النظام الإيراني: نحو مصالحة الداخل لمواجهة الخارج

عبدالوهاب بدرخان: النظام الإيراني: نحو مصالحة الداخل لمواجهة الخارج

  • 28 يناير 2010

تشهد إيران سباقاً محموماً بين مساع خارجية لتشديد العقوبات عليها، وبين مساع داخلية لحل الأزمة السياسية. ومن الواضح أن المواجهات التي حصلت بين ميليشيا النظام والمعارضين، سواء في مناسبة تشييع آية الله حسين منتظري أو في المناسبات الأخرى، جعلت من تلك الأزمة واقعاً قائماً. وعلى الرغم من أن السلطة حاولت تجاهله، فإنها تأثرت بمفاعيله ولو لم تعترف بذلك. إذ إن الجهات الخارجية، ولاسيما الأمريكية، استطاعت أن تستشعر انعكاسات الأزمة على الأداء الإيراني الخارجي. ويعتبر دبلوماسيون غربيون أن التوقعات والاستعدادات التي لمسوها لدى الإيرانيين قبل انتخابات حزيران (يونيو) الماضي تغيرت تدريجياً بعدها، إلى أن اختلفت كلياً في الآونة الأخيرة. ويقول هؤلاء إن الإيرانيين كانوا أرجؤوا حسم العديد من الملفات إلى ما بعد الانتخابات، وما لبثت لهجتهم أن اختلفت كلياً مع رسوخ الأزمة ووضوحها.

قبل استئناف المفاوضات بين إيران والدول الكبرى في الأول من أكتوبر/تشرين الأول الماضي كان بدا أن النظام استطاع أن يبت أمرين: رئاسة محمود أحمدي نجاد، التي مدّها اعتراف المرشد علي خامنئي بـ"الشرعية" وسحبها من التداول، وتشديد القمع لإحباط الاحتجاجات. ولذلك ذهب الإيرانيون إلى المفاوضات بشيء من الثقة. لكن تجدد التظاهرات والتحديات من جانب المعارضة، وتصاعد الاتهامات بالتعذيب والممارسات الشائنة ضد المعتقلين، والمحاكمات المسرحية، ما لبثت أن أضفت مناخاً قاتماً على التعاطي الإيراني مع الأطراف الدولية. تزامن ذلك خصوصاً مع العرض الذي أعدته وكالة الطاقة الذرية بشأن مبادلة اليورانيوم الإيراني منخفض التخصيب بوقود نووي لتشغيل المفاعلات المخصصة لإنتاج الطاقة النووية للأغراض السلمية. إذ إن التعامل مع هذا العرض اتسم ببلبلة وتردد نجما تحديداً عن إدراك طهران أن الدول الكبرى لم تغير النهج في التعامل معها، كما كانت توقعت أو تمنّت. ولعلها فهمت أن القوى الخارجية أخذت الأزمة الداخلية في اعتبارها.

في المقابل يقال الآن في العواصم الغربية أن طهران لم تستطع حسم موقفها من العرض، أو حتى من الحوار المقترح مع الولايات المتحدة تحديداً لأنها غارقة في أزمتها الداخلية. لكن الأجندة الدولية لا تريد الانتظار، وبالتالي فإن العودة إلى العقوبات هي الرد المتوقع على عدم وجود استجابة إيرانية. لكن ينبغي عدم تجاهل التفجيرات التي حصلت في عدد من المناطق، وكذلك اغتيال الباحث في الطاقة النووية؛ لأن فيهما إشارات وإنذارات لطهران. وعلى الرغم من الاستهزاء الذي تقابل به الحكومة الإيرانية كل تلويح بعقوبات جديدة، فإن الموقف الحقيقي أكثر جدية في احتساب تبعات تلك العقوبات. كذلك، فإن النظام الإيراني لا يزال يراهن على معارضة روسيا والصين، ولكنه يلاحظ أيضاً أن لموسكو وبكين مصالح قد تضطرهما إلى تمرير أي قرار جديد في مجلس الأمن.

كان نجاد تعهد أكثر من مرة، بل هدد، بأن أحداً لن يفكر بعد الآن بفرض عقوبات على إيران. ويبدو أنه كان عندئذ مطمئناً إلى الموقفين الروسي والصيني، ويفترض أن ثقته بهما لم تعد كما كانت؛ فرهانه على شطب العقوبات واستبعادها نهائياً يبدو الآن قد تبدد. ولا شك في أن النظام الذي راهن أيضاً على تحويل وجهة المفاوضات الدولية من البرنامج النووي إلى النفوذ الإقليمي لإيران يرى حالياً أن حساباته لم تكن دقيقة. لذلك قرر العودة إلى مواقفه المتشددة في الخارج، والعودة أيضاً إلى الداخل ولكن بموقف مزدوج يقوم على استمرار التهديد بالبطش مع إفساح المجال للوساطات أملاً في حل سياسي غير مكلف.

لم تعدم الأزمة الداخلية قنوات اتصال بين النظام والمعارضة، بعضها معروف مثل رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني، وبعضها الآخر، وهو الأكبر، غير معروف ويعمل بعيداً عن الأضواء لكنه يعاني من الإعلام الرسمي الذي توجهه الأجهزة ولا تتوانى عن تحميله معلومات ملفقة أو محرّفة. وكان معلوماً دائماً أن معتدلي الجناحين الإصلاحي والمحافظ أقاموا بعلم خامنئي حوارات واقترحوا عليه أفكاراً لحلحلة تعقيدات الأزمة. ولم يغب هذا التحرك عن المعلومات المتداولة في الخارج، والتي تؤخذ في الاعتبار لدى التخطيط لأي تحرك في اتجاه إيران. فأي اختراق داخلي نحو مصالحة بين النظام والمعارضة سيعني مزيداً من التشدد في مفاوضات البرنامج النووي، وبالتالي فإنه سيسرع العمل والضغوط لحسم قرار العقوبات. واستطراداً ستؤدي العقوبات إلى مزيد من الإزعاجات الإيرانية في أكثر من موقع، وبالأخص في العراق وأفغانستان، ويمكن أن يضاف اليمن، وربما استجدت مواقع إقليمية لم تحركها طهران سابقاً. كما أن لبنان وفلسطين لا يزالان بؤرتين قابلتين للتفعيل بسبب الاستعداد الإسرائيلي الدائم لملاقاة إيران في أي لعبة نفوذ ترتئيها.

أدى الموقف الذي أعلنه الزعيم الإصلاحي، مهدي كروبي، على لسان نجله، إلى كشف بعض فحوى مساعي الوسطاء من أجل "المصالحة". وقد صاغ كروبي كلامه بدقة ومكر، فمن جهة يعترف بالأمر الواقع "القانوني" الذي فرضه المرشد بمصادقته على "رئاسة" نجاد، لكنه من جهة أخرى يعتبر هذا الأخير "رئيس حكومة"، ورئيس الحكومة يمكن أن يعينه المرشد، أما أن يعتبر منتخباً فهذا ما لا يرى كروبي أن الانتخابات أظهرته، ولذلك فإنه لم يغير موقفه القائل بأن نتائج الانتخابات تعرضت للتزوير. وقد اضطر كروبي إلى إعلان موقفه عبر مواقع إلكترونية؛ لأن الإعلان الرسمي الذي نقله أولاً، نشره على أنه اعتراف برئاسة نجاد. وكانت مواقف أخرى للزعيم الإصلاحي الآخر مير حسين موسوي، والرئيس السابق محمد خاتمي، نُقلت رسمياً محرّفة أيضاً، ما دفع زوجة موسوي لأن تتولى التوضيح بأن أحداً لم يتنازل عن المطالبة بتصحيح نتائج الانتخابات.

هذا التضارب أوضح للمتابعين أن الوسطاء يعملون أولاً على تبديد الانطباع العام بأن تحرك المعارضة يهدف إلى تغيير النظام، وثانياً على تأكيد الاعتراف بموقع المرشد ومكانته وحتى بقراراته المثيرة للجدل (الاعتراف بنتائج الانتخابات رغم الاحتجاجات عليها)، وثالثاً على اعتبار أن "رئاسة نجاد" وكأنها مجرد رغبة خامنئية ينبغي ألا تنقض، ورابعاً على مجموعة ترتيبات وإجراءات تتعلق بالمحاكمات والمعتقلين الذين لم يقدموا بعد للمحاكمة، فضلاً عن تحركات من جانب المعارضة لتأكيد ولائها للنظام، كأن تشارك مثلاً في احتفالات الثورة خلال الشهر المقبل في إطار البرنامج الرسمي.. لكن ما بقي مجهولاً هو "الثمن" الذي ستجنيه المعارضة لقاء التنازلات الواضحة التي طلبت منها.

هنا يتوقف الأمر على الطريقة التي تدار بها الوساطة. ويقول أحد المصادر إن النظام يحاول استغلال المساعي لشق المعارضة واستمالة أحد طرفيها (موسوي). وعلى الرغم من تأكيدات بأن الاتصالات مع موسوي تقدمية، فإن الأخير لم يخرج بأي موقف علني باستثناء تصريح خاطب فيه الحكومة وكأنه يعترف بها. أما تصريح كروبي فبدا أكثر صراحة؛ لأنه حدد بوضوح أن المشكلة ليست مع المرشد، وأن المصالحة ممكنة مع المرشد، أما نجاد وحكومته والنتائج المزورة فتبقى موضع خلاف.

على أي حال لا تشكل المساعي الجارية اختباراً لصلابة المعارضة وتماسكها فحسب، بل هي أيضاً اختبار للنظام نفسه ومدى استعداده وقابليته لعقد "مصالحة". ولا شك في أن أيّ حل للأزمة إذا لم يكن على أساس إعادة إجراء الانتخابات، فإنه مدعو لبلورة إطار مشاركة سياسية لا تبدو له أي معالم في المداولات الجارية حالياً. مع ذلك قد يستخدم النظام براغماتيته لتقديم بعض التنازلات؛ لأنه بحاجة إلى إظهار كل إيران وراءه في مواجهته للصعوبات الخارجية القادمة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات