الناتو: هل يكون آخر وأفضل أمل للسلام والاستقرار في الخليج؟

د. جون بروني: الناتو: هل يكون آخر وأفضل أمل للسلام والاستقرار في الخليج؟

  • 30 يناير 2008

قام الأمين العام لحلف شمال الأطلنطي (الناتو)، سعادة "ياب دي هوب شيفر" يوم 24 يناير/كانون الثاني 2008، بزيارة مهمة لمقر مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في أبوظبي، ألقى خلالها محاضرة ناقش فيها "مبادرة إسطنبول للتعاون"، التي كان الحلف قد أطلقها في شهر يونيو/حزيران 2004، وانضمت إليها دولة الإمارات العربية المتحدة بعد ذلك بسنة واحدة، والتي يتمثل هدفها الرئيسي في تطوير أسس التعاون المتبادل بين بعض دول الشرق الأوسط والحلف الأطلسي، لاسيما في مجال الترتيبات الدفاعية وإمكانية تناغم العمليات المشتركة بين قوات الناتو وقوات الشرق الأوسط، وكذلك تعزيز التعاون في مجالات مواجهة الإرهاب وأمن الحدود والدفاع المدني.

ورغم أن الأمين العام لحلف الناتو كان قد أعلن صراحة خلال محاضرته أن مبادرة إسطنبول لا تهدف إلى أن يكون للحلف موطئ قدم أو وجود في منطقة الشرق الأوسط، إلا أنه سيكون من الصعب ألا نتصور حدوث مثل هذا الحضور إذا ما تم اتباع المبادرة وتطبيقها كما هي بحذافيرها. وإذا حدث أن امتد مفهوم مبادرة إسطنبول للتعاون وانتشر في أرجاء منطقة الخليج، فإن حضور الناتو في هذه المنطقة قد يساعد في تحمّل بعض التبعات السياسية التي يمكن أن تترتب على التحالف الوثيق بين دول الخليج وواشنطن. فعلى سبيل المثال، وبالنظر إلى حقيقة أن الولايات المتحدة هي أهم أعضاء حلف الناتو، فإن فكرة تعاون دول الخليج أكثر مع الناتو من خلال مبادرة إسطنبول للتعاون تنطوي على كافة مزايا الإبقاء على الروابط العسكرية القائمة حالياً مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه يخفي هذه الحقيقة من خلال توسيع الروابط الثنائية للخليج لتشمل الشق الأوروبي في الناتو بطريقة منهجية منظمة. وهذا الشكل من الترابط يأتي بالعديد من المزايا وقليل من العيوب، ومن ثم لا يمكن النظر إليه إلا باعتبار أنه يمثل فائدة متبادلة لصالح تحقيق الأمن المشترك.

ومع ذلك فإن إحدى المسائل المهمة التي تم إثارتها خلال محاضرة الأمين العام للناتو، كانت الحاجة إلى ضرورة مواصلة عملية إصلاح الحلف الأطلسي، ذلك أنه منذ إنشاء هذا الحلف في عام 1949 بهدف مواجهة ومعادلة النفوذ العسكري للاتحاد السوفيتي السابق وموازنة وجوده في أوروبا الشرقية عبر تفعيل سياسة الأمن الجماعي، واجه الناتو العديد من التحديات السياسية والعسكرية الداخلية والخارجية، التي تؤكد أهمية مواصلة عملية إصلاح الحلف.

لقد خرج حلف شمال الأطلنطي من الحرب الباردة سليماً معافى بلا أية أضرار، وسرعان ما اعتبرته الدول الأعضاء السابقة في حلف وارسو، الذي كان يتزعمه الاتحاد السوفيتي السابق وسيلة لتأمين نفسها ضد التدخل الروسي في شؤونها وسيادتها. ولكن مع توسع الناتو شرقاً تزايد اهتمام روسيا وقلقها إزاء الطريقة التي يمكن أن يؤثر بها هذا التوسع على أمنها الوطني.

وخلال سنوات حكم الرئيس الروسي السابق "يلتسين" (1991 ? 1999) أدت الفوضى التي أعقبت تحول الاقتصاد الشيوعي السوفيتي السابق إلى الرأسمالية، إلى إرباك الجميع عدا الوطنيين المتشددين والشيوعيين السابقين. وبينما تحدث بعض زعماء الكرملين علناً عن شكوكهم في أجندة الناتو التي تستهدف استغلال ضعف روسيا الاستراتيجي لمصلحة الحلف، فإن الناتو لم يكن في الوضع الذي يمكنه من التصرف على هذا النحو، ففي بروكسل كانت هناك قضايا أخرى تجري مناقشتها، حيث كانت قيادة حلف الناتو تناضل مع قضية التوسع وتقوم بدراسة عدد من المسائل المعقدة المرتبطة بهذه القضية، مثل: من الذي يصلح لأن ينضم للحلف؟ وما هو الجدول الزمني الذي يتعين اتباعه في منح العضوية لدول أوروبا الشرقية؟ وكيف سيحول الأعضاء الجدد قواتهم المسلحة ذات الطابع السوفيتي إلى قوات تتكامل مع قوات أوروبا الغربية؟

واستناداً إلى ما حدث بالفعل من تطورات، يستطيع المرء أن يرى بوضوح أنه بينما كانت روسيا في عصر يلتسين تمثل ظلاً للاتحاد السوفيتي السابق، فإن حلف الناتو لم يكن في وضع يمكنه فيه الاستفادة من ضعف موسكو. كما أن الحلف كان يسعى أيضاً خلال سنوات التسعينيات إلى التعامل مع الوضع الاستراتيجي الجديد المتمثل في العنف العرقي المميت في دول البلقان، ومن ثم فقد كان الحلف خلال هذه الفترة ضعيفاً ومرتبكاً وضالاً. وفوق كل ذلك كان قابعاً تحت تراث ثقيل من سياسات الحرب الباردة التنظيمية والمؤسسات البيروقراطية والهياكل العسكرية التي لم تكن أي منها قادرة فعلاً على مواجهة التحديات الدولية الجديدة.

ورغم ذلك وبأمر من الولايات المتحدة، العضو القائد في الناتو، تدخل الحلف في منطقة البلقان، رغم أن هذا التدخل تعرض حتى يومنا هذا للعديد من الانتقادات التي ترى أنه تأخر كثيراً، وأنه لم يكن بالقوة الكافية ولا حاسماً بالقدر الذي يكفي لتلافي كثير من المجازر التي حدثت، إلا أن الحلف نجح بالفعل في عام 1999 في منع تفاقم الأزمة في كوسوفو وحال دون تحولها إلى حمام دم أكبر بكثير.

وفي عام 1999 حاول الناتو كذلك التغلب على قصوره التنظيمي وإصلاح ذاته، والابتعاد عن مناخ الحرب الباردة السابق، وذلك عبر تطوير مفهومه الاستراتيجي الجديد. علاوة على ذلك، نجح الحلف في طرح خطة إصلاح خلال قمة براغ عام 2002، ولكن في ذلك الوقت كان النظام الدولي قد تغير كثيراً؛ حيث برز عصر جديد من الحرب غير النظامية والإرهاب العالمي وانتشار الصواريخ الباليستية والأسلحة النووية والدول الفاشلة والحرب الإلكترونية، التي تآمرت جميعها ضد فعالية المواجة العسكرية التقليدية.

وفي العام 2008 كان حلف الناتو قد تحدى عملياً منتقديه، فقد صمد الحلف طوال 59 عاماً، وساهم وجوده في تحقيق استقرار الأمن الأوروبي. وثمة شيء واحد يمكن أن يقال على هذا الحلف العظيم، وهو أن معاناته وسعيه الدؤوب لإعادة صياغة بنيته وسياساته تمشياً مع متطلبات هذا العصر الجديد، إنما هي شاهد على طموح هذا الحلف ورسوخه. إن جنود حلف شمال الأطلنطي يخدمون حالياً في أول نزاع رئيسي خارج نطاق اتفاقية الحلف، في أفغانستان، وهناك العديد من الدروس المهمة التي تم تعلمها من هذه التجربة، رغم أن هذه الجبهة في الحرب العالمية ضد الإرهاب على وشك الإخفاق. ومن المهم جداً لقيادة الناتو أن تطبق على وجه السرعة ما استفاده الحلف من دروس في أفغانستان في كافة سياساته.

يتعين على الشركاء الخليجيين في مبادرة إسطنبول للتعاون أن يتعلموا كثيرا من حلف الناتو ومن أعضائه، وربما لا تكون كل هذه الدروس إيجابية بالضرورة، فعلى سبيل المثال إذا أخفق الناتو في إرساء الاستقرار في أفغانستان، ستكون هناك دروس مهمة يمكن للشركاء الخليجيين في مبادرة إسطنبول أن يتعلموها، لاسيما فيما يتعلق بالبحث عن أفضل الطرق لتفادي الأخطاء المحتملة في العمليات الأمنية الجماعية التي يمكن أن تقوم بها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مجتمعة. وربما يكون من المهم للشركاء الخليجيين في المبادرة أن يكون لديهم تقييم واضح ومنطقي عما يعنيه لهم وجود روابط قوية مع حلف الناتو. فوجود الحلف في الخليج لن يكون امتداداً أو توسعاً له، ولكنه يمكن أن يساهم، في أسوأ الظروف، في تحقيق الاستقرار في المنطقة، ويوفر مسارات جديدة للتوسط في حل النزاعات الإقليمية التي مضى عليها دهر من الزمن، وهذا الأمر سيكون إيجابياً ومرحباً به.

Share