الولايات المتحدة وسياسة المواجهة مع إيران

د. كينيث كاتزمان: الولايات المتحدة وسياسة المواجهة مع إيران

  • 8 فبراير 2007

أضاف النفوذ الإيراني المتنامي بدرجة كبيرة في العراق، بعداً جديداً للتوتر الذي تشهده العلاقات الأمريكية-الإيرانية بالفعل نتيجة البرنامج النووي الإيراني وطموحات طهران الإقليمية والتي تبدو واضحة في دعمها القوي لتحركات حزب الله اللبناني الرامية إلى الإطاحة بالحكومة اللبنانية الحالية الموالية للولايات المتحدة؛ حيث يعتقد بعض المحللين أن التوتر بين واشنطن وطهران بشأن العراق بلغ حداً دفع إدارة الرئيس "بوش" إلى التخطيط لشن هجمات عسكرية على إيران بهدف تقليص نفوذها ليس في العراق فحسب، بل وفي منطقة الشرق الأوسط برمتها.

وثمة قناعة لدى المسؤولين في الولايات المتحدة وحلفائها بأن إيران تقدم الدعم بالمال والسلاح لبعض الميليشيات الشيعية، وخاصة جيش المهدي التابع للزعيم الشيعي "مقتدى الصدر"، فيما تفيد بعض التقارير بأن جزءاً من هذه الأسلحة، بما فيها تلك التي تشتمل على متفجرات مبتكرة قادرة على تدمير المدرعات الأمريكية الثقيلة ربما ترسل إلى المتمردين السنة. وربما تسعى إيران من خلال تقديمها هذا الدعم إلى الفصائل المسلحة في العراق، إلى  تحقيق عدة أهداف، منها: إثارة المزيد من العنف بهدف الضغط على القوات الأمريكية والبريطانية وإجبارها على الرحيل، أو إرباك القوة العسكرية الأمريكية وعرقلتها لمنع الولايات المتحدة من مهاجمة البرنامج النووي الإيراني. غير أن إيران قد لا تكون راغبة بالضرورة في شن مزيد من الهجمات على القوات الأمريكية بهدف إجبارها على الرحيل؛ لأن رحيل الولايات المتحدة عن العراق، ربما يجعل الحكومة الموالية لإيران في بغداد عرضة للانهيار، وهو ما لا يخدم مصلحتها، علماً بأن أي حكومة لاحقة، ورغم أنه من المرجح أن تكون ذات أغلبية شيعية أيضاً، لن يكون لها بالضرورة نفس دور وثقل الحكومة الحالية في التصدي للأحزاب الإسلامية المناوئة لطهران. ومن ثم فأولئك الذين يعتقدون بأن إيران تتبنى نهجاً حذراً في العراق، يميلون إلى اعتبار أن دعمها للمليشيات الشيعية ليس سوى وسيلة لتكثيف نفوذها على تلك المليشيات وتوظيفها لخدمة مصالحها.

هناك اختلافات حادة في وجهات النظر الأمريكية بشأن الطريقة التي يمكن من خلالها وقف الدعم الإيراني للعناصر المسلحة في العراق؛ فلجنة دراسة العراق تعتقد أنه من الممكن توظيف النفوذ الإيراني في العراق لمصلحة الولايات المتحدة، بل إن إدارة "بوش" نفسها لا تعارض الدعم الاقتصادي الإيراني للعراق ومشاركتها في جهود إعادة الإعمار في الجنوب العراقي. ومن ثم كانت التوصية الأولى التي طرحتها لجنة دراسة العراق أنه يتعين على الولايات المتحدة أن تشرك إيران (وسوريا) في المساعي المتعددة الجوانب لتحقيق الاستقرار في العراق. وحتى قبل صدور تقرير لجنة دراسة العراق حاول المسؤولون الأمريكيون، التواقون إلى تحقيق هذا الاستقرار، إشراك إيران في المسألة. وهذا يدفعنا للمقارنة بين التحركات الأمريكية الحالية لمواجهة طهران وبين التعاون الصامت معها قبل عدة سنوات، والذي ساعد على تشكيل حكومة "حامد قرضاي" في أفغانستان. ففي ديسمبر/كانون الأول 2005 صرح السفير الأمريكي في العراق "زلماي خليل زادة" للمرة الأولى بأنه حصل على موافقة الرئيس "بوش" لإجراء مفاوضات مباشرة مع نظيره الإيراني في محاولة لاستقطاب التعاون الإيراني في العراق، كما أكدت الولايات المتحدة وإيران في مارس/آذار 2006 أنهما تعتزمان إجراء محادثات مباشرة حول المسألة العراقية، إلا أن المسؤولين الأمريكيين عارضوا مساعي إيران لتوسيع تلك المحادثات لتشمل القضايا الأخرى العالقة بين الجانبين، وعلى رأسها طموحات إيران النووية، مما تسبب في تجميد هذه المحادثات.

غير أن عجز الإدارة الأمريكية عن إيقاف العنف الطائفي المتزايد في العراق عزز من موقف أولئك المسؤولين الأمريكيين وأصحاب الرأي الذي يحذر من خطر النشاطات الإيرانية في العراق. وبدلاً من الاتجاه نحو إشراك إيران في المسألة العراقية وفق توصيات لجنة دراسة العراق عقدت الإدارة الأمريكية العزم على مواجهة إيران ليس في العراق فحسب، بل بشكل أكثر توسعاً، بهدف تقليص نفوذها في المنطقة ككل. وقررت، على ما يبدو، أن تثبت لإيران أنه رغم ما تلاقيه القوات الأمريكية من صعوبات جلية في العراق، إلا أن لديها القدرة العسكرية الكافية لمواجهتها مباشرة إذا اقتضى الأمر.

 وقد جاءت الإشارة الأولى على تبني واشنطن لهذا النهج الجديد خلال المقابلة التي أجرتها وزيرة الخارجية الأمريكية "كونداليزا رايس" مع عدد من الصحافيين يوم 14 ديسمبر/كانون الأول 2006، أي بعد صدور تقرير لجنة دراسة العراق بثمانية أيام؛ حيث صرحت بأنه من غير المرجح للولايات المتحدة أن تدخل في مساومة مع إيران (تشمل على سبيل المثال عدم التحرك لفرض عقوبات عليها نتيجة إصرارها على مواصلة برنامجها النووي) للحصول على دعمها في تحقيق الاستقرار في العراق. وفي خطابه في الأول من يناير/كانون الثاني 2007، والذي أعلن فيه عن خطته لزيادة القوات الأمريكية  في العراق (وهو الخطاب الذي جاء بعد قيام القوات الأمريكية باعتقال ضباط من الحرس الثوري الإيراني في بغداد وأربيل)، أكد الرئيس "بوش" أن بلاده ستتصدى لتدفق الدعم الآتي من إيران وسوريا للمسلحين العراقيين، وستسعى إلى  طرد وتدمير الشبكات التي تمد أعداءها في العراق بالأسلحة المتقدمة والتدريب.

 كما أعلن "بوش" في ذلك الخطاب أيضاً عن إرسال حاملة طائرات إضافية إلى منطقة الخليج، وعن نشر بطاريات جديدة من صواريخ باتريوت المضادة للصواريخ والموجودة في بعض دول الخليج. وهي الإجراءات التي يرى معظم الخبراء أنها مقصودة لاستعراض قدرات الولايات المتحدة على مواجهة إيران إذا اقتضى الأمر. فيما تفيد تقارير أخرى بأن الإدارة الأمريكية تخطط لإجراء مزيد من الدوريات الجوية على امتداد الحدود الإيرانية-العراقية. كما كرر "بوش" في مقابلة أخرى له يوم 31 يناير/كانون الثاني 2007 مع صحيفة "وول ستريت" تصريحاته السابقة، التي تفيد بأنه قد أجاز للقوات الأمريكية  التعامل مع العملاء الإيرانيين في العراق على أنهم مقاتلون إذا ثبت دعمهم الفعلي للعناصر المسلحة في هذا البلد.

ويعتقد بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي وعدد من الخبراء أن مبادرات أو تحركات الإدارة الأمريكية تلك، تشير إلى تخطيط هذه الإدارة للقيام بعمل عسكري كبير ضد ايران. وهو ما أثار قلقاً واسعاً داخل الكونجرس دفع الكثير من أعضائه إلى تقديم مشاريع قرارات أو إصدار بعض التصريحات التي تفيد بأنه يتعين على الرئيس "بوش" الحصول على موافقة الكونجرس أولاً للقيام بأي إجراء عسكري ضد إيران. غير أن الإدارة الأمريكية نفت بشدة أنها تخطط بالفعل للهجوم على إيران أو أنها تعتزم ملاحقة العملاء الإيرانيين العاملين في العراق عبر الحدود مع إيران. وأكدت أنها مستمرة في تحركها السياسي المستند إلى الدبلوماسية متعددة الجوانب بهدف فرض مزيد من العقوبات على إيران لعزلها دولياً وإجبارها على تغيير سلوكها. ورغم ذلك فإن بعض الخبراء يعتقدون بأن هناك احتمالاً للخطأ في تقديرات إدارة هذا الصراع، الأمر الذي قد يؤدي إلى تصعيد الموقف وإلى  نزاع أمريكي-إيراني واسع النطاق.

من المرجح ألا يكون هدف هذه التحركات والمبادرات من جانب الإدارة الأمريكية هو التخطيط لتوجيه ضربات عسكرية ضد إيران، وإنما دعم دول الخليج القلقة بسبب برنامج إيران النووي وبروزها من جديد في المنطقة؛ فالإدارة الأمريكية تحاول عبر هذه التحركات أن تؤكد أنها لا تعتزم الرحيل من منطقة الخليج، وأنها قادرة تماماً على التصدي لإيران إن هي حاولت ترويع دول الخليج أو التدخل في شؤونها الداخلية من خلال تقديم الدعم لتحركات المعارضة الشيعية. كما أنها تحاول أيضاً، من خلال هذه التحركات التصعيدية ضد الوجود الإيراني في العراق ومعاملة العملاء الإيرانيين في هذا البلد باعتبارهم مقاتلين أعداء، أن تثبت لإيران أن الولايات المتحدة قادرة أيضاً على إلحاق الضرر بالمصالح الإيرانية في العراق، مثلما أن إيران قادرة على التأثير في مصالح الولايات المتحدة في هذا البلد.

Share