الوجه الإنساني للسياسة الخارجية الإماراتية

  • 19 يوليو 2012

دأبت دولة الإمارات العربية المتحدة منذ نشأتها على المبادرة لمد يد العون وتقديم المساعدة لكافة الشعوب التي تتعرض للأزمات والكوارث، سواء الطبيعية منها كالزلازل والبراكين والفيضانات والمجاعات والأمراض القاتلة، أو تلك الناجمة عن سلوك البشر كالحروب والأزمات الاقتصادية وما يرتبط بها من مشكلات إنسانية؛ مثل اللجوء والنزوح الجماعي والفقر والتشرد، وغير ذلك من مشكلات تحتاج إلى التعامل معها بكل تجرد وإنسانية، بعيداً عن كل المؤثرات الأيديولوجية والدينية والعرقية.

إن دولة الإمارات، من خلال هذه السياسة الإنسانية الحكيمة التي أرسى دعائمها مؤسس الدولة وباني نهضتها المغفور له – بإذن الله تعالى – الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ورسخها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بوصفها نهجاً ثابتاً في السياسة الخارجية الإماراتية، استطاعت أن تحجز لنفسها مكاناً متميزاً في مجال العمل الإنساني الدولي، وأن تصبح عنواناً بارزاً للخير والعطاء، ونموذجاً يحظى بالتقدير والاحترام على المستويين الإقليمي والدولي في التضامن والتكاتف مع الشعوب المختلفة في أوقات المحن والأزمات.

في هذا السياق، تعددت المبادرات والمساعدات الإنسانية التي قدمتها دولة الإمارات على مدار الأسابيع القليلة الماضية بهدف مساعدة الشعب اليمني على تجاوز الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يعيشها وتوفير حاجاته الأساسية؛ ففي نهاية حزيران/يونيو الماضي، صدرت توجيهات صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، بتنظيم حملة "سندهم"، التي بدأت في الثلاثين من ذاك الشهر وانتهت في الثاني من تموز/يوليو الجاري، لدعم الأوضاع الإنسانية في هذا البلد الشقيق. وكان لافتاً حجم التجاوب الشعبي الكبير مع هذه الحملة، في تأكيد جديد على ما يتمتع به هذا الشعب الأصيل وقيادته الحكيمة من قيم نبيلة ورغبة صادقة في تحقيق سعادة البشر وتخفيف معاناتهم أينما وجدوا.

وقد جاء تنظيم هذه الحملة الإنسانية بعد أيام قليلة من إصدار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، أوامره باعتماد 500 مليون درهم لشراء وتوزيع مواد غذائية متنوعة للشعب اليمني الشقيق بصورة عاجلة، في تأكيد آخر على حرص سموه على تخفيف معاناة أبناء الشعب اليمني الحياتية في الظروف الصعبة التي يمرون بها، وتوفير احتياجاتهم الأساسية من السلع والمواد الغذائية. ويلاحظ في هذا الأمر الكريم أمران مهمان: الأول، تكليف صاحب السمو رئيس الدولة مؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية شراء هذه المواد من الأسواق المحلية في اليمن، وذلك بهدف تنشيط الاقتصاد وإنعاش السوق المحلية، والثاني هو توجيه سموه المؤسسة بتقديم هذه المساعدات مباشرة إلى الشعب اليمني من خلال إقامة منافذ للتوزيع في مختلف المناطق لضمان وصولها في أسرع وقت إلى أكبر عدد من شرائح المجتمع اليمني؛ ما يكفل تخفيف معاناتهم الحياتية. وقد قامت المؤسسة بالفعل بشراء نحو 30 ألف سلة غذائية من السوق المحلية وتوزيعها على النازحين والسكان المتضررين من تطورات الأحداث في اليمن، واحتوت هذه السلال على سلع أساسية مهمة؛ كالأرز والطحين وحليب الأطفال والمعلبات الغذائية والسكر والزيت وغيرها.

