الولايات المتحدة وأوروبا تواجهان بطالة «كورونا» بطرق مختلفة

  • 14 يونيو 2020

واجهت الولايات المتحدة وأوروبا أزمة البطالة المرتبطة بانتشار فيروس كورونا المستجد بطرق مختلفة، كما يقول هانغ تران، وهو باحث أول غير مقيم بالمجلس الأطلسي، إذ لا شك أن فهم الاختلافات في هذه الاستجابات أمر بالغ الأهمية من أجل الوقوف على الأثر البعيد المدى المحتمل لهذه الأزمة على اقتصاد عبر الأطلسي.

تعاني أسواق العمل، على جانبي الأطلسي، صدمات كبيرة، لكنها سجلت تطورات بطرق مختلفة. وأفاد مكتب الولايات المتحدة لإحصاءات العمل بانخفاض معدل البطالة في الولايات المتحدة من 14.7% في شهر إبريل الماضي إلى 13.3% في مايو الماضي. ويشير معدل البطالة، الذي يعد أحسن من التوقعات (وإن كان لا يزال مرتفعاً للغاية)، إلى أن العديد من العمال، وخاصة أولئك الذين تم تسريحهم مؤقتاً، قد أُعيد توظيفهم مع بدء إعادة فتح الشركات في شهر مايو الماضي في العديد من الولايات الأمريكية. ومع ذلك، فقد لاحظ مكتب الولايات المتحدة لإحصاءات العمل أن التصنيف الخطأ لاستطلاعات رأي الأسر المعيشية قد لا يعكس معدل البطالة الحقيقي. وبالمقارنة، كان معدل البطالة في الاتحاد الأوروبي أكثر استقراراً، حيث ارتفع بشكل طفيف إلى 6.6% في شهر إبريل الماضي، وذلك وفقاً لأحدث البيانات؛ غير أن نسبة العمال الأوروبيين العاملين بنظام الدوام الجزئي قد زادت بصورة ملحوظة.

النهج الأمريكي: إعانات البطالة

منذ تفشي فيروس كورونا المستجد في الولايات المتحدة، أصدر مكتب الولايات المتحدة لإحصاءات العمل توجيهاته للمعنيين بإجراء المقابلات لديه بتصنيف الأشخاص العاملين الذين انقطعوا عن العمل نتيجة لإغلاق الشركات من جراء فيروس كورونا باعتبارهم «عاطلين» أو «مفصولين مؤقتاً»؛ لكن المكتب أقرَّ في التقارير الحديثة أنه «لم يتم تصنيف العمال كافة وفق هذا النهج»، وأنه لا يزال يباشر التحقيق في أسباب ذلك. ومن ثم قال المكتب: «لو صُنِّف العمال الذين سُجِّلوا كموظفين ولكنهم انقطعوا عن العمل لأسباب أخرى (أكثر من عدد هؤلاء العمال في شهر مايو) على أنهم عاطلون عن العمل أو مفصولون مؤقتاً، لكان معدل البطالة في مايو أعلى بنسبة 3% عن الرقم المعلن (على أساس غير معدل موسمياً)»، أو بمعنى آخر، ستكون نسبتهم 16.3% بدلاً من 13.3%. وكان من الممكن أن تؤدي التعديلات المماثلة لمشكلة التصنيف الخطأ إلى معدل بطالة يبلغ 19.7% في إبريل (بدلاً من 14.7%) و5.4% في مارس (بدلاً من 4.4%)، ولا يزال التعقب الشهري لارتفاع معدلات البطالة يُظهر تحسناً في وضع التوظيف في شهر مايو، ولكن من مستوى بطالة أعلى كثيراً، وهذا يتماشى مع حقيقة أن 42.6 مليون شخص قد تقدموا للحصول على إعانات البطالة في الأسابيع الأحد عشر الماضية، فيما زاد عدد طلبات الإعانات الدائمة إلى 21.5 مليوناً، وتظهر تلك الأرقام أنه لا يزال هناك طريق طويل يتعين قطعه قبل أن تتمكن الولايات المتحدة من الاقتراب من مستويات التوظيف قبل الأزمة.

وقد سعت الولايات المتحدة إلى التخفيف من تأثير البطالة على العمال عن طريق توفير إعانات البطالة لمدة 26 أسبوعاً في الوقت الذي يبحث فيه هؤلاء العمال عن وظائف جديدة، وقد زاد «قانون المساعدة والإغاثة والأمن الاقتصادي في مكافحة فيروس كورونا» (CARES Act) فترة الاستحقاق لمدة ثلاثة عشر أسبوعاً أخرى، ومنح 600 دولار إضافي كل أسبوع، حتى تاريخ 31 يوليو المقبل. بالإضافة إلى ذلك، ساعد برنامج حماية الأجور في احتفاظ موظفي الشركات المسجلة فيه بوظائفهم؛ ما حال دون ارتفاع معدل البطالة ارتفاعاً أكبر.

وبوجه عام، عزز نهج الولايات المتحدة سوق العمل الديناميكية والمرنة، حيث شُجِّع العمال على البحث عن وظائف في قطاعات جديدة من قطاعات الاقتصاد. غير أن الجانب السلبي يتمثل في خَلق مستويات أعلى من عدم اليقين والقلق بين العمال. وعلاوة على ذلك، فإن زيادة عدد العمال العاطلين سيكون له تأثير اقتصادي واجتماعي سلبي على مجتمعاتهم المحلية، وقد يجد العاطلون الجدد أن هناك صعوبة في الحصول على وظائف جديدة بعد انضمامهم إلى صفوف البطالة (وخاصة إذا كانت لفترة طويلة من الوقت)، وأن الوظائف الجديدة قد تكون أقل إرضاءً، أو ذات أجور أقل من الوظائف القديمة.

