النظام المصرفي الإيراني ومجموعة العمل المالية

  • 23 ديسمبر 2020

يواجه القطاع والنظام المصرفي في إيران تحديات مركبة، يرتبط جانب منها بطبيعة النظام نفسه، وآخر يرتبط بالعقوبات والقيود المصاحبة لإدراج إيران ضمن القائمة السوداء من قبل مجموعة العمل المالي الدولية، الأمر الذي سبب لها الكثير من التحديات.

إدراج اسم إيران ضمن القائمة السوداء من قِبل مجموعة العمل المالي الدولية، يُفقد النظام المالي الخيارات والأدوات التي يتيحها التعامل مع النظام المالي العالمي، في مجال الخدمات والسياسات المالية سواء للاقتراض أو تنفيذ المعاملات، ويضعه تحت المراقبة الدولية بوصفه متهمًا بغسيل الأموال وتمويل الإرهاب، ويعاني نقص الشفافية المالية التي تعيق حصوله على عضوية النظام المالي الدولي.

وعلى أرض الواقع تتنوع مكونات النظام المالي في إيران، التي يفترض أن تكون تحت قيادة وإشراف المصرف المركزي، لكن كثرة اللاعبين خارج سيطرة ونفوذ المصرف، كالبنوك المملوكة للحرس الثوري وغيره من أذرع النظام الحاكم، ووجود عشرات المؤسسات التابعة لها، إلى جانب تعثر عمليات الدمج وتأخر إقرار قوانين تجريم غسل الأموال وتمويل الإرهاب، تُفقد «المركزي» دوره التاريخي، برغم أنه تم الإعلان مؤخرًا عن الانتهاء من دمج آخر البنوك المملوكة للحرس الثوري لمصلحة توجهات المصرف المركزي، مع بقاء العديد من القضايا المتصلة بالدمج والشركات المتصلة بالبنوك من المرحلة السابقة عالقة لاتخاذ القرارات اللازمة في الأيام المقبلة سواء لتصفيتها أو دمجها أو تعديل أوضاعها القانونية والملكية.

في كل الأحوال فإن الوضع الراهن للنظام المصرفي يعدّ ضعيفًا وهشًّا، لسببين رئيسيين: الأول يتعلق بضعف قدرته على التفاعل والتواصل والعمل مع النظام المالي العالمي، والثاني ضعف القدرة الفنية والإدارية بسبب عدم تحقيق مبدأ استقلالية البنك المركزي عن باقي مكونات النظام والحكومة الإيرانية، فالقرار المالي والمصرفي لا يزال بين يدَي المرشد الأعلى الذي يقرر الخطوات والتدابير والسياسات المالية والنقدية.
استمرار إدراج إيران في القائمة السوداء لمجموعة العمل الدولية سيكون له آثار مضاعفة خلال المرحلة المقبلة في حال لم يحدث تقدم عملي على صعيد العقوبات وصفقة العودة إلى الاتفاق النووي كما يتوقع بعضهم مع الإدارة الامريكية الجديدة، لأن ذلك يعني العزل الكامل للنظام المالي الإيراني اقتصاديًّا ونقديًّا، سواء لفرص الحصول على الاقتراض أو حتى إيجاد قنوات مالية لتسهيل أنشطته المسموح بها.

البعد الآخر لتأزم واقع النظام المصرفي في إيران يتمثل في ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القدرات الشرائية للمواطنين في ظل تراجع أسعار العملة، وعدم تمكُّن المصرف المركزي من التدخل الكبير بسبب حجم الأزمة وعمقها، وكذلك تراجع الاحتياطات الاستراتيجية من النقد الأجنبي الذي يمكّنه من التدخل لاستهداف التضخم أو حماية أسعار صرف العملة، حتى بات وجود أكثر من سعر صرف للعملة الوطنية أمرًا معتادًا، وفوق ذلك وجود فرق شاسع بين السعر الرسمي للصرف وبين الأسعار في السوق السوداء، الأمر الذي يخلق فرصة لاتساع نشاط المتربّحين من فوارق الأسعار، سواء من قِبل الحكومة أو من قِبل التجار، ما يُعقّد في نهاية المطاف أية فرص لضبط القطاع المصرفي على أسس أكثر مهنية، ويُبقي النظام المالي مقسمًا إلى أنشطة رسمية ولكنها لا تعبر عن حقيقة أسعار العملة الوطنية، وأنشطة أخرى تعكس الواقع ولكن في سوق سوداء.

قد يرى بعضهم أن السبب هو العقوبات المفروضة على النظام، ولكن خلف ذلك سبب يتعلق بعدم فصل السياسة المصرفية عن السياسة الدينية، واستمرار تحكم المرشد بكل مجالات الحياة الدينية والاقتصادية والحياتية، ويتحالف معه مستفيدون من الوضع القائم ضمن مبررات تُساق لتعزيز الاستفادة وتأخير التزام الدولة بمحاربة غسل الأموال، والاصطفاف مع باقي دول العالم لمحاربة تمويل الإرهاب ومنع الجرائم العابرة للحدود الوطنية، لكن دعوات كهذه تبقى متعارضة مع علاقة إيران بأذرعها السياسية وغير السياسية في باقي الدول، وبالتالي لن تسمح بإجراءات تحد من دعمها لهذه الأذرع أو تكشف قنواتها المالية التي طوّرتها خارج النظام المصرفي التقليدي، فالانضمام إلى مجموعة العمل المالي الدولية بقدر ما هو متطلب للشفافية المالية، بقدر ما يمثل تهديدًا للمستفيدين من تمويل الإرهاب الآن وغدًا ومستقبلًا، لذلك سيكونون آخر من يصلح النظام المصرفي، وآخر من يوافق على اتفاقات ومتطلبات المجموعة، إلا إذا كانت في إطار صفقة يوافق عليها المرشد الأعلى.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات