الوسائط الاجتماعية ليست السبب في اضطرابات المنطقة

  • 27 مارس 2011

أجرى موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على الإنترنت مقابلة حصرية مع  الدكتورة إيكاترينا ستيبانوفا، باحث أول في معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية بالأكاديمية الروسية للعلوم في روسيا الاتحادية، أجابت خلالها على عدد من الأسئلة المتصلة بالأمن الوطني والإرهاب ودور الوسائط الاجتماعية في إشعال الاضطرابات التي شهدتها المنطقة العربية. وقد أُجريت هذه المقابلة على هامش مشاركتها في فعاليات المؤتمر السنوي السادس عشر للمركز، الذي عقد تحت عنوان: "التطورات الإستراتيجية العالمية: رؤية استشرافية"، في الفترة من 21-23 مارس 2011. وفيما يلي نص المقابلة:

س1: كيف تلخصين مسألة الأمن الوطني في عصرنا هذا، وما التحديات الكبرى التي تواجه هذا الأمن؟
ج:  أعتقد أن التغيير الرئيسي الذي نشهده هذه الأيام يكمن في الانتقال من مفهوم الأمن الوطني إلى مفهوم الأمن الإنساني بصفة عامة، وذلك عبر طرق مختلفة. يمكننا الاستمرار في تسميته بالأمن الوطني، لكن نقاط التركيز والمحتوى تغيرت. والسبب في هذا أن مفهوم الأمن الوطني يعود إلى القرن العشرين؛ حيث كان ينصرف بالأساس إلى المخاطر الخارجية والتهديدات العسكرية. أما اليوم، فقد حدث تحول جوهري في هذا المفهوم ليس فقط لدى بعض الدول الغربية، وإنما لدى معظم دول العالم. فمن ناحية أولى، أصبح النمط الرئيسي للصراع اليوم داخلي، وبالتالي توسع مفهوم الخطر الأمني ليشمل أيضاً الصراعات والاضطرابات الداخلية. ومن ناحية أخرى، توسعت دائرة المخاطر لتشمل أيضاً المخاطر غير العسكرية التي تتراوح بين الجرائم المنظمة وقضايا الصحة والاتجار بالمخدرات والكوارث الطبيعة والتكنولوجية والاضطرابات البيئية وسواها. وهنالك أيضاً المخاطر المتعلقة بأمن الطاقة والأمن الغذائي وغير ذلك. ويعني هذا أن القسم الأكبر من المخاطر التي تهدد الأمن الوطني اليوم هي مخاطر غير عسكرية.

س: ما هي مظاهر هذا التغيّر؟

ج: إن الاهتمام بالأمن الإنساني أصبح قضية أساسية لدى معظم دول العالم، بما في ذلك الدول التي توُصف بالأوتوقراطية، والتي أصبحت مستعدة لتغيير بعض المفاهيم. وأحد مظاهر ذلك، على سبيل المثال، هو التحول التدريجي ولكن المنتظم لدى الدول الأوتوقراطية نحو السماح بوصول المساعدات الإنسانية الدولية إلى الشعوب المضطربة في أوقات الأزمات. وهذا يعكس بعض الحقائق الأساسية مثل اضطرار حتى البلدان التي لا تعطي الأولوية لحقوق الفرد وحريته إلى تغيير بعض أنماط سلوكها. أحد الأمثلة على ذلك هو مساواة العقوبات المفروضة على الجرائم المرتكبة بحق المدنيين ومع تلك المرتكبة بحق المسؤولين الحكوميين أو العسكريين، وهذا لم يكن يحدث في بعض الدول التسلطية، فعلى سبيل المثال إذا قام أحد ما بتفجير يستهدف المدنيين في أحد الأسواق كان يعاقب بحكم أقل من الحكم الذي سيعاقب عليه إذا ارتكب الجرم نفسه بحق العسكريين أو المسؤولين الأمنيين والرسميين، أما الآن فالتعامل يتم مع المدنيين بالنسبة للملاحقة الجرمية بنفس الطريقة.

س: هل يحدث هذا في جميع أنحاء العالم أم في البلدان النامية فقط ؟

ج: بالطبع هنالك اختلافات بين بلد وآخر، لكن هذه المخاطر تؤثر في كل البلدان. فالبلدان التي تعتمد على إمداد الطاقة وعلى استيراد الغذاء قد تعاني أكثر من المسائل المتعلقة بأمن الطاقة والأمن الغذائي. أما الدول الأقل نمواُ فهي بلا شك تتأثر بشكل أقل بالأزمات المرتبطة بالمجال التكنولوجي؛ لأنها لا تعتمد كثيراً على التكنولوجيا، وهنا تكون الاختلافات. ولكن أموراً مثل الكوارث البيئية والطبيعية قد تؤثر على الجميع، كذلك الأنماط المختلفة من العنف المسلح تؤثر على الدول المتطورة والنامية على حد سواء، غير أن هنالك قدراً أقل من الصراعات الداخلية في الدول المتطورة، التي قد تتدخل في إدارة الصراعات الداخلية في الدول الأخرى. ولهذا فإن المنحى يزداد لناحية تجاوز نطاق الأمن الوطني إلى نطاق الأمن العالمي.

س: في رأيك، أين يقف العالم اليوم في مواجهته مع الإرهاب؟ وهل تعتبرين أن الحرب على الإرهاب فشلت؟

ج: لا أستطيع القول إن الحرب على الإرهاب فشلت بشكل كامل، بل أعتقد أنها حققت بعض النتائج الإيجابية مثل الإسهام في تحسين شفافية النظام المالي العالمي، وإلا فقد كان من الصعب إجبار الدول أن تتبع التوصيات المتعلقة مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. فاليوم حتى الدول التي كانت على اللائحة السوداء طبقت إجراءات مالية ومصرفية شفافة. كما أنها (أي الحرب على الإرهاب) ساهمت في تعزيز التعاون الأمني بين الدول على المستويين الثنائي والجماعي. لكن المشكلة الرئيسية هي أن الهدف الرئيسي من الحرب كان صد خطر الإرهاب العالمي بشكل نهائي، وهذا الهدف لم يتحقق. فالمعلومات المتوافرة، مهما كان مصدر المعلومات الذي تستقيه، حتى تلك الواردة في المصادر الأكاديمية الأمريكية، التي تعتبر من المعلومات الجيدة – تؤكد أن النشاطات الإرهابية قد تزايدت بشكل واضح. وبلغت الزيادة الإجمالية في العقد الماضي نحو ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في السابق، وهي أكثر حدة في منطقتين هما: الشرق الأوسط، نتيجة الصراع الفلسطيني– الإسرائيلي أو الحرب على العراق، وفي أفغانستان وباكستان رغم أنهما الهدفين الرئيسيين للحرب على الإرهاب.

س: كيف تنظرين إلى موضوع الانفصال في مناطق مثل الشيشان وكشمير؟ هل هنالك حاجة إلى استراتيجية مستقلة للتعامل معهما؟ وماذا عن الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني؟