وتواجه الولايات المتحدة مشكلة أخرى عليها معالجتها، وهي مشكلة فريدة من نوعها بين الدول المتقدمة، لأن العاطلين عن العمل سيحتاجون إلى تأمين طبي بطبيعة الحال، حيث يعتمد نحو نصف عدد سكان الولايات المتحدة، البالغ عددهم 330 مليون نسمة، على التأمين الطبي الذي يوفره أصحاب العمل، ويشارك البقية في برامج مثل «ميديكير» (المخصص لمن هم في سن الخامسة والستين أو أكبر)، و«ميديكيد» (للفقراء)، والنظام الصحي للعاملين السابقين بالإدارة الأمريكية والجيش، في حين يعيش 30 مليون مواطن من دون تأمين طبي؛ وعلى العاطلين عن العمل شراء التأمين الطبي لأنفسهم، حيث لا يكون غالباً في متناول أيديهم. ويتوقع المعهد الحضري أن يزيد عدد المواطنين الأمريكيين الذين يعيشون من دون تأمين طبي بنحو 8.5 مليون مواطن آخر، على افتراض وجود نسبة بطالة 15% نتيجة للجائحة، والتوقعات التي تتنبأ بوصول نسبة البطالة إلى 28% ستفاقم مشكلات عدم المساواة في الولايات المتحدة. كما أن الأشخاص غير المؤمّن عليهم يحصلون على رعاية صحية لا ترقى إلى مستوى تلك التي يستفيد منها الأشخاص المؤمن عليهم، وينتهي الأمر غالباً بفواتير طبية باهظة. والجدير بالذكر أنه في عام 2008 لم يحصل 20% من الأشخاص غير المؤمن عليهم على الرعاية الطبية الضرورية بسبب ارتفاع تكلفتها.

نهج أوروبا: العمل بنظام الدوام الجزئي

في المقابل، يركز النهج الأوروبي، الذي يستلهم البرنامج الألماني لساعات العمل القصيرة، على دعم الشركات من أجل الإبقاء على القوى العاملة في أعمال بنظام الدوام الجزئي، وبأجر منخفض، ومن ثم قمع ارتفاع معدلات البطالة. في الاتحاد الأوروبي، ارتفع معدل البطالة ارتفاعاً طفيفاً مسجلاً 6.6% في شهر إبريل الماضي، من 6.4% في شهر مارس الماضي، بينما ارتفعت نسبة العمال المنخرطين في العمل بنظام الدوام الجزئي أو الذين تقدموا للحصول عليه إلى 26.8% في أواخر شهر إبريل/ مطلع مايو، وذلك هو المعدل المتوسط السائد في الاتحاد الأوروبي، والذي يتفاوت تفاوتاً كبيراً بين نحو 47% في فرنسا وإيطاليا، إلى 26.9% في ألمانيا، و3.1% في بولندا.

وتتمثل مزايا النهج الأوروبي في أنه يحافظ على استقرار بيئة العمل للعمال وأصحاب العمل في ظل حالة الركود. فبالنسبة إلى الموظفين، فإن هذا النظام يجنبهم صدمة تسريحهم من وظائفهم، والاضطرار إلى البحث عن وظائف من دون ضمانة بالحصول على إحداها. أما بالنسبة إلى الشركات، فإن هذه الإجراءات تساعدهم في الحفاظ على المستوى الحالي من رأس المال البشري، وتجنب التكاليف التي تنجم عن فصل العمال، وتوظيف جدد بدلاً منهم. والأهم أن الشركات ستكون في وضع يسمح لها باستئناف عملية الإنتاج سريعاً عند انتعاش الطلب.

أما الجانب السلبي لهذا النهج فهو أنه يحابي شاغلي الوظائف على حساب غيرهم؛ ما يجرد سوق العمل من المرونة. علاوة على ذلك، فإن أنظمة الدوام الجزئي هذه، إلى جانب المستويات العالية من حماية العمال، قد تثني أصحاب العمل عن توظيف عمال جدد؛ ما يسهم في ارتفاع مستويات البطالة الهيكلية، وخاصة في البلدان التي تقع في الأجزاء الجنوبية من أوروبا التي تشهد نمواً بطيئاً.

ورغم اختلاف النهجين الأمريكي والأوروبي في التعامل مع الأزمة، فإن القاسم المشترك بينهما هو أن أسواق العمل لديهما قد واجهت صدمات غير مسبوقة؛ أدت بدورها إلى فقدان أعداد كبيرة من الناس لوظائفهم أو تقليص ساعات عملهم؛ ما جعل هناك حاجة إلى دعم حكومي كبير، إلى جانب التحديات الخطيرة المتعلقة باتخاذ قرار بشأن الإجراءات التي يجب اتخاذها، إذ احتاج تحسين وضع التوظيف الراهن إلى مدة أطول من التواريخ المحددة لنهاية برامج الدعم الحالية، وربما يكون تمديد هذه البرامج لمدة أطول مستقبلاً حلاً مؤقتاً، لأن إنهاءها قبل أوانها قد يعرقل عملية الانتعاش الاقتصادي، غير أنها لا يمكن أن تستمر إلى أجل غير مسمى. ويعد هذا من المخاطر المهمة التي ينبغي لصناع السياسات أن يأخذوها بعين الاعتبار. وتحتاج أوضاع العمل في كلٍ من الولايات المتحدة وأوروبا، رغم اختلاف البرامج التي يطبقانها، إلى انتعاش قوي حتى تعود إلى مستوياتها الطبيعية.

Share