النظام العربي وتحديات عام جديد

  • 30 ديسمبر 2010

لا أذكر باعتباري متابعاً للشؤون العربية على مدى ما يزيد عن أربعين عاماً أن النظام العربي قد استهل عاماً جديداً بهذا الكم من التحديات التي تحيط به في مطلع عام2011، وكما سنرى فإن بعض هذه التحديات بات يمس ما تبقى من هذا النظام. وهذه التحديات التي يستهل بها النظام عام2011 تنقسم إلى تحديات على صعيد الوحدات المكونة للنظام، وثانية على صعيد العلاقات بين هذه الوحدات، وثالثة تتعلق بالتفاعلات الخارجية للنظام، ونحن هنا سنركز على الأولى لما تمثله من خطر داهم.

على صعيد الوحدات المكونة للنظام يلاحظ أنه يواجه خطر تفكك عدد لا يستهان به من وحداته، ويُظهر هذا مدى التردي الذي لحق بالنظام في نصف قرن أو يزيد، فبعد أن كانت "الوحدة العربية" –أي الوحدة بين كافة وحدات النظام- هدفاً معلناً له شرعيته الواضحة في أوساط النخب والجماهير العربية، أصبح النظام يواجه تحدي الحفاظ على التماسك الداخلي لهذه الوحدات، ومنها ما تفكك فعلاً منذ ما يقرب من عشرين عاماً كالصومال دون أن يمس هذا عصب الإحساس بالخطر داخل النظام، ربما لأن الصومال دولة هامشية فيه.

يأتي بعد الصومال مباشرة، وللأسف، فلسطين أو فتات ما تبقى منها، والذي تعرض بدوره للانقسام بسبب الصراع على السلطة بين فتح وحماس، ومما يزيد من خطورته أن الانقسام السياسي الذي وقع يتطابق مع الانفصال الجغرافي بين غزة والضفة، الأمر الذي يزيد من صعوبة العودة إلى الوحدة السياسية بينهما. ولأن القضية الفلسطينية هي "قضية العرب الأولى" فقد بذلت جهود للمصالحة من قبل أطراف عديدة فاعلة في النظام العربي ولكن دون جدوى؛ لأن عوامل الانقسام بين المشروعين السياسيين لفتح وحماس تبدو متجذرة. هكذا توارت القضية الفلسطينية في الخلف كغيرها من قضايا النظام، ولم يعد لها ما كانت تتمتع به من أولوية على جدول أعماله.

من وحدات النظام ما هو بسبيله إلى التفكك كالسودان الذي يستفتي جنوبه بعد أيام على حق تقرير مصيره؛ حيث تشير كل الشواهد إلى أن سيناريو الانفصال سيفرض نفسه، والغريب أن النظام العربي قد بارك على مستوى القمم اتفاقية السلام التي وقعت في2005، واتخذ من القرارات ما يشير إلى أنه بسبيل العمل الجاد على جعل الوحدة خياراً جاذباً للجنوبيين، ثم راح في سبات عميق ليفيق في ربع الساعة الأخير، ويتحرك بعض رموزه دبلوماسياً في محاولة يائسة للحفاظ على الوحدة.

غير أن مشكلة السودان أنه موجود الآن بين شقي الرحى، فإما انفصال يمزق الجسد السوداني إلى دولتين، ثمة مؤشرات على أن العلاقات بينهما لن تكون طيبة في المدى القصير على الأقل، وإما تعثر للاستفتاء يؤدي إلى إعلان الجنوب انفصاله من جانب واحد على النحو الذي يزيد من تفاقم الأوضاع في السودان، وذلك دون أن ننسى أن مشكلة دارفور ما زالت بلا حل حاسم حتى الآن، وأن سابقة انفصال الجنوب، أو على الأقل التسليم بحقه في تقرير المصير، يمكن أن تلهب خيال القوى المعارضة للنظام السوداني في دارفور.

هناك أيضاً من وحدات النظام ما يتعرض لخطر التفكك، ومن بين هذه الوحدات العراق ولبنان واليمن، ففي العراق أدى الغزو الأمريكي إلى تمتع أكراد العراق بما يشبه وضع الدولة المستقلة، وكان الأمل أن يكون هذا الوضع سبيلاً للحفاظ على وحدة العراق، غير أن مسعود البرزاني حاكم الإقليم الكردي أعلن في المؤتمر الأخير لحزبه ما نعلم أن صدور الأكراد تخفيه، وهو الرغبة في ممارسة حق تقرير المصير، ولو حدث هذا فربما ينقسم العراق إلى ثلاث دويلات كردية وشيعية وسنية، خاصة بعد أن بدأ سنة العراق بدورهم يميلون إلى تكوين إقليم خاص بهم كرد فعل لشعورهم بالغبن في العراق الجديد. وساعتها سوف تكون إيران لا محالة هي القوة الأولى في منطقة الخليج. صحيح أن مطلب الأكراد بحق تقرير المصير تحيط به عوامل شائكة كثيرة وبالذات على الصعيد الإقليمي، ولكنه سوف يكون، دون شك، مصدر عدم استقرار سياسي عظيم في العراق.

أما لبنان فمعروفة بطبيعة الحال تركيبته الطائفية وتجاذباته العربية والإقليمية والعالمية، وما أدى إليه هذا كله من حرب أهلية شرسة استغرقت عقداً ونصف من الزمان، وقد اختلفت المعادلة الآن في لبنان، فقد كان الغزو الذي تعرض له من قبل إسرائيل في 1982 وما تبقى منه لاحقاً من احتفاظ بشريط جنوبي آمن مناسبة لبلورة المقاومة اللبنانية التي غلب على تكوينها أتباع المذهب الشيعي، وكانت هذه فرصة لإيران لتوفير موطئ قدم يعتد به في لبنان من خلال دعم هذه المقاومة التي أثبتت حضورها العسكري بما لا يدع مجالاً لأي شك في تحرير الشريط الجنوبي في عام 2000 والتصدي الناجح للعدوان الإسرائيلي في 2006. ويبدو الآن وكأن المعادلة قد تغيرت في لبنان، وبما أن الشيعة هم الطائفة الأقوى عسكرياً فإنهم باتوا يمثلون "فيتو" على سياسة الدولة اللبنانية على الرغم من مشاركتهم سياسياً في حكومات لبنانية متتالية.

ويترقب الجميع الآن صدور القرار الظني من المحكمة الدولية المكلفة بالتحقيق في اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وتتسرب الأنباء منذ مدة بما يفيد أن هذا القرار سوف يشمل أساساً عناصر من حزب الله، وهو ما يرفضه الحزب على نحو قاطع، وفي حالة صدور هذا القرار وفقاً للتوقعات سوف تكون الدولة اللبنانية في مواجهة حزب الله، وقد يتكرر –لا قدر الله- سيناريو 7 مايو2008، وإن على نحو واسع، مما يؤدي إلى عواقب وخيمة على كافة الصعد. ويبقى الأمل في أن تدرك القوى السياسية التي تقف خلف المحكمة الدولية أن صدور القرار الظني على هذا النحو لن يخدم مصالحها، بل على العكس قد يصيبها بضرر بالغ، وأن تظهر القوى السياسية اللبنانية ما سبق لها أن أظهرته من حكمة في معالجة الأزمات السياسية الصعبة على النحو الذي حال دون انفجارها.

وأخيراً هناك اليمن الذي قد لا يكون ثمة خطر حالي على وحدته، ولكن ترك الأمور تتفاقم دون معالجتها من الجذور قد يفضي إلى مثل هذا الخطر مستقبلاً. بدأ الحراك الجنوبي في اليمن حركة مطلبية تحتج على سوء أوضاع قطاعات من أهل الجنوب من جراء تداعيات حرب الانفصال في 1994، ومع عدم الاستجابة إلى مطالب الحركة بدأت ترفع مطلب الانفصال على نحو تدريجي، ثم أصبح المطلب هو القوة المحركة لها، ومن الواضح أن الحراك لا يسيطر على الشارع اليمني في الجنوب، لكن الاستهانة به من ناحية أخرى سوف تكون خطأً بالغاً، ولاسيما أن النظام اليمني يواجه في الوقت نفسه تصاعد نشاط تنظيم القاعدة على أرض اليمن، وتحدي الحوثيين الذي يمكن أن يعود به للانفجار لأوهى الأٍسباب، ناهيك عن الخلاف بين النظام والمعارضة حول إجراء الانتخابات البرلمانية القادمة. ومن شأن ترك هذه الأمور تتفاقم كلها دون المعالجة الواجبة أن يصيب اليمن بعدم استقرار شديد بالحد الأدنى وأن يهدد وحدته بالحد الأقصى.

