الولايات المتحدة والجنوب العراقي: ما العمل؟

د. عماد حرب: الولايات المتحدة والجنوب العراقي.. ما العمل؟

  • 27 سبتمبر 2007

يأتي الانسحاب البريطاني من البصرة في الجنوب العراقي إلى قاعدة بجوار مطار المدينة الدولي وأخرى في الكويت كتذكير قاس من حليف الولايات المتحدة الأبرز في المشروع العراقي بأن اعتبارات بريطانيا الداخلية تغلبت على واجبات التحالف. كما يأتي هذا الانسحاب ليضيف مزيداً من التعقيد إلى الأزمة المستمرة التي تواجه إدارة الرئيس "بوش"، والتي يكاد تخطيطها المرتبك ومقترحاتها المتناقضة أن تؤدي إلى شرذمة ما تبقى من عناصر الوحدة في السياسة الخارجية الأمريكية وداخل الحزب الجمهوري والكونجرس وفي أماكن أخرى مختلفة. ولكن الأهم من ذلك كله هو أن هذا الانسحاب سيرغم الإدارة الأمريكية على التعامل مع إشكالية الصراع والتنافس القائم بين النخب السياسية والاقتصادية الشيعية في جنوب العراق حول مستقبل المنطقة والعلاقات فيما بين بعضها بعضاً ومع بغداد.

هناك أربعة قوى شيعية يحسب حسابها تتنافس على كسب قلوب وعقول الأغلبية الشيعية في العراق، وخصوصاً في المحافظات الجنوبية، فهناك حزب الدعوة بزعامة رئيس الوزراء العراقي الحالي "نوري المالكي"، والمجلس الإسلامي الأعلى في العراق (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية سابقاً)، والتيار الصدري الذي يقوده الزعيم الديني الشاب "مقتدى الصدر"، وحزب الفضيلة الإسلامي بزعامة محمد اليعقوبي. ويوجد داخل كل تنظيم أو قوة من القوى، مراكز قوى وشخصيات بديلة، فمثلاً ينافس رئيسُ الوزراء السابق "إبراهيم الجعفري" نظيره الحالي "نوري المالكي"، بينما يرى هذا الأخير نفسه مهدداً من احتمال انشقاق حزب الدعوة الإسلامية? تنظيم العراق بزعامة "عبد الكريم العنزي" عنه. كما يسعى لرئاسة الوزراء أيضاً نائب الرئيس العراقي الحالي "عادل عبد المهدي"، وهو من المجلس الإسلامي الأعلى. ويقال الكثير عن فقدان "مقتدى الصدر" السيطرة على قادة جيش المهدي التابع للتيار الصدري. كما يشكل فيلق بدر التابع للمجلس الإسلامي الأعلى وجيش المهدي فريقين مسلحين متنافسين لحماية المواقع والشخصيات والامتيازات (قلائل هم من السذاجة بما يكفي لتصديق الادعاء بأن فيلق بدر سلّم سلاحه منذ سنتين).

في بغداد، تواجه الولايات المتحدة احتمال احتضار حكومة المالكي، فالائتلاف العراقي الموحد الذي يضم الأحزاب الشيعية الأربعة المذكورة أعلاه، والتي خاضت جميعها الانتخابات البرلمانية التي جرت في كانون الأول/ديسمبر 2005 تحت رايته، يكاد ينهار، فأعضاء التيار الصدري الثلاثون وأعضاء حزب الفضيلة الخمسة عشر في مجلس النواب انسحبوا من الائتلاف وهم اليوم يحاولون تشكيل أحلاف جديدة مع أحزاب أخرى. وبالتالي فإن هذا الائتلاف أصبح اليوم يسيطر على ثمانية وثمانين عضواً فقط في البرلمان المكون من 275 عضواً، ما يعني أن المالكي بحاجة ماسة لدعم نواب الائتلاف الكردي الذي يسيطر على خمسة وخمسين عضواً، إلى جانب بعض المستقلين. وإذا نفذ حزب الدعوة? تنظيم العراق تهديده بالانسحاب من الائتلاف، فإن حكومة المالكي ستنهار. ولعله من المعروف أن المالكي يعيش حالياً ظروفاً عصيبة؛ إذ إن ثلاثة وعشرين وزيراً من وزرائه فقط، من أصل أربعين، هم من يحضرون اجتماعات الحكومة ويزاولون أعمالهم.

وفي البصرة والمحافظات الجنوبية، ما تبقى من لحمة الشيعة السياسية بات أمراً مؤقتاً على أحسن تقدير، فقد صوّت مجلس محافظة البصرة الذي يسيطر عليه المجلس الإسلامي الأعلى في نيسان/أبريل 2007 لصالح إقالة محافظ المدينة "محمد الوائلي"، وهو قيادي في حزب الفضيلة. وقد قبِل رئيس الحكومة "نوري المالكي" في يوليو/تموز الماضي هذه الإقالة، ولكن "الوائلي" رفع المسألة إلى المحكمة الدستورية. كما قام التيار الصدري الذي يعمل اليوم على تشكيل تحالف مع حزب الفضيلة بنشر ميليشيا جيش المهدي ضد المحافظ "الوائلي" منذ أشهر ليست بالبعيدة بسبب ما سماه التيار (حقيقة) الفساد وتفضيل الأقربين. من ناحية أخرى، وبينما لا يسيطر المجلس الإسلامي الأعلى على منصب المحافظ، فإنه يطغى على قوى الأمن والشرطة، وهو الوضع الذي يحاول التيار الصدري تغييره. وفي النهاية، تبقى الجائزة الكبرى التي تسعى إليها جميع القوى الشيعية هي السيطرة على الجنوب الشيعي في دولة عراقية فيدرالية؛ فالجنوب يحوي ما يقدر بنحو ثلثي احتياطي النفط في العراق، وله القدرة على استخراج 1.8 مليون برميل يومياً، وهو بوابة العراق على الخليج العربي، ويستطيع تأمين الثروات اللامحدودة للتأثير في الولاءات السياسية إلى أمد بعيد.

ويمثل هذا الوضع جانباً واحداً فقط من صورة الجنوب والسياسة الشيعية التي سوف تواجهها إدارة الرئيس "بوش" بعد الانسحاب البريطاني. ولكنّ هناك جانباً آخر له الكثير من الدلالات المهمة، وهو ما يتعلق بالتأثير الإيراني على جميع الأحزاب والقوى الشيعية في المنطقة، فالمسؤولون العسكريون الأمريكيون يشيرون لاختراق كبير من قبل العملاء الإيرانيين والمتعاطفين مع إيران للميليشيات وقوى الأمن العراقية، بينما تتهم الإدارة الأمريكية الحرس الثوري الإيراني بتأجيج القلاقل لإرباك الولايات المتحدة من خلال تقديم الأسلحة وآلات التفجير للميليشيات العراقية وتنظيم القاعدة لمهاجمة القوات الأمريكية. من ناحية أخرى، تعتقد إيران أن مشاكل العراق هي من صنع أمريكا وتطالب بانسحاب فوري وكامل للقوات الأمريكية من هذا البلد، في نفس الوقت، الذي تحافظ فيه على علاقاتها المميزة مع كل الأحزاب والقوى العراقية في الجنوب. وحتى الآن لا تظهر وكأنها تجد أية صعوبة في إيجاد الأصدقاء هناك.

لا ينبغي أن تنأى الولايات المتحدة بنفسها عن التعامل مع الفوضى الحالية في الصفوف الشيعية أو محاولة الحد من التأثير الإيراني في العراق، فهذا يتعين أن يكون في صلب صنع القرار الأمريكي بشأن هذا البلد، وبالتالي فإن إعلان الجنرال "ديفيد بتريوس"، قائد القوات الأمريكية في العراق، أن الولايات المتحدة لن تملأ الفراغ الذي خلقه الانسحاب البريطاني، لم يكن أفضل تصريحاته. فهو كان يعتمد على الأرجح على القوة العراقية التي دخلت منطقة الجنوب والتي يبلغ تعدادها نحو خمسة آلاف جندي. ورغم أن الجميع يأملون أن تستطيع القوات العراقية فرض القانون ليس في البصرة وحدها بل في العراق بأكمله، إلا أن المشكلة هنا تكمن في أن الجيش العراقي الفتي قد لا يستطيع مقاومة الافتتال الأخوي بين الشيعة. وإذا كان اقتراح الرئيس "بوش" ببقاء القوات الأمريكية في العراق لفترة طويلة هو الخطة القادمة، فلن يكون وجود جنوب دام مفتوح على التأثير الإيراني هو الخيار الأنسب. من جهة أخرى، إذا قرر الرئيس "بوش" أن يرسل قواته إلى الجنوب فسيعترض الكونجرس الأمريكي، ولكنه سيبقى غير قادر على إيقافه إذا فعل.

لقد قالت بريطانيا ما تريده وقررت الانسحاب مما تراه مستنقعاً عراقياً، مخلفة وراءها ساحة قتال مملوءة بالقادة الشيعة الفاقدين للخبرة السياسية والمؤكدين في الوقت نفسه على "أحقيتهم" في القيادة. وفي قلب هذه الأحجية تقف الإدارة الأمريكية، التي ارتكبت أخطاء كثيرة، وهي الآن متخوفة من خطوتها التالية. ومهما كان قرارها، فإنه يجب على الولايات المتحدة أن تمنع الجنوب العراقي الفيدرالي، إذا تأسس، من أن يبقى غير مستقر، وألا تسمح له بأن يبقى شوكة في خاصرة الدولة العراقية.

Share