اليمن وتحدي التخلص من تنظيم "القاعدة"

  • 23 مايو 2012

دلّت العملية الانتحارية في ميدان السبعين في العاصمة اليمنية صنعاء يوم 21 مايو الحالي، وحصيلتها الدموية الثقيلة في صفوف الجيش اليمني (96 قتيلاً)، على مدى اختراق تنظيم "القاعدة" للنسيج الأمني والاجتماعي في اليمن. فهذا التنظيم لم يدبّر تلك العملية ثأراً من الحرب عليه في "أَبيَن" ومن مشاركة الأمريكيين فيهاً فحسب، بل قام بها ليؤكّد تصميمه على التمسك باليمن بديلاً عن أفغانستان. لكن الفارق أن جيش "طالبان" الذي كان يحتضن "القاعدة" كان يتماهى معها في الأساليب والأهداف، أما في اليمن فقد دخل هذا التنظيم في حرب مفتوحة مع الجيش الوطني، ووحّد الدولة والمجتمع ضدّه.

وتشير التغييرات التي أجراها الرئيس اليمني الجديد في جهاز الأمن المركزي رداً على هذه العملية الإرهابية إلى اهتزاز الثقة بمن كانوا يتولّون القيادة، وأيضاً إلى وجود تقصير استخباري فادح وعلاقات مشتبه بها بين عسكريين و"قاعديين". ولعل التطورات الأخيرة أكدت أن مقاربة النظام اليمني السابق لمشكلة "القاعدة" كانت ملتبسة، وأن الشكوك فيها كانت مبررة؛ إذ غضّ النظر في البداية عن تغلغلها، ثم راح يستخدمها، ومع ازدياد الضغوط اضطر لتوجيه ضربات متقطعة وعشوائية إليها، لكنه لم يتخذ في أي مرحلة قراراً باقتلاعها، ما يفسّر "تعايشها" معه. وبذلك ساهم في تمكينها فانتقلت من حال اللجوء إلى حال الإقامة، وتحوّلت في غضون أعوام منافساً يتحدّى النظام والدولة والجيش، بل أصبحت "قضية داخلية" أسوة بالحوثيين و"الحراك الجنوبي". ومع انتشارها في أربع محافظات، وزرعها خلايا في مختلف المناطق، صارت تدّعي الحق في الدفاع عن وجودها. وبعدما استغلّت إلى أقصى حدّ مناخ الأزمة السياسية طوال 2011، رأت أن تستغلّ أيضاً المرحلة الانتقالية لتعزيز وجودها والإعلان عن نفسها.

من بين الأولويات الكثيرة والملحّة أمام الحكم الجديد في اليمن، فرضت الحرب على تنظيم "القاعدة" نفسها على الرئيس اليمني الجديد وحكومته، ولاسيما بعد هذه العملية الإرهابية الأخيرة. وعلى الرغم من المتطلبات العاجلة لتحسين الخدمات والظروف المعيشية لليمنيين، بعد معاناة طويلة وأزمة سياسية دامت أكثر من عام، يبدو أن الشركاء العرب والدوليين والدول المانحة أرادوا أن يختبروا التزام جميع الأطراف بشروط خطة الانتقال السلمي للسلطة قبل أن يجددوا التزاماتهم للمساعدة في مشروعات التنمية المختلفة. فالمؤتمران اللذان كانا مبرمجين لهذه الأطراف خلال الشهرين الأخيرين لم يعقدا، واستعيض عنهما بمساعدات عاجلة لدفع عجلة الحكم الجديد مقابل أن يُظهر حزماً وجدية في إشاعة الاستقرار الأمني.

كان فرع "القاعدة"، الذي بات يُعرف باسم "جماعة أنصار الشريعة"، هو الذي بادر إلى إشعال الحرب سعياً منه إلى تثبيت وجوده في محافظتي أبين وشبوة، بالإضافة إلى انتشاره في معظم أنحاء الجنوب والوسط اليمنيين، حتى إنه حاول أخيراً الوصول إلى محافظة تعز. كان التنظيم قد استغلّ انشغال قيادة النظام السابق بأزمتها مع الحراك الشعبي المطالب برحيلها، فزاد عديده بتعزيز علاقاته مع القبائل التي احتضنته وبعناصر مستقدمة من الخارج، ثم تحرك من مخابئه الجبلية للمرة الأولى منذ تغلغله داخل اليمن ليتمدد نحو المدن حتى تمكن من السيطرة على زنجبار عاصمة محافظة أبين، وتركز أيضاً في جعار ولودر. وفي مختلف المراحل ترافقت عملياته مع جدل داخلي مستهجن ترْك الحاميات الحكومية محاصرة وفريسة سهلة لهجماته، ومتّهم النظام السابق بـ "التواطؤ" مع الإرهابيين ومهادنتهم كجزء من لعبة الصراع على السلطة ومساومة الأطراف الخارجية لترضى بمعادلة الحفاظ على النظام للحفاظ على الاستقرار. لكن كانت لتلك الأطراف شكوكها في التباسات تعاون النظام في مكافحة الإرهاب، كما في اعتماده المزمن على التوتير الأمني وسيلة للسيطرة والحكم.

لا شك في أن الهجمات الأولى التي نفذها التنظيم غداة انتخاب الرئيس عبد ربه منصور هادي سارعت في تثبيت "القاعدة" عدواً ينبغي القضاء عليه مهما تبلغ تكلفة هذا الخيار؛ إذ إن خسائر الجيش وأفراده الذين احتجزوا كرهائن وثكنه المحاصرة وتهديدات التنظيم الإرهابي بزعزعة الأمن في عموم البلاد فرضت ضرورة التخلص منه كـ"أولوية وطنية" لازمة وضرورية لدعم إنجاح المراحل التالية من الانتقال الديمقراطي. لذلك تبدو الحملة الحالية كأنها خطوة أولى جدية ومصممة على تحقيق الهدف حتى لو كانت المعركة طويلة، لكن التأخر في شنّها يُعزى خصوصاً إلى أن تغيير الوجوه القيادية التي عملت تحت إمرة النظام السابق كان أمراً حتمياً، ليس فقط تنفيذاً لاتفاق نقل السلطة وفقاً للمبادرة الخليجية وما نص عليه من إعادة هيكلة للمؤسسة العسكرية–الأمنية، وإنما بالأخص لتفعيل العمل الاستخباري سعياً إلى أداء أكثر شفافية كما أفادت صحف أمريكية.

هناك أكثر من عنصر جديد في الحملة الراهنة. فهي، أولاً، مختلفة كمّاً ونوعاً؛ إذ حشد لها نحو عشرين ألف جندي. كما أنها، ثانياً، رُفدت بمقاتلين من القبائل المحلية يشار إليهم باسم "لجان المقاومة الشعبية"، وهذا في حد ذاته يشجع سائر القبائل على مراجعة مرتكزات علاقاتها مع "جماعة أنصار الشريعة"، وبالتالي سحب تأييدها لأساليبها العنفية والإرهابية ورفض قتالها ضد الجيش الوطني. ثالثاً، هناك حضور أمريكي مباشر في التخطيط وفي مواكبة العمليات العسكرية، كما أنهم أرسلوا أعداداً كبيرة من المدرّبين، ما يدلّ على أن أحداً لا يعتقد أنها ستكون حملة قصيرة الأمد، ويُضاف إلى ذلك تكثيف الغارات بطائرات من دون طيار التي أفقدت قادة القاعديين الشعور بالأمان الذي تمتعوا به طوال الشهور الماضية. لكن هذه الهجمات أدت إلى سقوط عدد كبير من المدنيين، إما لتغلغل عناصر "القاعدة" في مناطقهم السكنية أو نتيجة معلومات استخبارية غير دقيقة. والأهم بحسب العديد من المراجع أن هناك تصميماً على إنجاز المهمة، وهي إخراج "أنصار الشريعة" من محافظة أبين ومواصلة مطاردتهم في شبوة؛ حيث اختاروا مدينة عزان، وأعلنوها "إمارة إسلامية" مستفيدين من عزلتها الجغرافية، وبالتالي عزلتها عن الدولة، وارتبطوا بالقبائل التي تقطنها وتعاني من الفقر والإهمال، ولعلها وجدت في لجوء "القاعدة" وأموالها إليها فرصة انتعاش غير مسبوقة.

غدا الخلاص من خطر "القاعدة" ووجودها متلازماً مع السير باليمن إلى التصالح مع نفسه والانكباب على إنشاء مؤسساته الجديدة، بعد الأزمة الصعبة التي مرّ بها. لكن التحدي صعب وكبير؛ لأن هذا التنظيم استطاع أن يحقق نسبة مهمة من التجذّر والانتشار في الداخل بدليل الهجمات التي ينفذها في صنعاء وسواها كتفجير أنبوب للغاز مار بشبوة. ثم إنه بات يشكل التهديد الأول في الخارج بعد محاولات عدة للقيام بتفجيرات، سواء بابتكاره العبوات غير المعدنية التي يصعب كشفها بالأجهزة الليزرية والإلكترونية، أو قنابل الملابس الداخلية، أو الطرود المفخخة. ولا شك أن العملية التي أحبطت أخيراً بفضل "العميل المزدوج" تشكل ضربة نوعية للتنظيم، إلا أنها في الوقت نفسه تزيد المخاوف والشكوك لدى الأجهزة الأمنية، خصوصاً أن المعلومات لا تزال ترجّح أن الفرع اليمني لـ "القاعدة" بات مكلفاً بالعمليات الخارجية، وقد يكون هناك قاعديون كامنون في خلايا نائمة وينتظرون تنشيطهم. ونظراً إلى الوضع اللوجيستي والعملياتي الذي استثمرت "القاعدة" كثيراً لبنائه في اليمن، فإنها ستقاتل بشراسة دفاعاً عن هذا المعقل الثمين. وهو ما يُستدلّ عليه من ظهور زعيمها أيمن الظواهري لمخاطبة اليمنيين وحضّهم على مناصرة "القاعدة"، ظناً منه أنها صارت حالة شعبية مقبولة.

وفيما تفيد الأنباء أن الجيش اليمني يحقق تقدماً، تجدر الملاحظة بأنه مدعو هذه المرة إلى تحصين المواقع التي يستعيدها لمنع عودة القاعديين إليها، ووضع حد لتكرار تعرضهم لثكنه وأفراده، وكذلك لمعنوياته، ومع كل خطوة يخطوها لتحقيق الهدف ينبغي أن تكون هناك مواكبة سياسية. فالحل الأمني لن يجدي وحده بل يتطلب إشعار مناطق المعاناة وأهلها بأنهم لن يُتركوا ثانيةً فريسة للإرهاب، وأن الدولة عازمة على العودة بمقاربة تنموية واضحة المعالم والأهداف. كما أن المعركة ضد "القاعدة"، وهي ستطول طبعاً، ستكون أكثر فاعلية إذا رافقها تقدم مطّرد في عملية الانتقال الديمقراطي التي تفترض القيام بالخطوات المطلوبة على طريق مصالحة وطنية أو على الأقل شق الطريق إلى توافق أوليّ على حل مختلف مشكلات البلد بالحوار، طالما أن رأس الحكم السابق تنحّى وهو كان يعطّل الحوار لتغليب ابتزازاته للأطراف كافة.

Share