الولايات المتحدة لا تملك وحدها قرار سحب قواتها من العراق

مقابلة مع الدكتور هينير فورتك: الولايات المتحدة لن تقرر وحدها مسألة سحب القوات من العراق

  • 3 أبريل 2008

أجرى موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على شبكة الإنترنت مقابلة مع البروفيسور "هينير فورتك"، والذي يشغل منصب زميل باحث أول في المعهد الألماني لدراسات العالم والمنطقة، ومعهد دراسات الشرق الأوسط في هامبورج، وذلك على هامش مشاركته في أعمال المؤتمر السنوي الثالث عشر للمركز، والذي عقد خلال الفترة من 31 مارس/آذار إلى 2 أبريل/نيسان 2008 تحت عنوان "الخليج العربي بين المحافظة والتغيير". وتحدث البروفيسور "فورتك" حول العديد من القضايا في المنطقة مثل الموقف في العراق والنفوذ المتنامي لإيران في المنطقة، وفيما يلي نص المقابلة:

س1. كيف يمكنكم تفسير قيام الجيش الأمريكي بمساعدة القوات العراقية التي تقاتل جيش المهدي؟ أليس صحيحاً أن بعض هذه القوات يرتبط بعلاقات وثيقة مع النظام الإيراني، وأن تقويتها لن يؤدي إلا إلى تقوية التأثير الإيراني على الوضع في العراق؟

 ـ إن ما تتحدث عنه هو في الواقع نتيجة عدم الاستعداد الأمريكي لعملية إعادة البناء السياسي في العراق بعد الحرب، وما يستوقفني كثيراً في الحقيقة هو أن درجة وضوح وفاعلية الحملة العسكرية على العراق، تتناقض بشكل كبير مع مستوى عدم الاستعداد الذي أبدته الإدارة الأمريكية إزاء عملية إعادة البناء السياسي في هذا البلد بعد الحرب. أعتقد أن الإدارة الأمريكية قد اختارت ببساطة الطريق السهل للخروج من هذا المأزق، حيث عادت مرة أخرى للهياكل والبنى السياسية القديمة جداً في هذه الدولة، البِنَى القبلية والطائفية، نتيجة عدم وجود برنامج واضح للتعامل مع الوضع بعد العمليات العسكرية. إنهم عادوا ببساطة إلى المفاهيم القديمة ذاتها التي كان يتبناها البريطانيون في العشرينيات من القرن الماضي، ورغم أن فعل ذلك لم يكن جزءاً من الخطة الأمريكية، إلا أنه أصبح جزءاً من الوضع الذي يعيشونه هناك.      

س2. هل تقصد أن مجرد السعي إلى هزيمة صدام عسكرياً هو ما جعلهم يختارون سياسة الدعم الطائفي؟

ـ هو كذلك بالفعل! ففي العراق توجد طبقة وسطى نمت وتطورت بشكل جيد جداً خلال عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، ولكن الإدارة الأمريكية تصرفت كما لو أن 80 عاماً من التطور العراقي لم تحدث، عائدة إلى وضع كنت تجده هناك في نهاية الحرب العالمية الأولي خلال عشرينيات القرن الماضي، وقد كان هذا خطأً فادحاً. أما الأمر الآخر المدهش للغاية فهو أن القوات الأمريكية لديها خبرة ودراية عميقة بالموقف؛ ولديها مراكز أبحاث ممتازة، ولديها متخصصون، كما يعرف الأمريكيون المنطقة بشكل جيد للغاية، ولكن الإدارة الأمريكية ببساطة لم تنصت إلى هؤلاء الخبراء.

س3. الدعم الأمريكي المستمر للأكراد يعد أمراً محيراً بالدرجة نفسها؛ فمن المعتقد على نطاق واسع أن القيادة الكردية تضع أمام أعينها حلم الدولة، فلماذا يستمر الأمريكيون في تقديم الدعم للقادة الأكراد، إذا كانوا يريدون فعلاً تقوية العراق من أجل البدء في سحب القوات الأمريكية من هناك؟

 ـ هذا الأمر يعد أيضاً جزءًا من حالة التخبط وعدم الاستعداد التي نتحدث عنها، ولكن الحقيقة البسيطة هنا هي أنهم يعتمدون الآن على الأكراد. وبصراحة، فإن الأكراد هم القوة الأكثر ولاءً وتأييداً للأمريكيين في العراق اليوم، وليس بمقدور الأمريكيين إهمال الأكراد الآن. كما يبدو أنهم قد تناسوا ما يفكر فيه الأتراك أو العرب السنة. لقد كان يتوجب عليهم معرفة ذلك من قبل، كيف يمكن أن يكونوا قد فوجئوا بالموقف هناك؟

س4. لا يرى بعض الأمريكيين أي تناقض في مساندة الفصائل الشيعية العراقية، حتى هؤلاء الذين يحصلون على الدعم من إيران حالياً، لأنهم يقولون إن شيعة العراق سوف ينقلبون في النهاية على إخوانهم في العقيدة من الإيرانيين. هل هذا التقييم صحيح؟

 ـ دعنا نسلِّم أولاً بأن النفوذ الإيراني في المنطقة قد تنامى بشكل كبير، ولكن يجب أن نتذكر أن غالبية الشيعة العراقيين وطنيون، وهذه حقيقة صحيحة. هناك 16 مليون شيعي في العراق، ولكنهم ليسوا كتلة متجانسة؛ إذ يوجد بينهم أحزاب وفصائل مختلفة، ولكن معظمهم من الوطنيين. وثمة دليل جاد يؤكد ذلك، وهو سلوكهم خلال حرب الخليج الأولى (تلك الحرب التى دارت بين العراق وإيران)، فلقد كان ضباط الصف والجنود في الجيش العراقي من الشيعة، وكانوا يدافعون عن وطنهم ضد إخوانهم في العقيدة من الإيرانيين، وهذا دليل جاد للغاية على وطنيتهم. ولا يزال هناك شعور قوي بالانتماء الوطني لدى العراقيين سواء أكانوا من السنة أو الشيعة.

س5. يقول بعض المراقبين: إن الوضع الاقتصادي والسياسي في إيران حرج للغاية، كما يقولون: إن نفوذها في المنطقة في حالة نمو وتزايد، ولكنها تواجه انهياراً واضحاً على الصعيد الداخلي؛ لأن العديد من القادة الإيرانيين الكبار قاموا باستثمار أموال بلدهم في الخارج. هل هذه الملاحظة صحيحة؟

 ـ هذا غير صحيح؛ فالجمهورية الإسلامية الحالية هي نتاج إحدى الثورات الأصولية القليلة المخلصة للغاية في التاريخ المعاصر. ويمكنك مقارنة الثورة الإسلامية الإيرانية مع الثورة الفرنسية التي وقعت عام 1789 والثورة الروسية التي وقعت عام 1917، وهناك العديد من تعاقبات الصعود والانخفاض في مثل هذه التطورات الثورية، ولكن الأمر يستغرق عقوداً لتقرير ما إذا كانت الثورة قد وصلت إلى نهايتها.

س6: ألا يؤدي ذلك إلى تعزيز المخاوف من هلال شيعي متنامٍ في المنطقة العربية؟

 ـ نعم، ولكن الأمر لا يقتصر فقط على مشكلة النفوذ الإيراني في العراق أو بلدان عربية أخرى، فهو أيضاً نتاج حرب الصيف التي دارت في لبنان عام 2006. يجب أن تنظر إلى هذه الأمور مجتمعة، إنها ذات صلة كبيرة.

س7: أخيراً، كيف ترى مستقبل العراق؟ هل تبدي الدرجة نفسها من التفاؤل التي يبديها الأمريكيون الذين يرون أن الوضع في العراق في تحسن، وأن الزيادة في عدد القوات قد أتت بثمارها، وأن مشروع المصالحة قد بدأ؟

 ـ لا تزال هناك سيناريوهات أساسية فيما يتعلق بمستقبل العراق، وهذه السيناريوهات كانت موجودة منذ قلب نظام حكم صدام حسين، والتوازن القائم فيما بين هذه الاحتمالات آخذ في التغير. السيناريو الأول يقول بأن عملية إعادة البناء السياسي في العراق ستكون ناجحة، وهذا لا يزال أحد الخيارات؛ لأن أحداً لم يصدق أن الانتخابات التي أُجريت في عام 2005  كانت ستتم، ولكنها تمت بالفعل، ويوجد لدى العراقيين الآن برلمان وحكومة، وهكذا. أما السيناريو الآخر فيقول بحدوث حرب أهلية حقيقية، وهذه الحرب لا تزال ممكنة، فلقد كانوا في الماضي القريب على وشك الدخول في حرب أهلية حقيقية، خاصة بعد الهجمات التي وقعت في سامراء. بينما يقول السيناريو الثالث بنشوء دكتاتورية جديدة تتكون نتيجة إعادة إضفاء الصبغة العرقية على الوضع السياسي القديم. وسوف يقوم الشيعة باستغلال كونهم يشكلون الأغلبية الاستغلال الأمثل، فقد كان لديك ديكتاتورية قومية قام بإنشائها العرب السنة في ظل حكم حزب البعث، وربما يمكنك رؤية ديكتاتورية شيعية جديدة في المستقبل القريب. ومن ثم فهناك ثلاثة سيناريوهات، ولا أحد يستطيع القول بشكل جدي أيهم هو الذي سيسود في النهاية.

س8: هل تعتقد أن الولايات المتحدة ستقوم بسحب عدد كبير من قواتها من العراق في المستقبل القريب، بغض النظر عن المرشح الذي سيفوز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة؟ وهل من العملي التفكير حالياً في القيام بسحب عدد كبير من القوات الأمريكية؟

 ـ يتوقف هذا الأمر على نتيجة المفاوضات التي تجريها واشنطن، وهم يتفاوضون في الوقت الراهن؛ حيث إن مدة التفويض الممنوحة بموجب قرار الأمم المتحدة سوف تنتهي في ديسمبر/كانون الأول من هذا العام، ويتوجب عليهم التوصل إلى اتفاق بشأن بقاء القوات في العراق، وهذا لا يتوقف فقط على الإدارة في واشنطن.    

Share