النفط سيحافظ على دوره الرائد كمصدر للطاقة في المدى المنظور

  • 10 نوفمبر 2010

أجرى موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على شبكة الإنترنت مقابلة حصرية مع سعادة الدكتور ماجد عبد الله المنيف، عضو لجنة الشؤون الاقتصادية والطاقة في مجلس الشورى السعودي ورئيس فريق الطاقة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية ومحافظ المملكة العربية السعودية لدى مجلس محافظي أوبك، وذلك على هامش مشاركته في أعمال المؤتمر السنوي السادس عشر للطاقة الذي نظمه المركز خلال الفترة من 8-10 نوفمبر 2010. وتطرقت المقابلة إلى العديد من القضايا المهمة كالدور المستقبلي للنفط والغاز كمصدر للطاقة، والسعر العادل للنفط، وسياسات دول مجلس التعاون الخليجي في مجال تطوير مصادر الطاقة البديلة والارتقاء بالصناعات النفطية، وغيرها من القضايا ذات الصلة. وفيما يلي نص المقابلة:

س1: تطرق بعض المحاضرين المشاركين في المؤتمر السنوي السادس عشر للطاقة الذي نظمه المركز للدور المستقبلي للنفط والغاز، موضحين أن ظهور تقنيات جديدة في مجال إنتاج الطاقة البديلة، ولاسيما في قطاع النقل والمواصلات، سيدفع أسعار النفط إلى الانخفاض بشكل كبير يؤثر بالسلب على الدول المنتجة له، ويرتبط هذا الحديث بالمقولة التي يتم تداولها منذ فترة بأن عصر النفط إلى زوال، ما تعليقكم؟

ج: التوقعات تعتمد على المدى الزمني، فعلى الرغم من كل الجهود التي بذلت في مجال تنويع مصادر الطاقة على المستوى العالمي، مازال النفط والغاز يشكلان نحو 60% من استهلاك الطاقة العالمي، ومن المتوقع أن يستمر النفط والغاز في احتلال هذا الدور في مجال الطاقة خلال العقود الثلاثة المقبلة. ولكن على الرغم من أن ابتكار أي تقنية جديدة في قطاع النقل والمواصلات يمكن أن تؤثر في دور النفط والغاز في هذا القطاع، وكمصدر للطاقة بشكل عام، على أساس أن هذا القطاع يستهلك الجزء الأكبر من المنتجات النفطية المصنع، فإن ذلك الابتكار إن حدث، سيحتاج بلا شك إلى سنوات طويلة حتى يتم قبوله لدى الجمهور. فهناك على سبيل المثال مئات الملايين من السيارات أو المركبات المصنعة التي يتم تداولها في الأسواق، وهذه المركبات لن تستطيع التكيف مع التقنية الجديدة، ولن يتم استبدالها في فترة قصيرة، وسيحتاج الأمر إلى سنوات طويلة من أجل استيعاب تلك التقنية وتغيير هذا الأسطول الضخم من السيارات والمركبات الموجودة حالياً. كما أن أي تقنية تحتاج ليتم قبولها أن تكون تكلفتها منخفضة، وأن تكون آمنة لا تؤثر في سلامة المركبة والركاب، وهذه كلها عوامل تجعل الانتقال من النفط إلى التقنية الجديدة بحاجة إلى وقت ربما يكون طويلاً.

لا ينفي ذلك حقيقة إمكانية حدوث تطور تقني يقلل من أهمية النفط على المدى الزمني المتوسط أو الطويل، أو تطوير مصادر بديلة للطاقة، أو تطوير تقنية جديدة تسهل عملية الحفر في أعماق البحار والمحيطات بشكل يزيد المعروض من النفط والغاز ويخفض أسعاره، ولكن حدوث تطور ثوري يؤدي إلى انتهاء عصر النفط هذا غير وارد حالياً، وإن كان ممكناً في خلال عقدين أو ثلاث عقود، وهذه الفترة ليست طويلة بالنسبة لعمر المجتمعات، لذلك يجب على دول المجلس الخليجي أن تعمل بقوة من الآن على تنويع مصادرها من الطاقة، وأن تستثمر المرحلة التاريخية المهمة، التي تعيشها، فنحن لدينا ثروة النفط التي يحتاجها العالم الآن، ولدينا العوائد التي نجنيها من هذه الثروة، ويجب أن نوظف تلك العوائد في توفير مصادر بديلة تضمن استمرار عملية التنمية في المستقبل.. يجب أن يكون النفط هو الجسر الذي نعبر عليه للمستقبل، ويجب أن نستغل إيراداته أفضل استغلال، وأن نقلل الاعتماد عليه تحسباً لأية ظروف طارئة.

س2: كيف تنظرون للتغيرات الحالية في سوق الطاقة العالمية، ولاسيما السعي المحموم حالياً للبحث عن مصادر طاقة بديلة؟ وما هي خطط دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في هذا المجال؟

ج: بعض دول مجلس التعاون الخليجي قطعت شوطاً مهماً في مجال تطوير مصادر الطاقة البديلة، كالطاقة النووية والطاقة الشمسية، مثل دولة الإمارات العربية المتحدة التي تعد رائدة في هذا المجال، والمملكة العربية السعودية، التي لديها العديد من المشروعات المهمة أيضاً مثل مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة، والتي يُنتظر أن تتولى مهام برامج الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية في المملكة وتوفير الإطار التنظيمي لتوظيف هذه الطاقة واستخدامها، وإيجاد الكوادر البشرية المؤهلة والمدربة للتعامل معها. فالمشكلة لا تكمن فقط في بناء المفاعلات النووية، ولكن الأهم من ذلك هو إيجاد الكوادر البشرية المواطنة التي تدير هذه المشروعات الضخمة والحساسة. غير أن الأمور قد تأخذ بعض الوقت، خاصة في مجال تطوير الطاقة النووية التي تحتاج إلى وقت طويل لإعداد الكوادر وإبرام الاتفاقيات اللازمة والتأكد من اعتبارات السلامة والأمان.

س3: تؤدي المملكة العربية السعودية وباقي دول الخليج العربي دوراً رائداً في منظمة أوبك للحفاظ على استقرار أسعار الطاقة العالمية وتوصف بأنها من "الحمائم" داخل المنظمة، هلا تفضلتم بتوضيح أبعاد هذا الدور؟

ج: لدى المملكة العربية السعودية وباقي دول مجلس التعاون الخليجي رؤية بعيد المدى في إدارة مواردها النفطية، فهذه الدول تملك احتياطات نفطية كبيرة، وتخطط للحفاظ على هذه الموارد وتحقيق أفضل استثمار لها لأطول فترة ممكنة؛ وهي لا تنظر إلى سعر النفط اليوم فقط، وإنما على مدى عشرين أو ثلاثين سنة قادمة، والاعتدال ينبع من هذه الحقيقة، التي تقتضي على سبيل المثال النظر إلى أثر الأسعار على نمو الطلب على النفط في المستقبل، ومن ثم فهي لا تحاول فرض أسعار تحد من هذا الطلب بشكل يؤثر في خطط التنمية المستقبلية، كما أنها لا تؤيد فكرة التوظيف السياسي لمواردها النفطية، وتحاول إبقاء هذا الموضوع في دائرة الاقتصاد فقط، كما أن التقلبات الحادة في الأسعار لا تعطي الدول المنتجة نفسها سبيل إلى تخطيط الإنتاج بشكل جيد وقد تدفع المستهلكين للبحث عن بدائل أخرى حتى لو كانت أكثر تكلفة، لذا فإن الاعتدال في سياسة دول الخليج النفطية نابع من نظرتها للمستقبل، ولدور النفط كمحرك للنمو للاقتصاد العالمي.

س4: كثير من الدول المنتجة للنفط الخام تعاني نقصاً في المنتجات البترولية المكررة كالبنزين وغيره، وقد يستخدم ذلك كعامل ضغط على هذه الدول، مثلما هو الحال مع إيران، هل تعاني دول الخليج العربية مثل هذا النقص، وما هو حجم الاستثمارات الخليجية في مجال الصناعات البترولية؟

ج: تهتم دول مجلس التعاون الخليجي بالصناعات النفطية بشكل كبير، وهناك خطط كبيرة لبناء مزيد من المصافي لتكرير النفط داخل هذه الدول، وتحديث المصافي القائمة لإنتاج منتجات تلائم طبيعة الطلب الحالي. كما أن دول المجلس ليس لديها أية مشكلة فيما يتعلق بمسألة الاستثمارات الأجنبية بل إنها ترحب وتشجع هذه الاستثمارات في مجال الصناعات النفطية، ولاسيما في عملية بناء المصافي، ومعظم المشروعات المنفذة في هذا الصدد تتم بالمشاركة بين شركات النفط الوطنية والشركات الأجنبية التي لديها خبرة في هذا المجال. ورغم أن حجم الطلب المحلي على المشتقات النفطية ينمو بمعدلات سريعة جداً، ولاسيما مع تزايد معدلات النمو والتنمية في دول الخليج، فإن هذه الدول لا تعاني أي نقص في المنتجات النفطية المصنعة، وإن كان هذا الطلب قد قلل من حجم هذه المنتجات المعد للتصدير الخارجي؛ حيث إن الجزء الأكبر من هذه المنتجات يذهب حالياً للسوق المحلي، وإذا استمر هذا النمط من دون الاستثمار في بناء مصافي جديدة وتطوير ما هو قائم يمكن أن يحدث هذا النقص الذي سيتم تلبيته باللجوء للاستيراد، ولكن كل دول الخليج توجّه حجماً كبيراً من استثماراتها في هذا الصدد؛ حيث يبلغ حجم الاستثمارات في البترول والغاز خلال الفترة من 2010-2015 في كل دول المجلس حوالي 220 مليار دولار، نصفها تقريباً (110 مليار) موجه إلى مجال إنتاج البترول وتكريره والنصف الآخر موجه إلى الغاز الطبيعي والصناعات البتروكيماوية.

س5: تشهد منطقة الخليج العربي العديد من التوترات السياسية التي يمكن أن تلقي بتأثيراتها على مجال النفط، على رأسها التوتر الراهن في علاقات إيران والغرب، والجدل بشأن حرب محتملة يمكن أن تقع في أي وقت على خلفية البرنامج النووي الإيراني، وتهديدات طهران بغلق مضيق هرمز أمام الصادرات النفطية العابرة للخليج العربي، هل ثمة خطط خليجية للتعامل مع مثل هذه السيناريوهات المطروحة؟

ج: هنات اتفاق داخلي بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ينص على أنه في حالة حدوث أي أزمة في نقص إمدادات النفط أو المنتجات النفطية داخل أي دولة من دول المجلس تقوم الدول الأخرى بتزويدها بالمنتجات التي تحتاجها، ولكن في حالة حدوث انقطاع في إمدادات النفط للخارج فإن الأمر في هذه الحالة سيترتب عليه حدوث أزمة دولية، وليس خليجية فقط، وسيتم التعامل معه في إطار دولي كما تم التعامل مع أزمة احتلال الكويت.

س6: ما هو السعر العادل من وجهة نظركم للنفط، وكيف يمكن الوصول لهذا السعر والحفاظ عليه؟

ج: السعر العادل للنفط هو ذلك السعر الذي يكون مقبولاً للمنتجين والمستهلكين ويشكل حافزاً للصناعة، فبالنسبة للمنتجين يجب أن يكون السعر في الحدود التي تحقق لهم مستوى التنمية التي ينشدونها، وبالنسبة للمستهلكين يكون السعر عادلاً عندما لا يؤثر سلبياً في معدلات النمو الاقتصادي في البلدان المستهلكة. أما بالنسبة للصناعة فيجب أن تكون الأسعار عند مستوى يشكل حافزاً للمضي قدماً في تطوير صناعة استخراج النفط والاستثمار في مجالات زيادة الإنتاج والتكرير وغير ذلك. إن تكلفة زيادة أي برميل جديد في تزايد مستمر، فتكلفة البرميل الحدي الإضافي الموجه للأسواق الآن مرتفعة وتتراوح بين 70 و80 دولار للبرميل، صحيح أن تكلفة البرميل في دول الخليج أقل من ذلك بكثير، ولكن العالم يحتاج إلى نفط الخليج وإلى النفط من المناطق الأخرى، لذا فإن السعر العادل حالياً، يتراوح بين 70 و80 دولار للبرميل، وهي التكلفة الحدية لأي برميل نفط إضافي يدخل السوق.

Share