الهدف هو فتنة طائفيّة في العالم كلّه

  • 5 يناير 2011

استهداف قوى الإرهاب والتطرّف للمسيحيين في أكثر من بلد خلال الفترة الأخيرة، سواء في المنطقة العربيّة أو خارجها، يشير إلى الانتقال إلى مرحلة جديدة في خططها لتفجير العالم وإثارة الصّراعات والاضطرابات بين ربوعه، تركّز فيها على إحداث فتنة طائفية بين المسلمين والمسيحيين، ليس في منطقة الشرق الأوسط فقط، وإنّما على مستوى العالم كله أيضاً. ففي ظل الحرب العالمية القوية ضد الجماعات الإرهابيّة، وإجراءات حصارها وتجفيف منابع تمويلها الماديّة والفكريّة، لجأت إلى اللعب في ساحة المذاهب والأديان، فبدأت بمحاولة دفع السُّنة والشِّيعة إلى الاقتتال والاحتراب في العراق، ثم اتجهت مؤخراً إلى استهداف المسيحيين، وجاء الاعتداء الإرهابيّ الأخير على “كنيسة القدّيسَين” في مدينة الإسكندرية المصرية في هذا السياق.

لم يكن من قبيل المصادفة أن يأتي تفجير كنيسة الإسكندريّة في سياق عام من الاعتداءات والتهديدات ضد المسيحيين في العراق ونيجيريا والفلبين وغيرها، وامتداد هذه التهديدات إلى الطوائف المسيحية المصرية في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وأماكن أخرى في الغرب، حيث يكشف ذلك عن مخطّط عام لتيار التطرف والإرهاب لتعميق الاحتقان الطائفي الديني، ومن ثمّ العمل ليس على تفجير بعض المجتمعات ذات الثنائية الدينية من الداخل فقط، وإنما إثارة التوتّر في العلاقات الإسلامية-المسيحية على المستوى العالميّ، وإعادة الأمور في العلاقة بين الإسلام والغرب إلى الأجواء اللاحقة لاعتداءات الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة عام 2001.

في ضوء ما سبق، فإن هدف قوى الإرهاب ليس دولة بذاتها، أو منطقة دون أخرى، وإنّما الهدف هو منطقة الشرق الأوسط والعالم كله، ولذلك فإنه من المهمّ عدم النظر إلى الاعتداءات الأخيرة على المسيحيين في دول مختلفة من منظور طائفي ضيق، لأن هذا هو ما يريده الإرهابيّون، ويسعون إلى تحقيقه، وإنما من منظور أكثر اتساعاً يرى في هذه الاعتداءات موجة إرهابية جديدة على درجة كبيرة من الخطورة، لأنها تتعلق بالأديان والمقدّسات والمعتقدات، ومن ثم فإنها تحتاج إلى وقفة حاسمة في مواجهتها من قبل أصحاب الأديان جميعها، لأنها، وإن كانت موجّهة إلى الكنائس، فإنها في حقيقتها تستهدف الجميع من دون استثناء من خلال شعارات زائفة يحاول المتورّطون فيها استخدامها للتغطية على أهدافهم الشريرة.

الفتن الطائفية هي أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات في أيّ مكان، وفي أيّ وقت، كما أنها أخطر تهديد للعلاقات بين الشعوب والأديان والحضارات، لذلك فإن التصدّي لها يجب أن يكون على مستويين، الأول داخل المجتمع الواحد من خلال تماسكه ووحدته، وعدم استجابته لمحاولات زرع العداء بين أبنائه وطوائفه المختلفة، والثاني بين الدّول على الساحة العالمية من خلال إدراكها حقيقة المخطّطات الإرهابية والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، ومن ثم تصدّيها مجتمعة بقوة لأيّ محاولة لإعادة العالم مرة أخرى إلى عصر التوترات والحروب الدينية.

Share