النتائج السياسية لتجربة كوريا الشمالية النووية

النتائج السياسية لتجربة كوريا الشمالية النووية

  • 29 أكتوبر 2006

جذبت كوريا الشمالية أنظار العالم إليها مرة أخرى بعد إعلانها يوم 9 أكتوبر 2006، عن نجاحها في القيام بأول تجربة نووية خاصة بها، وهو الخبر الذي صدم العالم، الذي كان يأمل ألا تقوم هذه الدولة الفقيرة ذات التعداد السكاني البالغ نحو 2.3 مليون نسمة بالدخول في هذا النفق المظلم.

وقد أطلق هذا الخبر فيضاً من الإدانات الدولية؛ حيث أبدى قادة العالم مخاوفهم من أن يحفز البرنامج النووي لكوريا الشمالية الحكومات الأخرى على أن تسلك نفس النهج، الأمر الذي من شأنه أن يهدد الأمن والاستقرار ليس فقط في منطقة الشرق الأقصى بل العالم ككل، ويعزز من فرص الإرهاب النووي، وزادت هذه المخاوف بعد تهديد "بيونج يانج" بإجراء المزيد من التجارب النووية في المستقبل القريب.

ومن المهم هنا الإشارة إلى أن كوريا الشمالية ليست مجرد دولة أخرى تنضم إلى النادي النووي، فهذه الدولة التي توصف بالمارقة قامت بتطوير نظام التسلح الخاص بها وبالمتاجرة بالأسلحة في السوق العالمي، بشكل أثار قلق الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، بل إنها هددت ببيع تقنيتها النووية للدول والتجمعات الأخرى، وهو ما أثار المخاوف من احتمالية قيام هذه الدولة ببيع أحد قنابلها النووية أو بعض من البلوتونيوم الخاص بها إلى الجماعات الإرهابية والكيانات الأخرى غير الشرعية. ولهذه الأسباب، نظر العالم إلى هذه التجربة التي قامت فيها " بيونج يانج" بتفجير جهاز نووي صغير في جبال بلدة كيلجو على أنها تمثل تهديداً خطيراً للسلام والأمن العالميين.

لقد نشأت الطموحات النووية لكوريا الشمالية، عندما خطط مؤسسها "كيم إل سونج" لتحدي نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب الكورية. ويعتقد البعض أن نوايا سونج لتطوير السلاح النووي عززها الطلب الذي تقدم به الجنرال الأمريكي "دوجلاس ماك أرثر" إلى حكومة بلاده باستخدام الأسلحة النووية خلال هذه الحرب. إلا أن هذا الأمر تطلب من نظام "بيونج يانج" الحاكم عدة عقود لتطوير التقنية النووية، ولم يصدر القرار بإسراع إنهاء هذا البرنامج إلا مؤخراً. ففي أوائل الثمانينيات، اكتشفت الأقمار التجسسية الأمريكية أن كوريا الشمالية تبني مفاعلاً نووياً، وفي بدايات التسعينات أفادت تقديرات وكالة الاستخبارات المركزية بأن كوريا قد تمتلك سلاحاً أو سلاحين نوويين، وهو ما دفع الإدراة الأمريكية برئاسة الرئيس السابق "بيل كلينتون" بالضغط عليها لتقنين عملية إعادة معالجة الوقود المستنفد من مفاعلاتها.

وفي عام 1994، اعتبرت حكومة "كلينتون" أن قيام كوريا الشمالية بإعادة معالجة وقودها النووي يعد تخطياً للحدود المسموح بها، وهددت باتخاذ إجراء عسكري ضدها في حالة أصرت على تخطي هذه الحدود. وقد تجاوب الكوريون الشماليون مع رد الفعل هذا، وبدأت المفاوضات التي أدت إلى المعاهدة التي أطلق عليها "إطار العمل المتفق عليه" The Agreed Framework، إلا أن هذه الاتفاقية لم تكن لتحقق أمال الكوريين بامتلاك السلاح النووي، وإن كانت قد نجحت في تعطيل قطار الطموحات الكوري لمدة تزيد عن الثماني سنوات، فبموجب إطار العمل المتفق عليه، تم حفظ الوقود المستنفد في حوض تخزين تحت الإشراف الدولي.