ج: هناك فارق كبير بين الإرهاب المتعلق بالصراع، والإرهاب المستعمل كتكتيك إلى جانب هجمات العصابات ضد الأهداف العسكرية التي لا علاقة لها بالإرهاب؛ حيث يمكن استعمال هذه الأساليب من قبل بعض الحركات في نطاق الصراعات المحلية. والفرق المهم هو أنه بالنسبة لتلك المجموعات فإن جدول الأعمال ضيق، وهي لا تمتلك أية طموحات خارج إطار مناطقي ضيق مثل قسم صغير في سيريلانكا أو في شمال القوقاز. لكن هذا الأمر مختلف جداُ بالنسبة للقاعدة التي توصف دائماُ بالإرهاب العالمي، وتعتبر حركة مختلفة بالكامل من ناحية الأيديولوجيا والتنظيم. بالنسبة للمطالبين بالانفصال في كشمير والشيشان، فإن اعتبارهم إرهابيين أو منشقين هو رأي شائع جداً لكنه غير صحيح؛ لأن الصراع بهدف الحصول الحرية هو هدف سياسي، بينما الإرهاب هو مجرد أسلوب، والأمر نفسه ينطبق على عملية تحرير الهند من الاستعمار أو محاولة إنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية. والمثلان الأخيران هما بالفعل صراعات بهدف الحرية. ومن أجل تحقيق هذا الهدف تستخدم بعض المجموعات أساليب مختلفة منها حروب العصابات غير المنتظمة، أي الهجمات ضد جيش الدفاع الإسرائيلي، أو حرب العصابات الكبيرة مثل تحريك المئات أو الآلاف من الأشخاص من  قبل جبهة التحرير الوطني في الجزائر لمحاربة الفرنسيين، فهذه حرب عصابات على طريقة تشيغيفارا وليست إرهاباً. لكن هذه المجموعات أو الحركات نفسها قد تستخدم أعمالاً إرهابية تحت نفس الشعار. ولهذا فإن الأسلوبين يلتقيان إلى حد بعيد. في حالة فلسطين، فإن الهدف شرعي بالكامل وهو جزء من القانون الدولي إلى حد ما؛ لأنه ضمن قرارات مجلس الأمن الدولي. ولكن مهما كانت الأهداف نبيلة فإن الهدف لا يبرر الهجوم على المدنيين. وفي المقابل فإن الأمر المعكوس صحيح، إذ إن حقيقة أن بعض المجموعات تستخدم أساليب الإرهاب باسم تحقيق هدف ما لا يلغي شرعية الهدف؛ لأن الهدف قد يكون شرعياً بالمطلق ومحقاً مثل الصراع ضد الاستعمار أو المكافحة ضد الاحتلال.

س: كيف تعرّفين إرهاب الدولة؟

ج: إرهاب الدولة هو أي استعمال للعنف من قبل أي جهة رسمية داخل الدولة ضد المدنيين.  وهذا النوع من الإرهاب غير منتظم بسبب عدم وجود خصم وتسببه في إلحاق الضرر بالمدنيين العزّل. إذا كانت الدولة تستعمل العنف ضد شعبها، فإن هذا أسوأ من الإرهاب؛ لأن الإرهابيين يستخدمون العنف بسبب ضعفهم وليس قوتهم. ولكن عندما تبدأ الدولة استعمال العنف غير الشرعي ضد المدنيين فإنه يقوّض أحد الأعمدة الرئيسية التي تبنى عليها الدولة وهو احتكار الاستعمال الشرعي للقوة. وإضافة إلى الضرائب فإن توفير الحماية للمدنيين هو أحد الوظائف الرئيسية القليلة للدولة، ولهذا فعندما تبدأ بخرق هذه الوظيفة فإنها تقوض نفسها.

س: لقد ذكرت أن مسألة ربط مواقع الوسائط الاجتماعية بالثورات، هي مسألة قصيرة النظر، كيف تبررين ذلك؟

ج: هذه الظاهرة بالفعل قوية ومنتشرة كثيراُ. إن أدوات التجييش والاتصال والمعلومات سوف تستعمل بشكل فعال، وسوف نشاهد مزيد من المفاجآت في المستقبل. ولكن يجب أن لا نضخم هذا الدور كثيراً. وحتى ولو حصرنا الأمر في منطقة الشرق الأوسط، فإن الاحتجاجات حصلت في البحرين التي لديها أكبر نسبة استعمال للانترنت (88 بالمائة)، أي أعلى من الولايات المتحدة، أو في مصر حيث النسبة 23 بالمائة، ولكنها حدثت أيضاُ في اليمن حيث النسبة هي الأقل وتساوي حوالي 1 بالمائة. كما أن ليبيا لديها أقل نسبة استعمال للإنترنت عند 5 بالمائة. ولهذا فلا يوجد تناسق ولا علاقة مباشرة بين استعمال الإنترنت والاحتجاجات التي شهدتها المنطقة. ومن الواضح أن استعمال الإنترنت ليس السبب وراء العنف وإنما هو مجرد أداة.

Share