المصادقة عليها. لكن هولاند، تعهد بألا تصادق فرنسا على هذه الاتفاقية في حال فوزه. ومثل هذا الأمر يجعل المحللين يعتقدون أن حدوث مواجهة مع ميركل أمر لا مفرّ منه، إذا فاز هولاند في انتخابات الرئاسة الفرنسية، حيث تعارض ألمانيا توسيع دور المصرف المركزي الأوروبي أو تغيير طبيعة دوره على هذا النحو.

من جهة أخرى، يرى بعض المحللين أنه حتى إذا جاء رئيس جديد لفرنسا، فإنه لن يفعل شيئا يذكر لمعالجة ما تعانيه أوروبا من أزمة ديون وتراجع اقتصادي منذ فترة طويلة. ووفقاً لهذه المدرسة الفكرية، لن يتغير الكثير أيّاً كانت نتيجة الانتخابات؛ لأن السياسة الفرنسية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالسياسة الأوروبية. بل إن هناك من المراقبين السياسيين من يرى أن القواسم المشتركة بين ميركل وهولاند أكثر مما هي بين ميركل وساركوزي. فكلاهما حذِرٌ ووسطيّ في مواقفه، ويتجنب المخاطرة وغير استعراضي بطبعه.

سيكون الوضع الاقتصادي الفرنسي عاملاً مهماً في هذه الانتخابات، لأن البطالة في فرنسا قضية رئيسية، حيث يبلغ معدلها نحو 10%، وهو المعدل الأعلى منذ 13 عاماً. كما أن هذه الانتخابات ستدور أيضاً حول كيفية السيطرة على الدَّين العام الذي بلغ نحو 90% من الناتج الإجمالي المحلي، مرتفعاً من 64% في عام 2007 عندما جاء ساركوزي إلى السلطة. وقد تم تخفيض التصنيف الائتماني لفرنسا من مستوى (AAA)، وهي تواجه الآن مهمة ضخمة تتمثل معالجة أوضاعها المالية وإصلاح ماليتها العامة، وقد وعد كلا المرشحين بالتصدي لهذه المشكلة في الولاية الرئاسية المقبلة.

فرنسا ليست فقط ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، بل هي أيضاً دولة رفاهية تتسم بالسخاء؛ حيث تتمتع بأحد أعلى مستويات الإنفاق العام في أوروبا الغربية. لذلك من غير المرجّح أن يتم كسب الأصوات من خلال التبشير بالصرامة وخفض الميزانية، حتى إذا كانت البلاد تتعرض لخطر ارتفاع الديون لمستويات يصعب تحمّلها. وأياً كان اتجاه الأحداث، فهذه الانتخابات ستكون تصويتاً لصالح التقشف أو ضده، في قارة تعاني البطالة والركود الاقتصادي. إن أي تصويت محتمل لإحداث تغيير في فرنسا قد يشكّل نقطة تحوّل لأوروبا، ومن المرجّح أن يحدث ذلك تأثيراً في جميع أنحاء العالم.

Share