الهروب إلى الخلف

  • 21 أكتوبر 2003

ما ورد بالتقرير الأخير للتنمية البشرية الخاص بالعالم العربي، لم يحمل مفاجآت جديدة أو تشخيصا حديثا لأمراض متوارثة يعانيها الجسد العربي، ولكن اللافت هو ما نشر بشأن "اعتذار" الجامعة العربية عن عدم استضافة مراسم إعلان التقرير الذي يتناول عادة قضايا متعددة في مجالات التعليم والمعرفة وقضايا المرأة وحقوق الإنسان. والمعروف أن الجامعة استضافت هذه المراسم العام الماضي ولكنها تعللت هذا العام بـ "ارتباطات وانشغالات" للأمين العام تزامنت مع توقيت إعلان التقرير.

وإذا كان أبرز ما ورد في تقرير العام الحالي هو أنه حذر من مبالغة بعض الدول العربية في إلقاء فشلها على التحديات الخارجية"، فإن الكثيرين يعتقدون بأن المكان الطبيعي لمناقشة أمور كهذه هو الجامعة العربية التي يجمع العرب على ضرورة إعادة هيكلتها بما يعزز دورها، وربما كانت الشفافية والنقاشات الصريحة التي تهدف إلى نقد الذات هي بوابة العبور نحو إصلاح الجامعة ووضع أسس جديدة للعمل العربي المشترك في عالم متغير يرتكز على لغة المصالح المشتركة وتتنازعه الكيانات الاقتصادية الكبرى، وهذه النقاشات أيضا وسيلة كي تتحول الجامعة العربية من مجرد ميدان لإدارة الأزمات، إلى أداة فاعلة لحل وتجاوز الخلافات ومواجهة الإشكاليات التي تواجه الدول العربية بما يتماشى مع الواقع الدولي والإقليمي الراهن. وقد يكون من الغريب أن يتحدث الكثيرون عن إصلاح الجامعة العربية، من دون أن تبدأ الجامعة ذاتها بإمساك زمام المبادرة وفتح ملف الإصلاح في الدول العربية، وأن تفتح ملفات تعد بمنزلة "حصان طروادة" لانتقاد الدول العربية وتوجيه اللوم إليها في وسائل الإعلام الغربية. والسؤال الآن هو: هل يتماشى "الاعتذار" عن عدم استضافة تقرير التنمية البشرية الخاص بالعالم العربي مع الانطلاقة الجديدة للجامعة التي بشّر بها الأمين العام عمرو موسى عند توليه المسؤولية؟ حيث وعد بأن هذه الانطلاقة ستجعل من الجامعة "أمرا مختلفا"، مؤكدا أنها تحتاج إلى إعادة بناء وهيكلة.

صحيح أن الجامعة ليست سوى "مرآة" للوضع العربي الراهن وأن من التبسيط اختزال حالتها الراهنة وتفسيره في ضوء موقف كهذا، ولكن الآمال لا تزال قائمة في إعادة ثقة العرب في جامعتهم كإطار عمل مشترك يواجهون من خلاله قضاياهم ويضعون آليات جادة لتعاون حقيقي في المجالات كافة. فالأمم تحتاج بين الفينة والأخرى إلى وقفة مع الذات تراجع فيها ما مضى وتضع التصورات الاستراتيجية لما هو آت، فالوقت يمر والعالم يتغير وليس هناك مجال للانكفاء على الذات.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات