الوثيقة الوطنية لدولة الإمارات لعام 2021: معان ودلالات مهمة

  • 16 فبراير 2010

تثبت القيادة الإماراتية الرشيدة يوماً تلو الآخر أنها لا تترك شيئاً للمصادفة، وأن ما حققته وتحققه الدولة من إنجازات في مختلف المجالات إنما هو نتاج جهد دؤوب ورؤى فلسفية عميقة تستند إلى قراءة عميقة وموضوعية للواقع الراهن والمتغيرات الإقليمية والدولية، وتخطط بوعي للمستقبل، للوصول بهذا الوطن المعطاء إلى أعلى درجات التقدم والرقي، ووضعه ليس فقط في مصاف الدول المتقدمة في العالم، وإنما في موقع الريادة العالمية أيضاً. وقد تجسد هذا المعنى، أفضل ما يكون التجسد، في الوثيقة الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة لعام 2021، التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، في ختام خلوة عقدها مجلس الوزراء في قصر السراب الصحراوي في ليوا بالمنطقة الغربية يوم 6 فبراير/شباط الحالي (2010)، وجاءت تحت عنوان معبر جداً هو: "نريد أن نكون من أفضل دول العالم بحلول عام 2021".

وتتكون هذه الوثيقة، التي تستلهم آفاقها من برنامج العمل الوطني الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، واعتمده أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات، من أربعة عناصر رئيسية تعكس في مجموعها فلسفة العمل الوطني لدولة الإمارات حتى العام 2021، وهو العام الذي سيشهد الاحتفال باليوبيل الذهبي لدولة الاتحاد. أول هذا العناصر جاء تحت عنوان: "متحدون في الطموح والمسؤولية"، وهذا العنوان يعكس في حد ذاته إدراك القيادة الإماراتية وقناعتها بحقيقة أنه لا يمكن تحقيق أي تقدم من دون وجود مواطنين لديهم الطموح والثقة الكاملة في أنفسهم وقدراتهم الذاتية على تحقيق الإنجازات وصناعة التقدم، ويتحملون مسؤوليتهم تجاه مجتمعهم، ويلتزمون بخدمة وطنهم. وقد تم في هذا السياق تأكيد جملة من المبادئ الوطنية التي يمكن أن تساهم في تحقيق هذا الهدف، من بينها: تعزيز التلاحم الوطني الذي يرسخ قيم التكافل الاجتماعي والشراكة المجتمعية؛ ودعم الأسرة المتماسكة المزدهرة باعتبارها نواة المجتمع الإماراتي، وذلك من خلال تشجيع الزواج بين الإماراتيين وتقليص نسب الطلاق المرتفعة، واحترام العادات والتقاليد الإماراتية، ودعم الدور المتنامي للمرأة الإماراتية؛ وتعزيز قيم الهوية الوطنية والتسامح الديني والحوار مع الجنسيات الأخرى؛ وإعادة اللغة العربية إلى مكانتها كلغة معبرة عن قيم الوطن العربية والإسلامية.

أما العنصر الثاني، الذي جاء تحت عنوان "متحدون في المصير"، فقد تم التركيز فيه على ثلاث قضايا فرعية مهمة؛ أولاها تأكيد الالتزام بالعمل على تقوية وتدعيم مؤسسات دولة الاتحاد، انطلاقاً من حقيقة أن الاتحاد هو الإطار الجامع الذي تتحقق من خلاله النجاحات لمصلحة المواطن في إمارات الدولة كلها وتتكاتف فيه الجهود لمواجهة الصعاب والتحديات بروح واحدة. وفي هذا السياق أكدت الوثيقة ضرورة أن يواصل الاتحاد نموه في الضمير الوطني باعتباره مركز الولاء الأول والأخير لجميع الإماراتيين، وأن تواصل الدولة جهودها لضمان تحقيق تنمية متوازنة في أرجاء الإمارات جميعها، ترسخ من مكانتها كمجتمع عادل متضامن، يتمتع فيه الإماراتيون بفرص متكافئة ومزايا منصفة ويترابطون بحس وحدوي وطني متنام. أما القضية الثانية فهي تأكيد التزام الدولة بتأدية دورها في حماية أمن الوطن وسلامته وحماية مواطنيه من جميع الأخطار التي تهدد سلامتهم سواء كانت داخلية أو خارجية. ويعكس هذا الأمر قناعة مؤداها أنه لا يمكن تحقيق تنمية أو تقدم من دون وجود أمن واستقرار. ولا خلاف على أن ما تنعم به الدولة من أمن واستقرار بفضل سياساتها الحكيمة والمتوازنة يمثل أحد أهم العوامل الرئيسية التي تقف وراء ما تحقق على أرضها من إنجازات، والحفاظ على هذه البيئة الآمنة والمستقرة التي تنعم بها الإمارات يضمن لها دون شك تحقيق مزيد من الإنجازات التي تطمح إليها.

والقضية الثالثة تمثلت في تأكيد الالتزام بالعمل على تعزيز مكانة الإمارات على الساحة الدولية وإبراز دورها كنموذج رائد يحتذى به إقليمياً وعالمياً، ومركزاً رئيسياً للمال والأعمال، ومرجعية مهمة في الفضاء الثقافي. ولا شك في أن الإمارات قطعت بالفعل شوطاً واسعاً في هذا السياق بفضل سياستها الخارجية المتزنة، وتعاملها الحكيم مع مختلف القضايا الإقليمية والدولية. فالدولة تتبنى سياسة خارجية تنفتح على دول العالم أجمع، وتدعم الأمن والسلم العالميين، وتقدم الدعم والمساندة لكل الدول التي تعاني من الكوارث والأزمات، وتدعم قضايا الحق والعدل أينما وجدت، وترفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. وقد أكسبتها هذه السياسة تقديراً دولياً واسعاً باعتبارها دولة تنشد الأمن والاستقرار والتنمية لمواطنيها، وتسعى إلى تحقيق السلام والتعايش لجميع دول العالم. وتجسد هذا التقدير الدولي لدولة الإمارات وقيادتها السياسية في العديد من الصور والمظاهر، لعل أبرزها فوز الدولة باستضافة مقر "الوكالة الدولية للطاقة المتجددة" (إيرينا)، وهي المرة الأولى التي يتم فيها اختيار إحدى الدول النامية لتكون مقراً لهيئة دولية مهمة؛ حيث كان الأمر حكراً على الدول المتقدمة، كما أصبحت الدولة محطة رئيسية لأي مسؤول دولي مهتم بقضايا المنطقة باعتبارها عاملاً مهماً من عوامل الاستقرار في المنطقة، وهو الأمر الذي تحاول الوثيقة الوطنية لدولة الإمارات لعام 2021 استثماره والبناء عليه لتعزيز مكانة الدولة إقليمياً ودولياً وتوظيف ذلك لخدمة قضايا النمو والتنمية.

العنصر الرئيسي الثالث في الوثيقة ركّز على بعد آخر لا يقل أهمية في دعم مسيرة العمل الوطني، وهو الاهتمام باقتصاد المعرفة، الذي ترى فيه القيادة الإماراتية مدخلاً مهماً لتحقيق معدلات تنمية مرتفعة في العديد من القطاعات الحيوية، والتكيف مع التطورات الجذرية التي يشهدها العالم المعاصر في ظل ثورة المعلومات والطفرة التكنولوجية غير المسبوقة. وفي هذا السياق حددت الوثيقة هدفها في العمل على بناء "اقتصاد معرفي متنوع مرن تقوده كفاءات إماراتية ماهرة، وتعززه أفضل الخبرات بما يضمن الازدهار بعيد المدى للإمارات"، كما شددت الوثيقة على ضرورة الاستمرار في سياسة التنويع الاقتصادي باعتبارها الحل الأمثل لتحقيق تنمية مستدامة في مستقبل أقل اعتماداً على الموارد النفطية، وذلك عبر توجيه الطاقات نحو الصناعات والخدمات التي تمكن الدولة من بناء ميزات تنافسية بعيدة المدى، وبالاستناد إلى حزمة من مصادر الطاقة المستدامة، التي تؤمن للإمارات دوراً مهماً في مجال الطاقة البديلة والمتجددة، ومنها الطاقة النووية.

ويتعين الإشارة هنا إلى أن الإمارات حققت بالفعل العديد من الإنجازات المهمة في هذا الصدد. فالدولة أصبحت تحتل موقع الريادة على المستوى الدولي في مجال الاهتمام بطاقة المستقبل المتجددة والنظيفة، وتقوم تصوراتها وخططها وتحركاتها في هذا الصدد على أساس من الجدية والطموح، وهذا ما يتضح في مبادرة مصدر التي تتضمن العديد من المشروعات غير المسبوقة في هذا المجال، و"جائزة زايد لطاقة المستقبل" التي تمنح للأفراد والمؤسسات الذين يقدمون مساهمات كبيرة في مجالي تلبية الحاجة إلى الطاقة ومواجهة مشكلات التغير المناخي، وغير ذلك من المبادرات التي كانت سبباً في اختيار الدولة لتكون مقراً دائماً "للوكالة الدولية للطاقة المتجددة". كما شرعت في تنفيذ برنامج نووي سلمي يتمتع بأقصى درجات الشفافية والأمان، وذلك بهدف تلبية الحاجة المتزايدة إلى مصادر الطاقة النظيفة، وقطعت خطوات مهمة في مجال تنويع الاقتصاد وتوطين التكنولوجيا الحديثة، ونجحت في إحداث نقلة نوعية في المؤسسات والمرافق المختلفة عبر تزويدها بآلية التكيف مع اقتصاد المعرفة والاستجابة السريعة لأحدث ما تنتجه التكنولوجيا، وتطويعها من أجل خدمة التنمية. وقد ساهم كل ذلك في تحول الدولة بالفعل إلى مركز للريادة والأعمال في المنطقة، وأصبح يشار إلى تجربتها التنموية باعتبارها نموذجاً يحتذى لكل الدول الراغبة في تحقيق التقدم والتطور.

أما العنصر الرابع والأخير في الوثيقة والذي حمل عنوان "متحدون في الرخاء"، فقد جاء مؤكداً على توجه رئيسي حكم، ولا يزال يحكم، كل خطط التنمية في الإمارات، وهو الاهتمام بالعنصر البشري، الذي يمثل محور الرؤية التنموية للدولة منذ استقلالها، باعتبار أن الإنسان هو صانع التنمية وهدفها. وفي هذا السياق جاءت الوثيقة لتؤكد ضرورة الارتقاء بجودة حياة المواطنين الإماراتيين، من خلال الالتزام التام من جانب الحكومة بجودة النظام الصحي على نحو يضمن وصول كل إماراتي إلى الخدمات الصحية والعلاجية التي يحتاجها وفق أفضل المستويات العالمية، وزيادة الوعي حول المخاطر الصحية وضمان الوقاية منها، وتوفير نظام تعليمي من الطراز الأول يضمن رفع مستوى التحصيل العلمي للمواطنين ويوسع مداركهم ويصقل شخصياتهم لتكون أكثر غنى وتكاملاً، مع تطوير مناهج التعليم لتتجاوز التلقين إلى تنمية التفكير النقدي والقدرات العقلية، على نحو يضمن تخريج أجيال جديدة قادرة على إفادة وطنها. كما نصت الوثيقة على ضرورة تمتع المواطنين بنمط حياة متكامل تعززه خدمات حكومية متميزة، وتثريه أنشطة اجتماعية وثقافية متنوعة في محيط سليم وبيئة طبيعية غنية. ولا يخفى على أحد أن دولة الإمارات حققت العديد من الإنجازات في مجال التنمية البشرية، وضعتها في مصاف الدول المتقدمة؛ حيث تحتل الدولة موقعاً متقدماً على المستويات الخليجية والعربية والعالمية في معايير التنمية البشرية، وفقاً للتقرير السنوي الذي يصدر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في هذا الخصوص.

لقد حققت دولة الإمارات العديد من الإنجازات المهمة في كافة المجالات، وأصبحت صاحبة تجربة تنموية وحضارية يشار إليها بالبنان على المستويين الإقليمي والدولي، غير أن إصدار الوثيقة الوطنية للدولة لعام 2021 جاء ليؤكد حقيقة في غاية الأهمية، وهي إيمان القيادة الإماراتية بأن ما تحقق من إنجازات لا يمثل سبباً للقنوع بما تحقق أو مبرراً للارتكان إليه، وإنما هو سبب لمزيد من الجهد والعمل للحفاظ على هذه الإنجازات، والمضي خطوات أبعد إلى الأمام. ولا شك في أن دولة تحكمها قيادة تتمتع بمثل هذه الحكمة والطموح، لابد أن تكون من أفضل دول العالم.

Share