الولايات المتحدة وإيران: رسائل متناقضة وسيناريوهات مفتوحة

فتوح هيكل: الولايات المتحدة وإيران.. رسائل متناقضة وسيناريوهات مفتوحة

  • 6 مايو 2008

تشهد العلاقات الأمريكية-الإيرانية في الوقت الراهن حالة من الغموض والارتباك؛ حيث يقوم كل طرف بتوجيه رسائل متناقضة للطرف الآخر، تتراوح بين الرغبة في التهدئة والتطمين من جانب، وتصعيد عوامل التوتر والصراع من جانب آخر، بشكل تبدو معه هذه العلاقات مفتوحة على كل السيناريوهات المحتملة.

فمن جانبها، بعثت الإدارة الأمريكية خلال الأسابيع القليلة الماضية برسالتين شديدتي التباين، الأولى؛ جاءت على لسان الرئيس الأمريكي "جورج بوش"، الذي استبعد فكرة القيام بتوجيه ضربة عسكرية لإيران خلال الأشهر المتبقية من ولايته الرئاسية، مشيراً بوضوح، ربما للمرة الأولى، إلى ما يعنيه بـ''التحرك'' من أجل حماية الأمريكيين أو العراقيين ضد ما يقوم به الإيرانيون في العراق، بالقول: "هذا يعني نعتقل أو نقتل الإيرانيين أو عملاءهم"، بمعنى أن المواجهة لن تكون مباشرة إذا حدثت، وربما يفسر ذلك سبب تصعيد الهجوم الأمريكي على الميليشيات الشيعية العراقية الموالية لإيران، التي اتهمها السفير الأمريكي بالعراق بأنها تخوض حرباً بالوكالة على الساحة العراقية من خلال دعمها لهذه الميليشيات.

وعزز من رسالة التطمين هذه تأكيد المرشحين الرئيسيين للانتخابات الرئاسية القادمة رفضهم لفكرة الحرب، بما في ذلك المرشح الجمهوري جون ماكين، الذي أعلن أنه "يبغض الحروب"، في الوقت الذي أشار فيه مساعدوه إلى ماضيه كأسير للحرب في فيتنام، للتدليل على معرفته بالتضحيات التي تقدم في الحرب، وعدم تلهفه على الزج بالولايات المتحدة في مزيد من الصراعات. وقد أثار هذا التوجه ارتياح كثير من المراقبين الذين كانوا يتخوفون من احتمالات اندلاع حرب رابعة، تقضي على ما تبقى من استقرار هش في المنطقة.

ولكن هذا الارتياح سرعان ما بدأ يتلاشى مع تصاعد اللهجة العدائية الأمريكية، والتي بعثت برسالة ثانية مناقضة تماماً للرسالة الأولى، مؤداها أن كل الخيارات متاحة بما فيها خيار المواجهة المسلحة. وقد عبرت واشنطن عن هذه الرسالة بأكثر من مظهر؛ فمن ناحية تصاعدت وتيرة الاتهامات الموجهة لإيران وزادت حدتها، وكان لافتاً في هذا التصعيد أنه جاء من جانب العسكريين أكثر من السياسيين؛ حيث أكد رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، الأميرال مايكل مولين، أن الجيش الأمريكي لديه دلائل على أن إيران تمد المسلحين العراقيين بالأسلحة الجديدة، وأنه "قلق بشدة" إزاء أنشطتها في مختلف أنحاء المنطقة، بما في ذلك دعمها لـ"حزب الله" في لبنان و"حماس" في فلسطين، وهدد بخيارات عسكرية ضدها، فيما قال قائد القوات الأمريكية في العراق الجنرال ديفيد بيتريوس، إن إيران تقوم بدور "مدمر" على الساحة العراقية، من خلال تدريب الميليشيات الشيعية وتمويلها، وأشار وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس إلى زيادة كميات الأسلحة التي تذهب إلى العراق.

وهذا التصعيد من جانب العسكريين الأمريكيين دفع بعض المراقبين إلى توقع حدوث مواجهة عسكرية بين الطرفين، وعزز من هذا التوقع التغيير الذي أجرته واشنطن في القيادة العسكرية الأمريكية في المنطقة؛ حيث رأى بعض المحللين أن ترشيح بوش للجنرال ديفيد بيتريوس، القائد العام للقوة متعددة الجنسيات في العراق، ليحل محل الأدميرال وليام فالون، قائد القيادة الوسطى الأمريكية، التي تشرف على الحرب في العراق وأفغانستان، والذي كان قد استقال من منصبه في مارس/آذار الماضي بعد إعلانه صراحة معارضته شن أي هجوم ضد إيران، يزيد من احتمالات المواجهة معها؛ نظراً لأن بيتريوس يتبنى موقفاً متشدداً تجاه طهران. وزادت المخاوف أكثر بعد إعلان البنتاجون إرسال حاملة الطائرات "إبراهام لينكولن" والمجموعة الضاربة التابعة لها إلى مياه الخليج؛ لتنضم إلى حاملة الطائرات الأخرى الموجودة هنالك "هاري ترومان"، في خطوة وصفها روبرت جيتس بأنها تهدف إلى "تذكير" طهران بقدرات واشنطن.

