النموذج الإماراتي للتلاحم بين القيادة والشعب

  • 15 مارس 2012

في علاقات الملوك والرؤساء والقيادات بشعوبها أطر معروفة لكل مجتمع يمكن من خلالها التعرف إلى مدى قرب رأس هرم السلطة من مختلف فئات هذا المجتمع وقدرته على تلمس حاجياتهم ومطالبهم والوقوف على همومهم ومشكلاتهم. وهذه الأطر تختلف بطبيعة الحال من مستوى إلى آخر ومن دولة إلى أخرى، فعلى مستوى الهيراركية السياسية مثلاً، يتم التعامل بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة والوزراء مع باقي المؤسسات التشريعية والقضائية وفقاً للوائح وأنظمة متعددة يتم تدريسها لطلبة العلوم السياسية للتعمق في الجانب البروتوكولي لكل شريحة على حدة. كما يختلف أسلوب التعامل بين القيادة والشعب أيضاً وفقاً لنظام الحكم في كل دولة، وحتى لو تشابهت الأساليب في الكليات، فلا بد من اختلافها في الجزئيات التي تراعي الفروقات الدقيقة والخصوصيات المرعية لدى كل شعب مقارنة بالشعوب الأخرى، وهذا هو عين التنوع الذي يضيف إلى أي مجتمع قيمة خاصة لا تتوافر لدى الآخر. ولولا هذه الخاصية لتشابهت الأنظمة وأصبحت باهتة. ومن يتعمق في جذور المجتمعات الإنسانية يدرك أنها لم تكن يوماً مستنسخة، وأن كل مجتمع له فرادته وطابعه الخاص الذي يميزه عن غيره.

ونحن في دولة الإمارات العربية المتحدة لنا خصوصيتنا المتميزة في تعامل حكامنا وقادتنا مع أفراد الشعب بكافة شرائحهم، وأهم ما في هذه الخصوصية أنه فكرة الحاجب بين المواطن والحاكم غير موجودة، فهناك تواصل مستمر ومباشر بين القيادة والشعب. والأمثلة على ذلك لا يمكن حصرها، ولعل آخرها الجولات التي قام بها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، في الأسابيع الماضية إلى العديد من المناطق في الدولة، والتي كانت في شكل زيارات اجتماعية إلى أفراد من الشعب خارج إطار البروتوكولات الرسمية في المناسبات المعهودة.

ففي 21 يناير 2012 حضر سموه مأدبة الغداء التي أقامها المواطن، سيف راشد حمر عين، أحد أعيان رأس الخيمة بمنزله تكريماً لسموه، وفي 7 فبراير 2012 أقام المواطن هلال مبارك عيسى المنصوري مأدبة غداء مماثلة في منزله بمنطقة بين الجسرين بأبوظبي تكريماً لسموه كذلك. كما حضر سموه، مأدبة الغداء التي أقامها المواطن عبدالله مطر الرميثي، في منزله بمنطقة السمحة في أبوظبي، وزار كذلك المواطن عبدالله عبدالرحمن يوسف الحمادي في منزله بذات المنطقة. وفي 23 فبراير 2012، حضر سموه مأدبة الغداء التي أقامها محمد سلطان بن هويدن الكتبي تكريماً لسموه ولسمو ولي عهد عجمان. كما التقى سموه في مقر إقامته بالذيد في إمارة الشارقة، بجموع المواطنين الذين اصطفوا لمصافحته وتبادل كل ما يدور في خلدهم بعيداً عن كل الرسميات والبيروقراطيات والإداريات التي تحول أحياناً دون هذا اللقاء لأسباب موضوعية.

إن مبادرة القيادة الحكيمة للوصول بنفسها إلى أماكن تواجد المواطنين للالتقاء بهم والتعرف على حاجياتهم، هي نهج راسخ في الرؤية والفكر الذي أرسى قواعده وأسسه، باني صرح الاتحاد ونهضته القائد الفذ والمؤسس، المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه". وهذا النهج الذي يجسد التلاحم الحقيقي بين القيادة والشعب، والذي يمثل ركناً أساسياً في إدارة دفة الحكم في الدولة، هو الذي خلق جواً من الاستقرار والأمن والطمأنينة لدى كل فرد في المجتمع، وجعله يستشعر أنه موضع رعاية واهتمام من جانب القيادة الرشيدة.

وهذه رسالة سياسية اجتماعية إلى كل أفراد شعب الإمارات بأنه إذا ما حالت الظروف الحياتية والانشغالات الاعتيادية دون وصول المواطن أو إيصال حاجته للقيادة عبر القنوات الرسمية، فإن القيادة ذاتها هي التي ستصل إليه أينما كان هذا المواطن في مختلف إمارات الدولة بمدنها وقراها.

إن آباءنا وأجدادنا يروون لنا كيف كانت صورة التعامل المباشر بين المواطن والقائد بعيداً عن متطلبات الإعلام في هذا العصر، فهؤلاء لم يخطوا حرفاً ولم يحرروا كلمة على ورق لتسليمها إلى الحاكم، بل اختصروا ذلك كله في حديث شفوي مباشر بين المواطن وقيادته الحكيمة، يتم خلاله التعبير عن آمال المواطنين ومطالبهم، وتصدر خلاله تعليمات القيادة بضرورة تلبية هذه المطالب بعيداً عن كل التعقيدات الإدارية التي كانت قائمة في هذا الوقت رغم قلتها لبساطة المجتمع في حينه.