ولكن العلاقات بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية ساءت بشكل ملحوظ بعد قيام الرئيس "بوش" في فترة رئاسته الأولى بتصنيف كوريا الشمالية ضمن دول "محور الشر"، مبدياً ملاحظات ينتقد فيها رئيسها الحالي "كيم يونج إيل". وفي عام 2002، اكتشفت حكومة "بوش" وجود برنامج كوري سري لتخصيب اليورانيوم، وهو ما اعتبرته الإدارة خرقاً لإطار العمل المتفق عليه، وقررت بناء على ذلك التحرر من الالتزام بالاتفاقية.

ورداً على ذلك، قامت كوريا الشمالية بطرد مفتشي الأسلحة القليلين الذين كانوا يعيشون في المجمع النووي في يونج بيون، وقامت بنقل الـ8.000 قضيب نووي الذين كان قد تم حفظهم تحت الإشراف الدولي، وهو ما انتقدته الإدارة الأمريكية، بيد أنها لم تحرك ساكناً تجاه نظام "بيونج يانج" الحاكم، رغم تأكيد الخبراء أن هذه القضبان تحتوي على كمية من البلوتونيوم تكفي لصنع خمس أو ست قنابل نووية، في الوقت الذي تبدو فيه الصورة غامضة حول عدد الأسلحة التي تمتلكها "بيونج يانج" بالفعل.

وبعد ذلك قامت واشنطن بالتوقيع على اتفاقية تم التوصل إليها من خلال محادثات اللجنة السداسية والتي تضم: الصين واليابان وكوريا الشمالية وروسيا وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة في سبتمبر 2005. وبموجب هذه الاتفاقية، وافقت واشنطن على تسوية علاقاتها مع كوريا الشمالية التي ظلت في حرب معها منذ عام 1950(جرى اتفاق وقف إطلاق النار عام 1953)، في المقابل وافقت "بيونج يانج" على التخلي عن برنامجها النووي والعودة إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، والتي كانت قد انسحبت منها في عام 2003 تحت وطأة حملة العداء الشديد التي شنتها واشنطن ضدها، غير أن هذه الأخيرة قامت، بعد أربعة أيام فقط من توقيع الاتفاقية، بتفعيل غرفة عمليات مجلس الأمن القومي في محاولة على ما يبدو لضرب استقرار كوريا الشمالية، بحسب تعبير البعض، كما اتهمتها الولايات المتحدة بإصدار أوراق نقدية مزورة من فئة 100 دولار أمريكي، وقامت بتحركات تهدف إلى الضغط على المصارف حول العالم لكي توقف التعامل مع نظام بيونج يانج الحاكم.

وبحلول نوفمبر 2005 كانت المحادثات السداسية قد أصبحت على وشك الانهيار، ثم ازدادت الأزمة تعقيداً بعد قيام الولايات المتحدة في أواخر شهر يونيو 2006، بأضخم مناوراتها العسكرية غربي المحيط الهادي منذ نهاية الحرب مع فيتنام في عام 1975 ؛ حيث اشتملت هذه المناورات على تمركز سفينتين حربيتين مدرعتينن تحملان صواريخ موجهة قبالة السواحل الكورية الشمالية.

في 5 يوليو، جاء الرد الكوري الشمالي عن طريق القيام بالعديد من المناورات والتجارب العسكرية، فقامت بإطلاق العديد من الصواريخ ذات المدى القصير، وصواريخ تايبودونج 2 طويلة المدى وبعدها. وفي 3 أكتوبر 2006، أعلنت "بيونج يانج" عزمها القيام بتجربة نووية، ورغم رفض حكومة بوش إجراء مثل هذه التجارب، أعلنت كوريا الشمالية في 9 أكتوبر 2006، نجاحها في إجراء التجربة النووية، التي قال عنها المراقبون إنها نتاج عامين من العداء والاستفزاز بين واشنطن وبيونج يانج.