أما على صعيد محاولات الأخذ بالمزيد من الديمقراطية في الوطن العربي فسنكتشف أن معضلة التطور الديمقراطي ما زالت مستحكمة. هناك أولاً دول لا تشغل نفسها بالموضوع أصلاً، وهناك ثانياً دول تجري انتخابات تحت لافتة الديمقراطية لكن هذه الانتخابات معترض عليها من قبل بعض القوى السياسية الفاعلة، وبالتالي فقد قاطعت الانتخابات أصلاً، وشككت بعد إجرائها في صدقية تمثيلها (الأردن)، أو اعتُرض عليها في أثناء العملية الانتخابية ذاتها، وبالتالي شكت قوى المعارضة من افتقادها إلى النزاهة، بل قاطع معظمها الانتخابات في مرحلة الإعادة (مصر)، أو أن الممارسة الديمقراطية بعد الانتخابات تدور في حلقة مفرغة من عدم الثقة بين الحكومة والمعارضة (الكويت)، ناهيك عما سبق وأن أشرنا إليه بخصوص الحالة اليمنية.

من ناحية ثانية فإن الاستقطاب الاجتماعي يتفاقم وأحوال معيشة غالبية المواطنين في معظم الدول العربية تتدهور مما أدى إلى حركات احتجاجية واسعة كما في مصر والجزائر وتونس وغيرها، وهو أمر له مردوده دون شك سواء على صعيد التطور الديمقراطي أو فيما يتعلق بالاستقرار السياسي.

أما العلاقات العربية-العربية فما زالت تعاني مما آلت إليه من تدهور وبصفة خاصة في أعقاب غزو الكويت في 1990، وهكذا تجتمع القمم العربية، وتصدر من ناحية قرارات روتينية أحياناً ومهمة أحياناً أخرى، لكنها في الحالتين لا تجد طريقها إلى التنفيذ، وتسوف من ناحية ثالثة في الموضوعات المختلف عليها فتحيلها إلى لجان بعد لجان دون نهاية واضحة في الأفق، ناهيك عن جمود ملف الصحراء الذي يكاد أن يشل الجناح الغربي للوطن العربي، وعن التوتر في عدد من العلاقات الثنائية العربية-العربية.

يبقى بديهياً والأمر كذلك أن يكون أداء النظام العربي فيما يتعلق بالمسار الفلسطيني-الإسرائيلي باهتاً وخالياً من أي فاعلية، وأن تدور السلطة الفلسطينية ومعها النظام العربي في حلقة مفرغة من السعي إلى التفاوض الذي تخربه إسرائيل مرة تلو الأخرى، دون أن تستطيع الإدارة الأمريكية أن تكبح جماحها. وتضيع السنوات سدى دون جدوى فيما تمضي إسرائيل بشراسة في تنفيذ مخططها الاستيطاني في الضفة الغربية عامة والقدس خاصة. ويبقى بديهياً كذلك أن تستمر معضلة العلاقات العربية-الإيرانية بين من لا يرون في إيران سوى سند للقضايا العربية وبين من يلمسون دورها التوسعي –ولو على الصعيد السياسي- في الوطن العربي وبصفة خاصة في العراق ولبنان. أما علاقات العرب الدولية فمعظمها مرتهن للولايات المتحدة دون جدوى كما سبقت الإشارة، وبعضها ينأى عن ذلك وإن لم يقدم نموذجاً ناجحاً بديلاً.

هكذا يدخل النظام العربي عام2011 بين احتمالي الإصلاح وهو شبه منعدم أو المزيد من التردي وهو السيناريو المرجح رغم ما ينطوي عليه من نتائج خطيرة.

Share