ويلاحظ بشكل عام أن المساعدات الإماراتية للشعب اليمني الشقيق لم تتوقف في أي فترة من الفترات أو تقتصر على مجال محدد؛ ففي تموز/يوليو من العام الماضي 2011 أمر صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، بتقديم ٤٠ ألف طن من وقود الديزل منحة للجمهورية اليمنية لمواجهة أزمة الوقود التي كانت مشتعلة آنذاك، وتسببت في توقف بعض محطات توليد الطاقة الكهربائية وتزويد الوقود للسيارات. وفي أيار/مايو 2008 أمر صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله بشراء 500 ألف طن من القمح وإهدائها للشعب اليمني من أجل مواجهة النقص الغذائي الذي يعانيه الأشقاء في اليمن، وغير ذلك من مبادرات تعكس حرص الإمارات وقيادتها الرشيدة على تقديم كل ما من شأنه أن يساهم في تخفيف الأعباء المعيشية للشعب اليمني الشقيق ويحفظ أمنه واستقراره.

وبطبيعة الحال، فإن أيادي الخير الإماراتية لم تقف عند الأشقاء في اليمن، فأينما كانت هناك حاجة لتقديم المساعدة في أي مكان نجد الإمارات سباقة في مد يد العون، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى؛ ففي سورية ومع اشتداد الأزمة السياسية وتفاقمها، وما ترتب على ذلك من نزوح لآلاف السكان، سارعت الإمارات – من خلال مؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية وهيئة الهلال الأحمر الإماراتية – بتقديم المساعدات للنازحين السوريين في البلدان المجاورة، كلبنان والأردن، حيث تم توزيع 12 ألف طرد غذائي على الأسر السورية النازحة في محافظات البقاع و طرابلس وعكار بلبنان، كما تم توزيع أكثر من 7 آلاف طرد غذائي وصحي على الأسر السورية اللاجئة المتواجدة في العاصمة الأردنية عمّان والمحافظات القريبة. وقد حظيت هذه المساعدات بالإشادة من قبل الأمانة العامة للمنظمة العربية للهلال الأحمر والصليب الأحمر وكذلك من قبل العديد من المؤسسات الإنسانية والخيرية الإقليمية والدولية.

ومن الأمثلة الأخرى لهذا الوجه الإنساني للسياسة الإماراتية "المشروع الإماراتي لمساعدة باكستان" الذي يقام تنفيذاً لتوجيهات صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، لدعم البنية التحتية في إقليم خيبر بختونخوا ومناطق شمال غرب باكستان من خلال العديد من المشروعات في قطاعات التعليم والرعاية الصحية وبناء الطرق والجسور وتوفير المياه النظيفة. وقد تم في إطار هذا المشروع تنفيذ العديد من المشروعات التنموية المهمة، من ذلك افتتاح جسر الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان على نهر وادي سوات بتكلفة بلغت 12.6 مليون دولار، وهو يربط بين عدد كبير من المدن والقرى على ضفتي نهر سوات وتصل حركة المواصلات عليه إلى أكثر من 5000 سيارة في اليوم، ويستفيد من خدماته نحو 70 ألف شخص من سكان المدن والقرى. كما أعلنت إدارة المشروع الإماراتي لمساعدة باكستان عن تدشين شبكات المياه الحديثة لـ44 قرية بجمهورية باكستان الإسلامية. كما أعلنت إدارة المشروع عن الانتهاء من إنجاز وتسليم 40 مدرسة وكلية ومعهداً، تم تجهيزها بجميع المعدات والوسائل التعليمية الحديثة وتسليمها للحكومة المحلية في إقليم خيبر بختونخوا، حيث انتظمت الدراسة فيها وبدأت فعلياً استقبال طلبتها الذين يبلغ عددهم نحو 21 ألف طالب وطالبة. وقد قوبلت هذه المساعدات بإشادة واسعة من فئات الشعب الباكستاني كافة.

وفي أفغانستان، خصصت الإمارات اعتباراً من العام الحالي 918 مليون درهم لمشاريع المساعدات الموجهة لهذا البلد، تم توجيه نسبة 80% منها للقطاع السكني، فيما بلغ إجمالي قيمة المساعدات الإنسانية والمالية التي قدمتها الدولة إلى الصومال خلال السنوات الأربع الماضية 92 مليون درهم، حيث أنجزت مؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية مؤخراً مشروع بناء 20 سداً مائياً و23 بئراً بالصومال لتخفيف معاناة الأشقاء هناك وتحسين ظروفهم الإنسانية. كما قامت المؤسسة أيضاً بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بتنفيذ مشروع تأهيل وتشغيل 27 محطة مياه في ولاية شمال دارفور السودانية لخدمة سكان هذه المنطقة.

وفي كارثة الزلزال التي أصابت هاييتي وأودت بحياة قرابة ربع مليون إنسان لقوا حتفهم تحت الأنقاض، قامت مؤسسة خليفة بن زايد للأعمال الإنسانية حينها بشحن 50 طناً من مواد الإغاثة العاجلة للمساهمة في إغاثة منكوبي هذا الزلزال المدمر. وفي إندونيسيا تم توزيع أكثر من 250 طناً من المواد الإغاثية العاجلة لإغاثة المتضررين من الزلازل والأعاصير التي ضربت البلاد وخلفت أضراراً مادية وبشرية كبيرة، وقد استفاد من هذه المساعدات أكثر من 10 آلاف أسرة في مختلف المدن والقرى بجزيرة سومطرة الإندونيسية.

هذه الأمثلة وغيرها توضح جانباً من الصورة المشرقة التي أصبحت تحظى بها دولة الإمارات على الساحة الدولية. ولعل ما يزيد هذه الصورة بريقاً أن الدولة في تقديمها للمساعدات الإنسانية للمتضررين في مناطق العالم المختلفة تتسم بنهج الحياد التام وعدم الانحياز لأي جنس أو دين، والتركيز فقط على الجانب الإنساني البحت، بعيداً عن وضع أي شروط مسبقة أو ممارسة أي نفوذ لتحقيق هدف سياسي من وراء تلك المساعدات؛ فقد نأت الإمارات بنفسها تماماً عن استغلال الحاجات الإنسانية لتحقيق أي غاية أخرى حتى لا تمس الجوهر الحقيقي لهذه المساعدات باعتبارها فعل خير موجهاً لتخفيف معاناة البشر ومساعدتهم.

وبالعودة إلى لغة الأرقام التي تتحدث بحيادية عن هذا الوجه الإنساني للسياسة الإماراتية، فقد أوضح تقرير "المساعدات الخارجية لدولة الإمارات لعام 2010 الذي نشر في نوفمبر2011 أن الدولة قدمت خلال عام 2010 مساعدات مدفوعة بقيمة 2.8 مليار درهم إماراتي في صورة مِنَح وقروض لصالح برامج التنمية والمساعدات الإنسانية والخيرية، استفاد منها أكثر من 120 بلداً في مختلف قارات العالم ، كما التزمت الجهات المانحة والمؤسسات الخيرية الإماراتية بتقديم مساعدات أخرى تقدر بنحو 2.81 مليار درهم لصالح برامج التنمية التي سيتم تنفيذها بعد عام 2010. وقد تم إنفاق ما نسبته 79.1% من هذه المساعدات لصالح مشروعات التنمية في الدول المختلفة، في حين تم توجيه ما قيمته 401.3 مليون درهم للمساعدات الإنسانية بنسبة 14.3% من إجمالي قيمة المساعدات، وتم إنفاق النسبة الباقية التي تبلغ 6.6% على المشروعات الخيرية.

إن هذه المساعدات الإنسانية التي تقدمها الدولة لمختلف بلدان وشعوب العالم المتضررة لعبت دوراً مهماً في رسم الصورة الحضارية والإنسانية التي باتت تتمتع بها الإمارات على المستويين الإقليمي والعالمي، فضلاً عن دورها في خدمة أهداف السياسة الإماراتية الرامية إلى تعميق وتأصيل ثقافة وقيم التسامح والسلام والتنمية في العالم، وهو ما أكسب الدولة احتراماً وتقديراً واسعين في المحافل الدولية كافة، وجعلها عنواناً للخير والعطاء.

Share