اليابان وخيار التوازن الواقعي الجديد في آسيا

  • 11 يونيو 2020

نشرت «ناشونال إنترست»، تحليلاً كتبه، تود رويال، المؤلف والاستشاري المتخصص في تقييم التهديدات العالمية، وتطوير الطاقة، وسياسات النفط والغاز والموارد المتجددة، تناول فيه التنافس الأمريكي- الصيني في جنوب شرقي آسيا، وكيفية احتواء المساعي الصينية الهادفة إلى تكريس نفوذ بكين في هذه المنطقة.

لم تعتقد القيادة الصينية في بكين أن فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) كان يمثل تهديداً أو قضية ملحةً حتى تاريخ 20 يناير 2020، وهو التاريخ الذي اعترفت فيه السلطات الصينية بإمكانية انتقال العدوى من شخص إلى آخر، وفقاً لدائرة البحوث التابعة للكونغرس الأمريكي. وقد تزامن تفشي جائحة (كوفيد-19) في العالم مع زيادة الانقسامات داخل إدارة الرئيس الصيني شي جين بينغ، ويعتقد بعض المحللين أنه من الممكن أن تظهر انقسامات كبيرة داخل القيادة العليا للصين.

لطالما كان أمن الدولة هدفاً سياسياً وثقافياً واجتماعياً للصين منذ أن بدأ ماو تسي تونغ إرساء هذه السياسة كركيزة للتحركات التوسعية المثيرة للقلق في بحر الصين الجنوبي، وقد رصدت الصور التي التقطتها الأقمار الصناعية التجارية طائرات عسكرية صينية تابعة للقوات الجوية البحرية لجيش التحرير الشعبي الصيني في منتصف مايو قبالة جزر سبراتلي المتنازع عليها، وكانت هذه الطائرات محمولة على متن طائرة الشحن العسكري (Y-8)، التي أُشير إليها في عناوين الأخبار بهبوط طائرات الدوريات البحرية KJ-200 في شعاب «فيري كروس» في 3 مايو، وهبوط قاذفات القنابل من طراز H-6K 2018 في جزيرة «وودي».

وقد ظلت بكين لسنوات طويلة، كما يؤكد تود رويال، تؤكد أن الجزر الاصطناعية في بحر الصين الجنوبي لن تشكل أبداً تهديداً للحقوق التجارية أو السيادية لجيرانها مثل فيتنام والفلبين، ويبدو أن تعزيز «المطالب البحرية (الصينية) الكاسحة» سيكون هو الواقع الجديد ما لم يتصدَّ العالم له، ويقول رويال إنه وحتى في الشؤون الخارجية، فقد تجاهل الدبلوماسيون الصينيون، الذين يُطلق عليهم «الذئاب المحاربون» هذه التهديدات الناشئة خلال أزمة فيروس كورونا. وتؤكد الطبعة الأمريكية من صحيفة «وول ستريت جورنال» أن «احتواء الصين سيكون عملية معقدة وصعبة»، ولكنه ضروري للحفاظ على الرخاء والأمن العالميين.

ولا شك أن هذه السياسات الصينية، وكذلك العسكرة المتزايدة للقوة الناعمة والخشنة، التي تشمل بحر الصين الجنوبي، لها تداعيات واسعة النطاق على الدول الآسيوية والولايات المتحدة، التي تتعافى من فيروس كورونا، وربما تُحوَّل المخصصات المالية التي رُصدت لاحتواء فيروس كورونا إلى الميزانيات العسكرية في محاولة لمواجهة التوسع الصيني.

والخيار الواضح لتحقيق توازن واقعي ضد بكين هو استخدام الأسطول السابع للولايات المتحدة أو تبنّي نهج القوة الناعمة، وخير مثال على ذلك سعي واشنطن إلى فك ارتباط الصين بسلاسل الإمداد العالمية. وتشمل الخيارات الواقعية الأخرى استئثار الهند بدور أكبر لأن الصين تخشى قيام تحالف جديد بين الهند والولايات المتحدة في إطار استراتيجية واشنطن في منطقة المحيطين الهندي والهادي، ولاسيما في ظل احتدام الخلافات بين الدولتين الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم حول إقليم التبت، والتعاون الأمني بين الصين وباكستان، والتجارة، والأوضاع الجيوسياسية في جنوب آسيا، والقارة الآسيوية برمتها.

ونادراً ما تذكر التهديدات المتصورة – حقيقية كانت أو وهمية – بشأن الخيارات التي قد تطرحها الحرب الباردة الجديدة التي تلوح في الأفق بين الصين والولايات المتحدة؛ لكن الصعود العسكري الوديع لليابان يعد شكلاً من أشكال التوازن والخيارات الواقعية التي ينبغي التفكير في استخدامها بما يحول دون اللجوء إلى القوة الخشنة.

يمكن لليابان القوية عسكرياً أن تتصدى للصين بطرق لا يمكن تخيلها؛ فصورة الصين العالمية مشوهة في الوقت الراهن، وبدأت تخسر القضية التي تروج لها في العواصم العالمية بأنه لم يكن لبكين يدٌ في تفشي فيروس كورونا، ويُحطِّم ارتفاع معدلات البطالة الميثاق الاجتماعي المعقود بين الحزب الشيوعي الصيني والمواطنين الصينيين، وبدأت النخب الصينية تشكك علانية في نموذج القيادة الاستبدادي الذي يمثله الرئيس الصيني.