وينبغي أن نوضح أمراً هنا قد يغيب عن كثيرين عندما يتم الحديث عن خصوصية العلاقة بين الحاكم والمحكوم في مجتمعنا، وهو ما يتعلّق بانقطاع بعض أفراد الشعب عن مجالس الحكام في بعض الأحيان لأسباب معينة قد لا توضح في حينها، فقد كان هذا الأمر يلفت انتباه الحاكم، الذي يبادر بالسؤال عمن غاب عن مجلسه، ولو استدعى الأمر توجه الحاكم نفسه أو من ينوب عنه للسؤال عن سبب انقطاع هذا المواطن غير المعتاد. علماً بأن ذلك لم يكن يخص أعيان البلد فقط، بل أفراد الشعب العاديين أيضاً؛ لأن الجميع في عين الحاكم سواسية؛ وجميعهم مواطنون، وهذا هو المحك والمقياس.

بعض المجتمعات يغيب عنها هذا الفهم أو هذا النمط من الإدارة السياسية لشؤون أفراد الشعب، ولا يتصور أن يكون هذا جزءاً من نسيج المجتمع المتلاحم والذي تذوب فيه الفوارق بين المواطنين، وبينهم وبين القيادة التي عادة ما يكون الوصول إليها من قبل المواطنين سهلاً وميسوراً، عكس معظم دول العالم الأخرى. ونضرب مثلاً بقصة شاب خليجي سافر إلى دولة عربية في بعثة رسمية لاستكمال دراسته هناك، فصادف من العراقيل البيروقراطية ما حال دون تحقيق حلمه في الجلوس على كرسي الدراسة في الجامعة. وبعد أن أُغلقت أمامه كل الأبواب، قيل له إن موضوعه لا يحله إلا رئيس الدولة. وقد ظن الطالب أن ذلك من قبيل السخرية أو تعقيد أموره، ومع ذلك قبل الأمر متحدياً نفسه، وتوجه إلى القنوات التي توصله إلى الرئيس مباشرة، وتم له الأمر ووصل إلى مبتغاه، فعاد إلى الجامعة. وقال له المسؤول هناك باندهاش: كيف فعلت ذلك؟ فمقابلة الرئيس عندنا تظلّ حلماً يرافقنا منذ الصغر حتى آخر العمر! فأجابه الطالب بأن ما تعدونه حلماً يستحيل تحقيقه، هو عندنا أبسط من شرب الماء، فالالتقاء بالرئيس متى تريد هو الأصل، أما الاستثناء فهو ما يحدث لديكم.

ما الذي جعل هذا النمط الفريد من طبيعة العلاقة بين الحاكم وشعبه يأخذ هذا البعد التلقائي والفطري؟ لا شك في أنه كان لتراث المجتمع وتراكمات بناء النسيج الاجتماعي في دولتنا الحبيبة، الدور المهم في هذا الأمر، فقد تأسست هذه الدولة على مبدأ التوافق والتناغم بين القيادة والشعب، بعيداً عن التحزب والتعصب والعنصرية والانحياز الأيديولوجي والفكري على حساب المصلحة العامة للوطن. الأمر الثاني الذي يفسر هذا الأمر، هو حرص القيادة الرشيدة على التعامل مع أفراد الشعب من منظور الأسرة الواحدة والمسؤولية المشتركة في بذل كل ما يعزّز هذا التلاحم الذي يمثل ضمانة استقرار المجتمع ونهضته.

من المهم هنا أيضاً توضيح أن كل تقارب بين القيادة والشعب لا يعني فقط التركيز على جانب تلبية احتياجات المواطنين، وإن كان ذلك من صلب اهتمام القيادة بكل مستوياتها، فهناك جزء آخر مهم، وهو الحرص المشترك على استمرار الوشائج الإنسانية التي تحافظ على لب هذه العلاقة الفريدة، وتزيد من الولاء والإخلاص بعيداً عن الاعتبارات المادية.

إن دولة الإمارات تشهد نموذجاً من القيادة غير المتكلفة في تعاملها مع الشعب؛ لأنها سادت القلوب وملكت الحواس والمشاعرة، ولا يمكن طبعاً حصر ذلك فقط في الجولات والزيارات الاجتماعية، سواءٌ أكانت لأفراد معينين أم لجموع كبيرة من المواطنين بمناسبة وبغير مناسبة.

إن حكمة القيادة الإماراتية تتجلى في أنها لم تقيد نفسها يوماً بالأطر الرسمية أو الإدارية في تعاملها مع المواطنين، فقد تجاوزت ذلك، وباتت أقرب إلى نبض القلوب. وهذه الطريقة في الحكم أثمرت هذا النموذج الفريد في التلاحم بين القيادة الرشيدة والمواطنين، والذي أثمر استقراراً داخلياً، ونهضة تنموية شاملة يشار إليها في جميع أنحاء العالم بالبنان.

Share