وعلى ما يبدو، فإن الدافع وراء قيام بيونج يانج بهذه الخطوة وغيرها من الخطوات التي سبقتها هو إرغام الولايات المتحدة على الدخول معها في مفاوضات مباشرة، بهدف انتزاع المزيد من الامتيازات الاقتصادية والأمنية. ورغم خلافاتها مع الولايات المتحدة والنهج المتهور التي تتبعه الدولة في العلاقات الدولية، إلا أن البعض اعتبر أن ثمة منطقاً ما في تصرفات كوريا الشمالية، فالعداء الأمريكي للنظام الكوري دفعه إلى اتخاذ هذه الخطوات بهدف تدعيم نفسه في مواجهة الصعوبات الاقتصادية الداخلية الشديدة، والعداءات الخارجية التي لا تهدأ.

ومن ناحية أخرى، يبدو أن المجتمع الدولي ليس لديه العديد من الخيارات في الوقت الحالي، فعلى الرغم من قرار الأمم المتحدة بفرض العقوبات الاقتصادية على كوريا الشمالية في 14 أكتوبر 2006، يخشى النقاد ألا تتسبب هذه العقوبات إلا في حدوث خفض مؤقت في حجم المساعدات الروسية والصينية والكورية الجنوبية سرعان ما ينتهي، وهو ما قد يقلل من تأثير هذه العقوبات حتى لو استمرت الولايات المتحدة واليابان في تطبيق هذا النظام الصارم للعقوبات.

وفي نفس الوقت، يظل الوضع القائم في المنطقة على وشك الانفجار، فعلى الرغم من القيود التي تحيط بكل من الولايات المتحدة وكوريا الشمالية والتي تجعل الخيارات المطروحة أمامهما محدودة، إلا أنه ليس من المستبعد أن يقوم أحد الطرفين بخطوة ما قد تتسبب في حدوث مواجهات عسكرية خطيرة، قد تتسع لتشمل الإقليم الشمال أسيوي بأكمله. كما أن هناك اهتماماً عالمياً أيضا برد الفعل الإيراني والذي سيقوم بدراسة النتائج المترتبة على هذه الخطوة الكورية بهدف وضع استراتيجية محددة لبرنامج طهران النووي.

وأحد التداعيات الكبرى لهذه الخطوة الكورية هو تأثيرها المحتمل على نظام منع الانتشار الذي تضمنته اتفاقية حظر الانتشار النووي؛ فالتجارب النووية التي قامت بها كل من كوريا الشمالية والهند وباكستان ولدت فكرة أنه من الممكن للدول التي لا تمتلك الأسلحة النووية وتتطلع لامتلاكها أن تحقق أهدافها دون خوف من الانتقاد الدولي، وفي نفس الوقت السماح للدول النووية بتطوير ترسانتها النووية، خاصة أن تقديرات "محمد البرادعي" مدير عام وكالة الطاقة الذرية تشير إلى دراية نحو 49 دولة في العالم بكيفية صنع السلاح النووي، محذراً من أن التوترات العالمية قد تتسبب في حدوث كوارث غير محمودة العواقب.

وفي تصورنا، فإن الطريقة الوحيدة لكبح جماح هذا الانفلات النووي هي أن تقوم الدول النووية التسع الحالية (بما فيها إسرائيل) بالتفكير جدياً في التخلص من برامج التسلح النووية الخاصة بها كما جاء في اتفاقية حظر الانتشار النووي عام 1970. وإذا لم تقم هذه الدول بهذه الخطوة الصعبة، فإن الانتشار الجغرافي للأسلحة النووية من الممكن أن يؤدي إلى سيناريوهات خطيرة ومظلمة في المستقبل.

Share