ويبدو أن الصراع بين الصين والعالم قادم لا محالة، خاصة في آسيا، ويمكن لليابان إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية، وإعادة توجيه السياسات الأمنية والاقتصادية إذا أخذت على عاتقها دوراً أكبر إلى جانب الولايات المتحدة، التي تجمع ببراعة بين القوة الناعمة والقوة العسكرية الخشنة، ولذا، ينبغي لصناع السياسات في اليابان أن يتأهبوا لمواجهة عداء أكبر.

إلى ذلك، كتب هو شي جين، رئيس تحرير صحيفة «غلوبال تايمز»، وهي صحيفة ناطقة باللغة الإنجليزية يديرها الحزب الشيوعي الصيني، في 8 مايو، الماضي مقالاً قال فيه إن الصين تحتاج إلى زيادة ترسانتها الحالية من الرؤوس الحربية النووية من 260 إلى 1000.

ويمكن للولايات المتحدة أن تستغل حالة الغضب المتولدة عن طموحات الصين في بحر الصين الجنوبي، بينما يمكن لليابان أن تضع حداً للهيمنة الصينية وتؤجج المشاعر المعادية للحزب الشيوعي الصيني في آسيا. وقد قال رئيس الوزراء شينزو آبي أمام البرلمان الياباني، في مطلع شهر إبريل الماضي: «كانت جائحة فيروس كورونا «كوفيد-19» الأزمة الأكبر التي تواجهنا منذ الحرب العالمية الثانية». ومن ثم فإن البرلمان الياباني: «اعتمد ميزانية دفاعية بقيمة 46.3 مليار دولار أمريكي لشراء صواريخ فرط صوتية جديدة مضادة للسفن، وترقية المروحيات التي ستسمح بحمل المقاتلات من طراز (F-35B) التي تنتجها شركة لوكهيد مارتن».

وقد يقلب الصاروخ الفرط صوتي الياباني الجديد الموازين في الحرب المحتملة بين الولايات المتحدة والصين، وكذلك في مواجهة السياسات الصينية التي تركز على آسيا؛ إذ صُمم الصاروخ للتصدي لحاملات الطائرات الصينية في بحرَي الصين الشرقي والجنوبي، وقد طورت مؤسسة الدفاع اليابانية هذا الصاروخ من أجل الانطلاق بسرعة عالية وتتبع الأنماط المعقدة، ما يجعل من الصعب اعتراض الدروع المضادة للصواريخ الحالية.

ومن المتوقع أن تصل زيادات الإنفاق الدفاعي الجديدة في اليابان إلى 48.4 مليار دولار في عام 2021 و56.7 مليار دولار في عام 2024، وتتضمن هذه الميزانيات الدفاعية الموسعة العمل على تصنيع أول حاملة طائرات يابانية، وإنشاء أول لواء انتشار برمائي سريع منذ الحرب العالمية الثانية، وإجراء بحوث متعلقة بأمن الفضاء، والموجات الإلكترونية من أجل تعطيل أنظمة اتصالات العدو. وتملك قوات الدفاع الذاتي اليابانية حوالي 250 ألف فرد في الخدمة النشطة، وأحدث الأسلحة والمعدات التكنولوجية، التي تضم مجموعة واسعة من الصواريخ، والطائرات المقاتلة، والدبابات والغواصات المتقدمة تكنولوجياً التي تعمل بالكهرباء والديزل.

هل يمكن للبحرية اليابانية أن تتفوق بكفاءة على القوات البحرية الأمريكية والصينية في الفضاء الأمني الآسيوي؟ ربما! ولكن من الواضح أن اليابان تتجه إلى التخلي عن دستورها السلمي الذي فرضته عليها الولايات المتحدة عام 1947 في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

ووفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، تتمتع اليابان بتاسع أكبر ميزانية عسكرية في العالم، بعد كلٍّ من الولايات المتحدة والصين والهند وروسيا والمملكة العربية السعودية وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، ومشتريات الدفاع المخطط لها قد تضمن لليابان وجوداً عسكرياً أمامياً في قاعدة دائمة بجوار الولايات المتحدة والصين في جيبوتي في منطقة القرن الإفريقي.

اليابان هي الحل الواقعي خلال هذه الأوقات غير المنطقية، وفي خضم الحرب الكلامية المحتدمة بين الولايات المتحدة والصين، ويُحسب لرئيس وزراء اليابان أنه امتنع عن إلقاء اللوم على الصين في تفشي جائحة فيروس كورونا، الذي انطلق من مدينة ووهان، بل وتبرعت طوكيو بالإمدادات الطبية إلى الصين عندما كانت ترزح تحت وطأة الفيروس.

إن جائحة فيروس كورونا تأتي بخيارات جديدة إلى خطوط المعركة الأمامية التي تُرسم في الوقت الراهن في منطقة المحيطين الهندي والهادي، ويقوم اليابانيون بدور رئيسي لتحقيق التوازن بين الصين والهند والولايات المتحدة في أكبر صراع جيوسياسي في القرن الحالي حتى الآن.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات