الوقود الحجري ومستقبل أسواق الطاقة العالمية

  • 23 فبراير 2012

تبرز باستمرار عوامل جديدة مؤثرة في أسواق الطاقة العالمية، منها ما يتعلق بجانب الطلب، ومنها ما يتعلق بجانب العرض أو الإمدادات. وخلال المرحلة الحالية نشهد بعض التطورات المتباينة فيما يتعلق بجانب الطلب، فهناك أزمات اقتصادية خطيرة في الدول الصناعية الغربية، يقابلها ازدياد ملحوظ في الطلب على كل من النفط والغاز في الاقتصادات الناشئة (الصين وكوريا الجنوبية والهند والبرازيل) وداخل الدول المنتجة نفسها. وقد نشأ عن ذلك، إضافة إلى عوامل أخرى، ظاهرة جديدة لم نشهدها من قبل؛ إذ استمرت الأسعار في الارتفاع على الرغم من الأزمات الاقتصادية في الدول الصناعية، في حين أنه في السابق كان لأي تراجع اقتصادي مهم في الدول الصناعية مردودات سلبية جداً على أسواق النفط.

وفما يتعلق بجانب الإمدادات، حدثت في الفترة الأخيرة أيضاً تطورات مهمة، ولاسيما فيما يتعلق بمحاولات الدول الصناعية وشركات الطاقة العالمية الدؤوبة إيجاد بدائل اقتصادية للنفط الخام. ومن بين هذه التطورات، كان هناك تطوران جديدان لهما أبعاد مهمة على المديين القصير والبعيد، الأول ما كشفته كارثة فوكوشيما اليابانية من مخاطر لاستخدام الطاقة النووية، والثاني هو التوسع في عملية إنتاج النفط والغاز الحجريّين. فالدمار الذي أصاب المفاعلات النووية في اليابان بسبب زلزال فوكوشيما، وما تلاه من تسانومي أصاب تلك المنطقة الساحلية، لم يترك آثاره على اليابان فقط، بل دفع دولاً أخرى (مثل ألمانيا) إلى الحد من استعمال الطاقة النووية، وهو ما يعني التوجه نحو التوسع في استعمال مصادر الطاقة الهيدروكربونية، على الرغم من الحملات واسعة النطاق في الدول الصناعية الغربية، وفي أوروبا بالذات، الداعية إلى تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، واستعمال بدائل الطاقة المتجددة- الأكثر ملاءمة وصداقة للبيئة.

وبما أن صناعة الطاقة هي في حركة مستمرة من التطوير والتغيير، بسبب قلق الدول المستهلكة الصناعية على ضمان الإمدادات من الدول المنتجة للنفط، فقد طغى شعار الاعتماد على النفس على توجه هذه الدول، وانعكس ذلك في سعيها الجاد إلى توفير مصادر هيدروكربونية محلية تقلل حاجتها إلى الاستيراد، على أن تتوافر كميات تجارية كافية من هذه المصادر داخل الدولة المعنية وبأسعار منافسة لأسعار النفط الخام التقليدي. وقد تعددت المحاولات في هذا المجال الاقتصادي/ الاستراتيجي، فهناك على سبيل المثال، المحاولات الخاصة بإنتاج الوقود العضوي المستخرج من النباتات (الذرة أو قصب السكر)، والذي يتم دمجه الآن بالمنتجات البترولية التقليدية حسب القوانين المفروضة. لكن هذا النوع من الوقود نتجت عنه مشكلات عدة، مثل ارتفاع أسعار المواد الغذائية عالمياً، مما أجبر الدول المعنية على وضع حدود معينة على استعماله، ومن ثم فقد بقي استعمال هذا الوقود محدوداً نسبياً، ولم يحقق التوسع المنشود في حجم الإمدادات، واستمر بالتالي كوقود ثانوي إلى جانب الوقود التقليدي.

كما برز في الآونة الأخيرة مصدر جديد للطاقة، وهو الوقود الحجري، الذي أخذ يلفت انتباه شركات النفط الكبرى مع تزايد حجم عمليات الحفر لاستخراجه، والاستثمارات التي يتم ضخها في هذه الصناعة الجديدة، والتحسن المستمر في هندسة المكامن اللازمة لهذا المصدر البترولي المستخرج من الحجر. وقد بدأت شركات الطاقة صغيرة الحجم الاستثمار في هذا المصدر الجديد في الولايات المتحدة، ولاسيما في ولايات بنسلفانيا وشمال داكوتا، غير أن مجال الحفر بدأ يتوسع تدريجياً إلى ولايات أخرى. كما أن الاهتمام بهذه الصناعة أخذ بعداً جديداً مع اهتمام شركات النفط العملاقة بهذا المصدر الجديد للطاقة، الذي كان أيضاً مثار اهتمام إدارة الرئيس باراك أوباما؛ لأنه يوفر طاقة محلية بدلاً من استيرادها من الخارج، وهو يحقق شعاراً سياسياً طالما استخدمه الحزبان الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة. وبالفعل، بدأت شركات كبرى مثل أكسون وتوتال باستثمار عشرات المليارات من الدولارات في شراء حصص في الشركات الصغيرة التي سبقتها في إنتاج هذا الوقود الجديد واكتشافه. ولا ينحصر هدف شراء هذه الشركات الصغيرة وامتيازاتها التي حصلت عليها من حكومات الولايات، في هذا المجال، بل يشمل أيضاً الرغبة في التعرف عن كثب على التقنية التي تستخدمها. ومن اللافت للنظر، أن شركات النفط الآسيوية الكبرى، قد بادرت إلى شراء حصص في هذه الشركات، ولاسيما الصينية واليابانية والهندية منها. وكما هو الحال مع النفط التقليدي، فقد هاجمت جماعات البيئة طريقة استخراج هذا النوع من الوقود، وبالذات ما يتصل بها من تسرب للماء المخلوط بالكيماويات إلى أحواض المياه الصالحة للشرب، مما دفع مجالس الولايات المعنية إلى وضع قيود على عمليات الاستخراج. ولم تتوقف هذه القيود على الولايات الأمريكية، بل تعدتها إلى بعض الدول الأوروبية، مثل فرنسا، التي منعت تطوير هذه الصناعة على أراضيها. لكن في الوقت نفسه، نجد دولاً أخرى تشجع صناعة الوقود الحجري، مثل بولندا وإسبانيا والصين والهند.

وبغض النظر عن إيجابيات صناعة الوقود الحجري وسلبياتها، ينبغي ملاحظة أن حجم النفط المستخرج من هذا المصدر الجديد لا يزال محدوداً، وليس له تأثير مهم في تجارة النفط الأمريكية نفسها، ناهيك عن تجارة النفط العالمية. لكن، يتوقع تدريجياً زيادة كميات الإنتاج في الولايات المتحدة إلى نحو 2 مليون برميل يومياً مع نهاية هذا العقد. لكن تأثير هذه الكمية المتوقعة سيكون محدوداً نسبياً أيضاً. غير أنه من المهم أن نأخذ في نظر الاعتبار أن هذا التوجه ربما يعطي زخماً أقوى لسياسة "استقلال الطاقة" الأمريكية التي تنادي بها العديد من الجماعات والأحزاب السياسية، ومع ذلك فمن غير المتوقع في المدى المنظور أن تنجح هذه السياسية في إيقاف الاستيراد الأمريكي للنفط الذي يعادل حالياً نحو 10 ملايين برميل يومياً.

غير أن الأهمية الكبرى للوقود الحجري تتمثل في إنتاج الغاز الحجري. وقد بدأت آثار إنتاج هذا الغاز تظهر منذ الآن في السوق الأمريكية وأسواق الغاز الأوروبية. فحجم إنتاج الغاز الحجري اليوم يشكل نحو ثلث الإنتاج الأمريكي، وهو في ازدياد مع مرور الوقت. والأهم من ذلك أن الولايات المتحدة كانت دولة مستوردة للغاز، أما اليوم فقد بدأت بتصديره، رغم أن هناك بعض الجماعات الأمريكية التي تطالب بإيقاف التصدير أو تقليص حجمه بسبب آثار ذلك على سحب كميات من الغاز الأمريكي إلى الخارج، ومن ثم رفع سعره محلياً. ومن اللافت للنظر أيضاً أن تصدير الولايات المتحدة الغاز المسال إلى أوروبا، وبريطانيا بالذات، أدى إلى خفض سعر الغاز الذي تستورده أوروبا من روسيا وقطر وشمال أفريقيا. وبالفعل أخذت معادلات التسعير تتغير لصالح المستوردين. هذا التغيّر في أسعار الغاز العالمي هو الأثر الأول لأهمية الغاز الصخري على التجارة العالمية، فقد شكل مصدراً جديداً للغاز على الصعيد الدولي. كما أن ولوج الغاز الصخري أسواق الغاز الدولية بكميات أكبر، مع توسع الإنتاج في أستراليا لتصبح الدولة الأولى المنتجة للغاز المسال عالمياً بإنتاج 77 مليون طن سنوياً، سيغير تدريجياً من طبيعة صناعة الغاز العالمية، والمعادلات السعرية للغاز عبر الدول، ناهيك عن مجالات التوسع في هذا القطاع. لكن مرة أخرى، يتوقع أن يكون للزيادة الكبرى والقياسية في حجم استهلاك الصين وكوريا الجنوبية وبقية الدول الناشئة دور مهم في المحافظة على أسواق وأسعار الغاز.

Share