من ناحية أخرى، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريرها السنوي الخاص بالإرهاب لعام 2007، والذي وصف إيران بأنها "الدولة الراعية للإرهاب الأكثر فعالية"، وأشار إلى تورط حرسها الثوري بشكل مباشر في التخطيط لبعض الأعمال الإرهابية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط وتقديم الدعم لتنظيمات متشددة مثل حزب الله وحماس والمسلحين العراقيين وحركة طالبان. كما تعكف الوزارة، بحسب بعض المصادر الإعلامية، على وضع ما وصفته بمسودة تحذير نهائي لإيران بسبب الدور العدائي المتنامي الذي تلعبه في العراق، وتهريبها أسلحة إلى هذا البلد تستخدم في نهاية الأمر لقتل الجنود الأمريكيين، وإصرارها على المضي قدماً في برنامجها النووي التسليحي وتهديدها للسفن الأمريكية بالخليج. وتشير هذه المصادر إلى قيام إدارة بوش بتخزين ما يقرب من كامل احتياطات الولايات المتحدة النفطية، كعلامة استعداد بارزة على نية واشنطن للمواجهة مع إيران فور اكتمال الاحتياطي خلال أشهر، لافتة إلى صدور أوامر للقادة العسكريين في البنتاجون بتطوير "خيارات جديدة للهجوم على إيران".

ويعود هذا الارتباك أو التناقض في الموقف الأمريكي بشكل عام إلى إدراك واشنطن لخطورة كلا الأمرين: استخدام خيار القوة المسلحة واستبعاده؛ فاستخدام هذه القوة قد يدفع طهران إلى تنفيذ تهديداتها باستهداف الوجود والمصالح الأمريكية في المنطقة، وإغلاق مضيق هرمز الذي تمر خلاله معظم الصادرات النفطية الخليجية، فضلاً عن تحريك حلفائها الشيعة في العراق ضد قواتها العاملة هناك. في المقابل فإن استبعاد هذا الخيار قد يشجع إيران على المضي قدماً في طموحاتها بشأن امتلاك السلاح النووي ومواصلة دورها السلبي في العراق ولبنان والمنطقة عموماً، وهو ما يمثل بدوره خطراً على مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.

وعلى الجانب الإيراني، اتسمت الرسائل الصادرة أيضاً بالتناقض؛ حيث أعلنت إيران مؤخراً أن لديها مقترحات جادة لحسم النزاع النووي، وذلك بعد أيام قليلة من توصلها إلى اتفاق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يقضي بالرد على معلومات حصلت عليها أجهزة مخابرات غربية حول "دراسات" أجرتها إيران تتعلق بإنتاج رؤوس نووية واحتمال تحويل صاروخ "شهاب 3" إلى صاروخ نووي أو إقامة منشآت لتجارب نووية تحت الأرض. كما أعلن الرئيس محمود أحمدي نجاد عن استعداد بلاده لمناقشة المسألة النووية مع أي بلد، بعدما كان يرفض إجراء أي محادثات مع الغرب بشأن هذه المسألة.

ولكن في مقابل هذه الخطوات التطمينية، رفعت طهران نبرة التحدي للولايات المتحدة والغرب من خلال الإعلان عن خطوات نووية جديدة أكثر تقدماً؛ حيث أعلن الرئيس الإيراني في إبريل/نيسان الماضي عن بدء تركيب ستة آلاف جهاز طرد مركزي متطور لتخصيب اليورانيوم، وإجراء تجارب على جيل جديد من أجهزة الطرد المركزي التي تتميز بفاعلية أكبر في عملية التخصيب، وهو ما يعني أن طهران مصرة على المضي قدماً في هذا الطريق إلى نهايته دون التفات إلى الضغوط والعقوبات الدولية، لاسيما مع سيطرة التيار المحافظ على مقاعد البرلمان الجديد، الأمر الذي قد يدفع الأوضاع باتجاه مزيد من التصعيد.

وبشكل عام، يمكن القول إن هناك أكثر من سبب قوي، يمنع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى حد المواجهة المسلحة المباشرة؛ فالرئيس الأمريكي لم يبق له إلا فترة قليلة في البيت الأبيض، ومن المستبعد أن يغامر بمهاجمة إيران والتورط في صراع آخر قوي، وهو مازال يعاني من صراعات أخرى في العراق وأفغانستان، لاسيما في ظل حالة الإنهاك والضعف التي تعانيها القوات المسلحة الأمريكية نتيجة التكاليف الخارجية الزائدة، وقلة عدد القوات الإضافية الجاهزة لخوض حرب جديدة، خاصة أن الأمر يتعلق بإيران ذات القدرات العسكرية الكبيرة، والتي يمكن أن تؤدي أي مواجهة معها إلى انفجار الشرق الأوسط كله. ومن ثم يمكن تفسير سبب التصعيد الأمريكي الأخير بأنه يهدف إلى منع إيران من استغلال حالة الضعف التي تعانيها الإدارة الأمريكية في شهور حكمها الأخيرة، في توسيع نفوذها في العراق والمنطقة، وتسريع خطواتها في مجال التكنولوجيا النووية، وذلك من خلال التهديد المستمر بأن خيار القوة مازال قائماً، وإن كان مستبعداً في واقع الأمر.

غير أن الأمر ليس بهذا الحسم، فعلى الرغم من الصعوبات التي تعترض خيار القوة المسلحة، لا يوجد هناك ما يضمن عدم حدوث ذلك، لاسيما في ظل التحرشات العسكرية التي تحدث في مياه الخليج العربي بين فترة وأخرى؛ ففي خلال شهر أبريل/نيسان الماضي حدث أكثر من تحرش بين زوارق إيرانية سريعة وسفن عسكرية أمريكية في مياه الخليج، ولا شك في أن تكرار هذه التحرشات ينطوي على خطورة كبيرة؛ لأن الحرب يمكن أن تندلع عبر شرارة صغيرة أو طلقة طائشة غير محسوبة، خاصة أن الأوضاع على درجة كبيرة من التوتر في المنطقة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات